الأردن يسعى لتحقيق الاستقرار بجنوب سوريا ولكنه يخشى نوايا الأسد.. هذا مصير العائدين بعد اتفاق الهدنة

تم النشر: تم التحديث:
AP
AP

يأمل الأردن أن يؤدي وقف إطلاق النار، في جنوبي سوريا المجاورة له الذي ساعدت في التفاوض بشأن بنوده ، إلى تأمين الحدود في نهاية المطاف، وإعادة فتح التجارة الحيوية بين البلدين، والعودة التدريجية للاجئي الحرب السوريين الذين طلبوا اللجوء إلى المملكة.

وإلى الآن، تبدو هذه الأهداف بعيدة المنال، إذ تظل المخاوف الأمنية الهامة في المنطقة دون حل، حسب تقرير لوكالة أسوشيتدبرس الأميركية.

وتقلَّصت وتيرة القتال بشكلٍ كبير في جنوبي سوريا -والمُكون من مجموعة مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة وقوات المعارضة- منذ أن تفاوضت روسيا، والولايات المتحدة، والأردن للوصول إلى الهدنة في يوليو/تموز 2017.

لكن الأردن لا يزال يرغب في الحصول على ضمانات من الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه، روسيا وإيران، بعدم إيذاء مقاتلي المعارضة المعتدلة والمدنيين بينما تتقدَّم القوات الحكومية في جنوبي شرق سوريا رغم سريان الهدنة.


رد الأسد


وتريد المملكة الداعمة للغرب أن تبتعد أيضاً القوات المدعومة من إيران عن الحدود الأردنية، كما تشعر بالقلق إزاء احتمالية عودة ظهور جماعات المعارضة المُتطرِّفة.

وتلقى الأردن "رسائل مختلطة" بشأن نوايا الأسد، بحسب ما قاله مسؤولٌ طلب عدم الكشف عن هويته التزاماً بقوانين المملكة.
وأضاف المسؤول أن الأردن يخشى زعزعة الاستقرار في المنطقة وتجدُّد تدفُّق اللاجئين إليه إذا ما اختار الأسد الانتقام من معارضيه.

وعلى الرغم من الزيادة الطفيفة في أعداد العائدين إلى سوريا، يبدو أن اللاجئين السوريين في الأردن يميلون إلى ترك خياراتهم مفتوحة تحسُّباً لأي تدهورٍ في الأوضاع.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن عدد اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا طواعيةً في الفترة من يوليو/تموز إلى أغسطس/آب من العام الجاري 2017 بلغ 1830 شخصاً مقارنةً بحوالي 1700 لاجئ في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران من العام ذاته.

وعلى نحوٍ منفصل، قال مسؤولو الإغاثة إن الأردن بدأ في ترحيل حوالي 400 لاجئ سوري شهرياً منذ بداية عام 2017، وفقاً لتقريرٍ أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش اليوم الإثنين، 2 أكتوبر/تشرين الأول 2017.


ترحيل للاجئين


وكان مسؤولٌ أردني قد اعترف في وقتٍ سابق بترحيل بعض اللاجئين لأسبابٍ أمنية دون تحديد عددهم، لكنه أنكر ترحيلهم دون حصولهم على أي مساعدة. وقالت الحكومة الأردنية في بيانٍ لها الإثنين 1 أكتوبر/تشرين الأول 2017 إن عودة اللاجئين إلى سوريا تجري طواعيةً وإنَّ الأردن ملتزم بالقانون الدولي.

وعاد عبد الرحمن الأحمد، 32 عاماً، إلى بلدته، بصرى الشام في محافظة درعا جنوبي سوريا، التي تُسيطر عليها المعارضة، بعد أن أنهكته خمس سنوات في المنفى. لكنها تذكرة ذهابٍ بلا عودة بالنسبة لغالبية اللاجئين السوريين، إذ يحظر الأردن عودة هؤلاء الذين غادروا المملكة.

وبعد أن دُمِّرَ بيته، بات الأحمد يعيش مع غيره من النازحين في بنايةٍ أخرى. ويحصل السكان على الكهرباء لمدة ساعة واحدة فقط يومياً، ويشترون الماء من آبارٍ خاصة بأسعارٍ باهظة، وفقاً للأحمد.

وتعاني بلدته من ندرة الوظائف وعدم توافر خدمات الرعاية الطبية إلى حدٍ كبير للسكان، الذين من بينهم ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات والذي يحتاج إلى إجراء عملية جراحية في أنفه.

وقال الأحمد إنه سيقاتل إذا حاولت القوات الحكومية استعادة سيطرتها على بلدته. وتابع: "قتل النظام ابن عمي، وأخي، وأقاربي. لا يمكنني قبول هذا الأمر".

وتُسهِّل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إجراءات "خروج" السوريين الذين يرغبون في الرحيل عن الأردن، لكنها لا تُروِّج للعودة، والتي لا تزال تُشكِّل خطورةً على حياة اللاجئين في الوقت الحالي.

وقال أندرس بيدرسن، وهو مسؤولٌ كبير بالأمم المتحدة في الأردن: "من السابق لأوانه الحديث عن العودة".


امتعاض أميركي


وكانت "منطقة خفض التصعيد" في جنوبي سوريا أول منطقة من هذا النوع تنص عليها المفاوضات التي تقودها روسيا، وهناك جهود مماثلة جارية تهدف إلى إنشاء مناطق مماثلة في أجزاء أخرى من سوريا، بما فيها مشاركة تركيا في المفاوضات لتكرار التجربة في شمالي غرب سوريا.

وتُصوِّر روسيا هذه المناطق على أنها آليةٌ تدريجيةٌ لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة في عامها السابع.

لكن يرى البعض أن اتفاق جنوبي سوريا غير ممكن التكرار في مناطق أخرى، إذ قال سام هيلر، من مؤسسة "سينشري فونديشن" البحثية في نيويورك: "يكمن السبب الرئيسي وراء التفاؤل الحذر إزاء الوضع في جنوبي سوريا في وجود دولٍ مجاورة لديها دافع لتحقيق الاستقرار بالإضافة إلى وجود قوى حليفة كبرى في المنطقة، وهي عوامل لا تتوافر في مناطق أخرى".

وقالت جينفييف كاساغراند، وهي محلِّلة مُتخصِّصة في الشأن السوري لدى معهد دراسات الحرب في واشنطن، إن المفاوضات التي تقودها روسيا لإنشاء مناطق خفض التصعيد في سوريا تضر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في نهاية المطاف.


إيران والقاعدة


وقالت المحللة أن بنود معاهدة جنوبي سوريا لا تمنع بالضرورة بناء قوات داعمة لإيران كما أنها توفر مساحة، بشكلٍ غير مقصود، أمام المقاتلين المتصلين بتنظيم القاعدة لإعادة تنظيم صفوفهم هناك.

وأضافت أنه لم يُدرَس الدور المُدمِّر المُحتَمَل للقاعدة في المنطقة بشكلٍ كامل. ويلعب التبادل التجاري بين البلدين دوراً رئيسياً في المفاوضات الجارية بشأن ترتيب الأوضاع في جنوبي سوريا. وكان الأردن قد أغلق حدوده مع سوريا في عام 2015 بعد أن سيطرت قوات المعارضة على الجزء الجنوبي من البلاد.

وكانت آثار إغلاق الحدود كارثية بالنسبة للتجارة الأردنية، لكن يبدو أن المملكة ليست في عجلةٍ من أمرها بشأن إعادة فتح الحدود. وقال الملك عبد الثاني، الشهر الماضي سبتمبر/أيلول 2017، إن الحدود سيُعاد فتحها فقط "عندما تتحقَّق الظروف الأمنية المناسبة على الأرض".

وقال الأردن أنه سيتعامل فقط مع ممثلي الحكومة السورية على الحدود بين البلدين، والتي لاتزال خاضعة لسيطرة قوات المعارضة. وتتطلَّب استعادة الحكومة السورية سيطرتها على الحدود الجنوبية الوصول إلى اتفاقٍ مع جماعات المعارضة التي تتشكَّك في نوايا الأسد.


مصير المعارضة المعتدلة


وهناك مخاوف أخرى تتعلَّق بمصير اثنين من ميليشيات المعارضة -وهما جيش أسود الشرقية وقوات الشهيد أحمد العبدو- الذين كانوا يقاتلون مُتطرِّفي تنظيم (داعش) في جنوبي شرق سوريا، لكنهم يتقهقرون حالياً أمام قوات الحكومة السورية.

وحثَّ الأردن سوريا وروسيا على ضمان سلامة الآلاف من مقاتلي المعارضة.

وقال سعيد سيف، المُتحدِّث باسم جماعة أحمد العبدو، إن مقاتلي المعارضة لا يثقون في وعود العفو العام. وتابَعَ قائلاً إنه حتى إذا كانت سيطرة الحكومة السورية على الجنوب ستوفر الاستقرار لبعض المدنيين العائدين إلى سوريا، فإن مقاتلي المعارضة وعائلاتهم لن يكونوا آمنين.

وأضاف: "من المستحيل أن يتركونا على قيد الحياة. سيقولون إننا حاربنا ضد الحكومة. ينعتوننا بالإرهابيين رغم أننا حاربنا داعش لسنوات. سيُجبرونا على التخلي عن أسلحتنا أو سيقصفون المدينة أو سيجبرونا على الرحيل. لكن أين سنذهب؟".

في الوقت نفسه، لا يزال عشرات آلاف السوريين، الذين لا يثقون في مناطق "خفض التصعيد"، يعيشون في مخيمٍ يعمه الفوضى في الصحراء على الحدود الأردنية في ظل نقص الغذاء والماء والمساعدات الطبية.


هذا ما حدث لمن عادوا


ويقبع مئات آلاف اللاجئين في الأردن في انتظار معرفة ما سيحدث لهؤلاء الذين خاطروا بالعودة إلى ديارهم.

وعاد رجلٌ سوري، يبلغ من العمر 53 عاماً وكان قد قضى ثلاثة أعوام ونصف العام مع عائلته في مخيم الزعتري للاجئين في الأردن، إلى قرية نوى في محافظة درعا بمجرد أن سمع أنباءً عن أن بلدته أصبحت أكثر أماناً بعد التوصل إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في يوليو/تموز 2017.

وقال الرجل، الذي تحدَّث بشرط عدم الكشف عن هويته خوفاً على حياة أقاربه في المناطق التي تُسيطر عليها الحكومة: "لم أشأ مغادرة سوريا في المقام الأول".

ويعمل الرجل حالياً في أرضٍ مملوكة لعائلته ويعيش في منزلٍ مُدمَّر لكنه يملكه. وقال إن الكهرباء المتاحة محدودة وأسعار المياه باهظة لكن لا يوجد قصف جوي على البلدة حالياً.

وتابع: "إذا تجدَّد القصف الجوي، سأسلِّم أمر عائلتي إلى الله مثل كل بقية الناس هنا".