الشعر الرقَمي: مساحات جديدة للتعبير لاترتبط بالكلمة فقط.. محاولة عربية وحيدة!

تم النشر: تم التحديث:
PIC
social media

ينتشر على الشبكة العنكبوتيّة العديد من الأشكال الأدبية والفنيّة المختلفة، من التصوير والسينما إلى الشعر والرواية.

إذ يعتمد صنّاع هذه الأعمال على الجماهيرية التي تمتلكها هذه الوسائل للنشر على صعيد واسع، بحيث تكون هذه المنصات وسائل لنشر المنتج الأدبي أو الفني، سواء كان منتجاً بشكل شخصي أو بشكل مؤسساتي، لكن في الحديث عن الشعر، لم تكن التكنولوجيا فقط وسيلة لنشر ولتداول القصائد والنصوص، بل أيضاً كانت سبباً لتطوير نوع جديد من الشعر ذي جماليات مختلفة عن تلك التقليديّة بحيث توظف التكنولوجيا والخصائص التي تمتلكها لخلق تجربة شعرية مغايرة عن تلك التي يحويها الشعر المكتوب الذي يعتمد فقط على الكلمات.

الشعر الرقمي الذي ظهر في العالم منذ منتصف التسعينيات بسبب توافر التكنولوجيّا للجميع، لا يرتبط فقط بالكلمة، كما لا يمكن قراءته أو تلقيه إلا عبر الحواسيب، فهو يوظف خصائص الحواسيب ولغة التشفير والارتباطات التشعبية والصور والأنيميشن لخلق القصيدة والتجربة الشعريّة، كقصيدة "بادل" لنيل هيتسي والتي تعتبر شكلاً بسيطاً للقصيدة الرقمية حيث تتحرك الكلمة ويتغير ترتيب الأحرف أمامنا.


ومن أشكال هذه القصائد بالإمكان أن نرصد ما يلي:






- القصيدة التوليديّة: هي القصيدة التي بالأصل تكون عبارة عن برنامج مكتوب مسبقاً، تظهر فيه الكلمات والجمل الشعرية حسب الترتيب الذي يريده المبرمج والشاعر، ويمكن أن تختلف ألوان الكلمات و طريقة ظهورها وترتيبها.





- الشعر المبرمج: المقصود به القصيدة المكتوبة بشكل لغة البرمجة ذاتها، أي بتبني العلامات ووسائل التعبير والروابط المنطقية المستخدمة في لغة البرمجة وتحويلها إلى قصيدة.






- القصيدة البصريّة الرقميّة: وهي نوع من القصائد تدمج فيه الكلمة مع الصورة، وكل واحدة منها تساهم في بناء المعنى، بحيث لا يكون التركيز على النص فقط، بل أيضاً على قدرة الكمبيوتر على التلاعب بالنص والصورة في ذات الوقت.





- القصيدة متعددة الوسائط: هذا النوع من القصائد هو الأكثر انتشاراً بوصفه يستخدم الوسائط المتعددة من صوت وصورة وفيديو وكلمة لتكوين تجربة جمالية، لا يعتمد فقط على التلقي الشعري التقليدي المرتبط بالكلمات، بل بتوظيف خصائص إضافية، ما يكسر احتكار الكلام المكتوب للشعر.

- القصيدة التفاعليّة: وهي أشبه بالنص ذي المصدر المفتوح، حيث يمكن لكل من يقرأ القصيدة أن يضيف ويعدل عليها، ويتلاعب بشكلها وكلماتها، بحيث تكون عملية بناء جماعية وتفاعلية، لا يحتكر فيها الكاتب شكل القصيدة أو معناها، بل يمكن لكل قارئ أن يضيف عليها، ما يجعل الشعر متحولاً لا يمتلك شكلاً أو معنى واحداً، بل هو متحول لك ولكل من يقرأه.

- القصيدة المتشعبة: يعتمد هذا الشكل على الروابط الفائقة والنصوص المتشعبة، بحيث تقود القصيدة القارئ إلى نوافذ جديدة ومواقع أخرى، لتكون أشبه برحلة استكشاف رقميّة-شعريّة، تعتمد على خصائص الإنترنت والنصوص الفائقة المرتبطة بها.


شعريات رقميّة


الجماليات التي يمتلكها الشعر الرقمي مختلفة عن تلك الموجودة في التقليدي، فهو يكسر هيمنة الكلمة على لقصيدة ويتيح لأشكال أخرى من التعبير أن تكتسب صفة شعريّة، كما أنه يتطلب لا فقط مهارة أدبيّة، بل مهارة تقنية لاستخدام لغات البرمجة أو ببساطة الخصائص التي يمتلكها الكمبيوتر.

جانب آخر أثرت فيه التكنولوجيا في الشعر التقليدي مرتبط بآلية الكتابة، فالكثيرون ممن ينشرون نصوصهم وقصائدهم على مواقع التواصل الاجتماعي، متأثرون بآلية إنتاج النصوص التي توفرها هذه المواقع، فمرتاد هذه المواقع يتصفح لا يقرأ، ونتيجة التعرض الكثير لهذه الشاشات أصبح البعض وبدون وعي منه يكتب للمتصفحين لا للقراء، لتأتي القصيدة آنية التأثير وانطباعيّة، يتلاشى أثرها الجمالي بمجرد أن ينتقل القارئ إلى صفحة أخرى أو منشور آخر.



العرب والقصيدة الرقميّة



pic
الشاعر مشتاق عباس معن

لا تنتشر القصيدة الرقمية بشكل كبير في العالم العربي، بل يلجأ الكثيرون إلى العالم الرقمي للنشر فقط والترويج لمنتجهم لا لتطوير القصيدة الرقميّة باللغة العربيّة، لكن لا يخلو الأمر من محاولات فرديّة أشهرها قصيدة "تباريح رقميّة لسيرة بعضها أزرق" للشاعر العراقي مشتاق عباس معن والتي أنتجها عام 2007 ونالت شهرة كبيرة في الأوساط الأدبيّة بوصفها الأولى من نوعها.



pic

وهي قصيدة يمكن تحميلها وقراءتها على الكمبيوتر، حيث يتداخل فيها الكلام مع الصورة، وتتيح للقارئ الضغط على أماكن مختلفة منها وتصفحها كمن يتنقل ضمن تطبيق اعتيادي، وقد أعلن معن مؤخراً عن أنه سيصدر قصيدة ثانية بعنوان "لا متناهيات الجدار الناري" لتكون القصيدة الرقميّة الثانية له بعد عشر سنوات من الأولى.