الذبابة قد تستحقُّ جائزة نوبل لتسبُّبها في اكتشاف الساعة البيولوجية.. تعرَّف على ما يحدث في جسمك

تم النشر: تم التحديث:
SLEEPING
Shot of a tired young businessman working late in an office with adhesive notes covering his eyes | PeopleImages via Getty Images

هل منا من لم يسمع من قبل عن الساعة البيولوجية؟ إن لم تقرأ عنها فربما يكون هذا هو الوقت المناسب بعدما حصل بحث عن إيقاع الساعة البيولوجية للجسم على جائزة نوبل.

الأمر ببساطة يتلخص في عمل المكونات الجزيئية الصغيرة للساعة البيولوجية، والتي اكتُشِفَت لأول مرة في ذبابة الفاكهة، لدى جميع الكائنات الحية متعددة الخلايا، بمن فيهم البشر. وتعد الساعة الداخلية حالياً واحدةً من أهم ملامح الحياة على الأرض، إذ تربط بين حركة الكوكب ونسيج خلايانا عبر ملايين السنين من التطور.

ويكمن جمال الساعة البيولوجية في أنها تسمح للكائن الحي بتوقع شروق وغروب الشمس بدلاً من تركه ليكون مجرد رد فعلٍ لحركة الشمس. ولا توجد ساعةٌ بيولوجية واحدة تقوم بمهمة تنظيم وظائف الجسم بأكمله تبعاً للوقت. بدلاً من هذا، توجد عدة ساعات جزيئية متفرقة في مختلف أنواع خلايا الجسم، مثل الساعات الموجودة عند الصائغ، وتتولى جميعها مهمة التحكم في عددٍ كبير من وظائف الجسم بدءاً من نمط النوم، ودرجة حرارة الجسم، وصولاً إلى ضغط الدم، والتمثيل الغذائي، وإطلاق الهرمونات، بحسب صحيفة The Guardian البريطانية.

عرف العلماء أن الكائنات الحية لديها ساعة داخلية لقرونٍ قبل أن يفهموا الأسباب وراء دقاتها. ويصعب إيجاد نبات، أو حشرة، أو حيوان لا يغير سلوكه بطريقةٍ ما بينما يزول النهار كي يأتي الليل ويصبح الليل نهاراً تباعاً. أجرى عالم الفلك الفرنسي الشهير جان جاك أورتوس دي ميران بعض من أوائل التجارب الأكثر إقناعاً، والتي أشارت إلى وجود ساعةٍ داخلية لدى الكائنات الحية. في عام 1729، أظهرت تجاربه أن نباتات الـ"ميموسا" تفتح أوراقها في النهار وتُغلقها مجدداً في الليل، حتى وإن وُضعت في ظلامٍ دامس. وأشارت الملاحظة إلى أن حركة النباتات ليست رد فعل للضوء، بل أنها مضبوطة ومتناغمة مع تتابع حركة الليل والنهار.

وبعد مرور حوالي 200 عام على وفاة أورتوس دي ميران، اتخذ علماء العصر الحديث أولى خطواتهم الهامة نحو محاولة فهم الساعة الداخلية. في عام 1971، لاحظ عالم الأعصاب الأميركي سيمور بنزر وطالبه رونالد كونوبكا أن عدداً من ذبابات الفاكهة المتحولة إحيائياً لديها ساعات داخلية معطلة. وأرجع العالمان السبب وراء خلل الساعات الداخلية إلى حدوث تغييرات إحيائية داخل إحدى جينات الذبابة والتي مُنحت لاحقاً اسم "Period".

في عام 1984، درس العالمان جيفري هول ومايكل روزباش، وهما من جامعة براندايس في مدينة والثام بولاية ماساتشوستس، جين "Period" والبروتين الذي يُنتجه الجسم من خلال هذا الجين. وأظهر العالمان أن تحدث عملية بناء بروتين، يسمى "بي إي آر" "PER" في الخلايا على مدار الليل قبل أن يتعطل عمله في النهار. ويعنى هذا أن مستوى بروتين "بي إي آر" يرتفع وينخفض داخل الجسم على مدار 24 ساعة.

ولم يكن معروفاً السبب وراء ارتفاع وانخفاض مستوى بروتين "بي إي آر" في الجسم بوتيرة منضبطة مثل الساعة. واقترح العالمان أن عملية بناء بروتين "بي إي آر" نفسها هي السبب وراء توقف الخلايا عن إنتاج المزيد منه، تماماً مثلما يؤدي تناولك لكمياتٍ كبيرة من الكعك المحلى إلى فقدان رغبتك في أكل المزيد منه.

وفي عام 1994، أظهر العالم مايكل يونغ من جامعة روكفلر أن عملية إرسال ردود أفعال للخلية موجودة بالفعل، إذ اكتشف وجود ساعة جينية ثانية بإحدى الجينات والتي تُستخدم لإنتاج بروتين يسمى "TIM". وعندما يتقاطع بروتين "تي آي إم" مع بروتين "بي إي آر" في الخلايا، يلازمان بعضهما البعض ويتحركان إلى نواة الخلية لوقف عمل جين "Period".

وبحلول نهاية تسعينيات القرن الماضي، ساعد علماء آخرون على اكتشاف العلاقة بين جينات أخرى مسؤولة عن آلية عمل الساعة البيولوجية، بما فيها الجينات التي تساعد الخلايا على ضبط وقتها بحسب الضوء الذي يتلقاه الجسم.

وتُعد ساعة الجسم أكثر من مجرد فضولٍ بيولوجي. فقد توصلت دراسات لباحثين في مجال الصحة إلى أدلةٍ تفيد بأن اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية بسبب تغيّر مناوبات العمل، على سبيل المثال، قد يساهم في ارتفاع مخاطر الإصابة بمرض السرطان. وليس مفهوماً بشكلٍ جيد لماذا تحمل تغييرات مناوبات العمل مثل هذه المخاطر الصحية، لكن إحدى الفرضيات تذهب إلى أن التعرض للضوء ليلاً يقلل مستويات هرمون الميلاتونين، وهو هرمون قد يتخلص من بعض الجزيئات المعروفة باسم "أنواع الأكسجين التفاعلية"، ما قد يلحق أضراراً بالخلايا. وفي عام 2014، وجد العلماء أن تغيير مناوبات العمل والرحلات الجوية الطويلة تؤدي إلى اضطراب إيقاع عمل مئات الجينات المسؤولة عن حماية وعلاج الجسم.

وساعدت أبحاث الساعة البيولوجية العلماء على تحسين الظروف الصحية للبشر. وتعمل العديد من الأدوية الموجودة في السوق حالياً عندما تُؤخذ في الوقت المناسب. يُتناول دواء "Mevacor"، المسؤول عن خفض نسبة كولسترول في الدم، ليلاً لأن الإنزيم، الذي يستهدفه الدواء، يصل إلى أعلى مستوياته في تلك الفترة. وينطبق نفس الكلام على تناول جرعات منخفضة من دواء الأسبرين المستخدم لخفض ضغط الدم.

علم روزباش بنبأ فوزه بجائزة نوبل عندما اتصل به رئيس لجنة نوبل في الساعة الخامسة صباحاً بالتوقيت المحلي. وعلّق العالم على موعد الاتصال قائلاً: "أنا ممتن للغاية لذبابة الفاكهة. عندما يرنّ جرس الهاتف الأرضي في هذه الساعة، يكون هذا عادةً لأن شخصاً ما قد توفي".