جحيم آرامكو.. الوجه الآخر لشركة النفط السعودية تكشفه صحيفة أميركية.. وعدوا الوافدين بالحياة المثالية فوجدوا نيراناً خطفت الأرواح والممتلكا

تم النشر: تم التحديث:
ARAMCO
Antara Photo Agency / Reuters

تحطمت آمال عشرات الوافدين إلى أكبر شركات النفط في العالم، عندما تحولت حياتهم "المثالية" التي وعدوا بها إلى جحيم، حطمت آمالهم وخطفت أرواحهم وممتلكاتهم.

هذا ما كشفته صحيفة The Wall Street Journal الأميركية، في تقرير لها، استندت فيه على وثائق سرية من أرامكو ومقابلاتٍ مع أكثر من 30 من موظفي الشركة، ورجال إطفاء، وموظفي الطوارئ، والناجين من الحريق، عاشوا حادثاً يوم 30 أغسطس/آب 2015، أسفر عن مقتل 11 شخصاً وإصابة 219 آخرين.

فمع بزوغ فجر ذلك اليوم، تعالت صرخات جيران نيغات رازي، إذ كان الدخان ينتشر في المبنى الذي تعيش فيه في مجمعٍ سكني للعاملين في شركة النفط الحكومية السعودية أرامكو، وذلك عندما تسبب محول كهربائي في إشعال إطارات السيارات في المرآب تحت الأرض، واندلعت الانفجارات عبر المجمع.

وقال المهندس الهندي سينثيلموروغان بالاسوبرامانيان: "كنا نسمع صوت الانفجارات: بوم! بوم! بوم!".

ووجدت رازي وزوجها أحمد المهندس الجيولوجي نفسيهما محاصرين في الشقة مع بناتهما الثلاث. وكان الدخان الأسود يملأ الممر خارج شقتهم، مما جعل الهروب مستحيلاً.

وبالخارج، كان هناك شخصٌ يستخدم الصافرة بجنون. لكنَّ صوت إنذار الحريق لم يُسمَع في المجمع. ولم تكن هناك أجهزة لكشف الدخان في الشقق، ولم تكن هناك أبواب حريق لمنع انتشار النيران.


تجاهل للتحذيرات


قبل ذلك بعام، ووفقاً للصحيفة الأميركية، كان قسم السلامة في شركة النفط العربية السعودية "أرامكو" قد أشار إلى أوجه القصور هذه، مُحذِّراً في وثيقةٍ داخلية من أنَّ المجمع به "مخاوف خطيرة تتعلق بسلامة الحياة" وينبغي عدم شغله. وتجاهلت الشركة التحذير، ونقلت الموظفين إلى الشقق على أية حال.

وتسرد الصحيفة الأميركية تفاصيل التحذيرات التي صدرت عن وحدة السلامة في أرامكو والتي أرسلت برئاسة توماس مايرز، وهو أميركي عمل لسنوات في تطبيق قانون البناء في كولورادو، قبل انضمامه إلى شركة أرامكو في عام 2012، وفقاً لوثائق داخلية.

وترك مايرز الشركة بعدها، ورفض التعليق على تفاصيل التفتيش. ووفقاً لرسالة لأرامكو تُلخِّص النتائج التي توصل إليها وحصلت عليها الصحيفة، فقد أشار مايرز إلى قائمةٍ طويلة من المشاكل الخطيرة.

وذكر خطاب لإدارة التفتيش أنَّ كل مبنى من المباني الثمانية ذات الطوابق الستة في مجمع راديوم السكني يحتوي على سلم مفتوح يمكن أن يعمل كـ"مدخنة قادرة على نقل الحرارة ومنتجات الاحتراق فى جميع أنحاء المبنى". ووجد مايرز أيضاً أنَّ أجهزة إطفاء الحرائق لا تغطي المباني بالكامل، مما يمثل انتهاكاً لقوانين البناء في أرامكو.

وكانت أربعة من المباني الثمانية بها مخرج واحد فقط، وهذه المخارج لا تؤدي إلى مناطق آمنة في الهواء الطلق. وذكر الخطاب أيضاً أنَّ المخارج كانت مسدودة "بمعدات نقل البيانات". ولم يكن بالشقق أي كاشفات للدخان. وفي كثيرٍ من الأحيان، كانت الأسلاك الكهربائية غير مغطاة بصناديق المخارج، وفي بعض الحالات كانت الأسلاك مقطوعة ومتصلة ببعضها باستخدام الشريط الكهربائي فقط.

وأرسل فوزي الفرحان، القائم بأعمال المدير المشرف في قسم مايرز، النتائج إلى مدير مجموعة الإسكان بالنيابة البدر جنة مع التوصية بعدم استخدام المبنى.

ولكن شركة أرامكو كانت بحاجة ماسة للمباني لتسكين العاملين. وبعد أن بلغ سوق النفط ذروته في يونيو/حزيران 2014، ضخت الشركة مليارات الدولارات لزيادة الإنتاج نحو أعلى مستوى له على الإطلاق. ولتغطية متطلبات الوظائف الهندسية والمحاسبية، وغيرها من الوظائف الإدارية، كانت الشركة تستورد الآلاف من العمال الأجانب المتعلمين. وفي عام 2014، كان لدى أرامكو ما يقرب من 62 ألف موظف، مقارنةً بحوالي 56 ألف موظف قبل ثلاث سنوات.

وأشار أحد الموظفين الماليين الذي عُيِّنَ في أرامكو عام 2014 إلى أنَّ جزءاً من عرض التوظيف في أرامكو لاستقدام العمالة من أماكن مثل كندا، وباكستان، والمملكة المتحدة، والهند كان وعداً بأوضاعٍ معيشية مزدهرة بتكلفةٍ منخفضة.

وكان مجمع راديوم السكني، الذي بدا وكأنَّه منزلٌ في فينيكس أو ألباكركي، مناسباً للسكن. إذ كان هناك موقف سيارات تحت الأرض، وصالة ألعاب رياضية. وضمَّ الفناء المصطف بأشجار النخيل بركة سباحة. وكانت شقق الطابق السفلي تستوعب موظفي مكتب الاستقبال وحراس الإنقاذ الذين يعملون بدوامٍ كامل.

وجاء العمال الذين بدأوا في الوصول في خريف عام 2014 من جميع الأنحاء، بعضهم جاء من وظائف أخرى في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، والبعض الآخر كان يزور المنطقة للمرة الأولى. وكان العديد منهم يصطحب أسرته.

بحلول نهاية المحنة، لقيَ ما لا يقل عن 10 أشخاص حتفهم، من بينهم امرأةٌ حامل ماتت وهي تحاول القفز من نافذتها إلى حوض سباحة، ولطخ دمها الحافة الخرسانية التي اصطدمت برأسها. هذا العدد من الضحايا جعل الحادث واحداً من أكثر الحوادث فتكاً فى صناعة البترول منذ التسرب النفطي في خليج المكسيك عام 2010 بعد انفجار منصة بحرية لاستخراج النفط تابعة لشركة بريتيش بتروليوم، والذى أسفر عن مصرع 11 شخصاً.

وخلافاً لشركات الطاقة الغربية، حازت أرامكو اليد العليا القانونية في أعقاب الكارثة. فشركة أرامكو، أكبر شركة منتجة للنفط في العالم وواحدة من أكبر شركات السعودية من حيث الإيرادات، مسؤولةٌ فقط أمام فردٍ واحد، وهو الملك السعودي. وفي النظام السعودي، والذي يُعدُ واحداً الأنظمة الملكية المطلقة الأخيرة المتبقية في العالم، تعد المحاكم السعودية أيضاً مسؤولةً في نهاية المطاف أمام الملك، مما يجعل لجوء الأجانب إلى المحاكم للحصول على تعويضات أمراً نادر الحدوث.

لم يقاض أيٌ من المقيمين شركة أرامكو بعد هذه المأساة التي وقعت بالقرب من مقرها في المنطقة الشرقية للمملكة. ولم يتلق معظمهم سوى تعويضاتٍ رمزية عن خسائرهم، على حد قول عددٍ من الضحايا، من بينهم اثنان لعبا دوراً في مساعدة الناجين في جهودهم للحصول على تعويضاتٍ من الشركة. وتلقى البعض عدة آلاف من الدولارات. ولم يتلق آخرون أي أموالٍ على الإطلاق.

ولم تكشف الشركة سوى القليل من المعلومات حول أسباب الحريق أو الاستجابة تجاهه لوسائل الإعلام أو حتى لموظفيها.

وكان العقيد "علي القحطاني" الناطق الإعلامي في الدفاع المدني قال لـ"هاف بوست عربي" في حينه أنه "تم التعرف على 5 أشخاص منهم 3 كنديين، وباكستاني ونيجرية".
وأشار القحطاني إلى أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن سبب الحادث يعود إلى ماس كهربائي في منطقة القبو وامتد الحريق إلى المركبات الموجودة والتي يبلغ عددها 130 مركبة، مما أدى إلى انتشار الحريق بسرعة.

إلا أن شركة أرامكو أكبر شركة نفط في العالم من حيث الإنتاج والتصدير، قالت إن الحريق بدأ في شقة مؤجرة لموظفيها، مضيفة أن تحقيقاً فتح لتحديد أسباب الحادث.

تعامل أرامكو مع مراجعة السلامة في المبنى والحريق وعواقبه يظهر مدى اختلافها عن مثيلاتها من الشركات المتداولة في البورصة، والتي لطالما واجهت تدقيقاً مكثفاً من المستثمرين والمحاكم. وقد تصبح هذه الاختلافات جليةً قريباً؛ إذ تخطط الحكومة السعودية لإجراء طرح عام أولي عام 2018 لأسهم شركة أرامكو في البورصة، ومن الممكن أن يكون هذا هو الطرح العام الأولي الأكبر في التاريخ.

وكشفت الصحيفة الأميركية عن بيان لشركة أرامكو أنه على الرغم من عدم وجود "حكم بالمسؤولية أو المسؤولية المالية" ضد الشركة، إلا أنَّها قدمت "الرعاية الطبية، وإعادة التسكين الفورية، والسيارات، والهواتف المحمولة، والمساعدة المالية، والمشورة المتخصصة" لضحايا الحريق. واختارت الشركة كذلك "تقديم تعويضات لتغطية الأضرار المتكبدة، حسب الاقتضاء".

وقال فهد الطريف، المتحدث باسم الشركة: "سلامة موظفينا ومن يعولونهم ومقاولينا لها أهمية قصوى. إنَّ قيادتنا تدمج السلامة في إستراتيجيات الأعمال والعمليات ومقاييس الأداء لبناء ثقافة سلامة قوية داخل المؤسسة".

وقالت أرامكو إنَّ السلطات السعودية هي المسؤولة أساساً عن الإنقاذ من الحرائق، والتحقيق اللاحق، إذ أنَّ أرامكو كانت تستأجر المجمع، وليست مالكةً له.


مقارنة أرامكو مع شركات مماثلة


في العقود الأخيرة، أصبحت صناعة النفط العالمية أكثر أمناً، وذلك إلى حدٍ كبير نتيجة للضغوط الناجمة عن دعاوى المسؤولية ومقاضاة المساهمين والغرامات الحكومية، فقد كلفت كارثة التسرب النفطي في خليج المكسيك شركة بريتيش بتروليوم أكثر من 60 مليار دولار أميركي في شكل نفقات تنظيف، وتسويات قانونية، ومدفوعات أخرى، وأدت إلى تحقيقاتٍ متعددة في ما حدث من خطأ.

ويتعين على شركة أرامكو في حالة طرحها للتداول في البورصة أن تكشف عن تفاصيل احتياطياتها النفطية ومواردها المالية، وكذلك سجل سلامتها. ويقول المسؤولون السعوديون الذين يعملون على الطرح العام الأولي إنَّهم قلقون من أنَّ إدراج الشركة في البورصة قد يعرضها للدعاوى القضائية أمام المحاكم الغربية.

وتقول أرامكو إنَّ معدل الحوادث التي تؤدي إلى وقوع إصابات تُجبِر الموظف على التغيب عن العمل كانت بنسبة 0.05 لكل 200 ألف ساعة عمل في العام الماضي، مقارنةً بـ0.029 لشركة إكسون موبيل و0.05 لشركتي بريتيش بتروليوم ورويال داتش شل.

ومنذ عام 2011 وحتى العام الماضي، أشارت أرامكو إلى وقوع 29 حالة وفاة بين الموظفين والمقاولين وغيرهم، بما في ذلك ضحايا حريق مجمع راديوم، مقارنةً بـ27 حالة وفاة في شركة إكسون موبيل، و14 حالة وفاة في شركة بريتيش بتروليوم، و34 حالة وفاة في شركة شل.

لم تُقدِّم أرامكو في جميع الحالات تفاصيل كثيرة مثل نظيراتها، مما يجعل المقارنة مع باقي الشركات أمراً صعباً. ومنذ عام 2011، أشار المتحدث باسم الشركة إلى أنَّ أرامكو ذكرت نسبة ما تعنيه "بالوفيات المرتبطة بالعمليات"، على الرغم من أنَّها أخذت في الاعتبار أيضاً وفيات مجمع راديوم السكني لأن الحدث كان "صادماً".


أحد الضحايا يروي تفاصيل الحادث


كانت عائلة رازي بالأساس من كراتشي، التي تروي قصتهم الصحيفة الأميركية، قد قضوا معظم حياتهم الأسرية في الخارج. وحصل رازي، الذي يحمل درجة الماجستير في الجيولوجيا وخبرةً في مجال البرمجيات، على وظيفةٍ في عام 2005 في شركةٍ مقرها الإمارات العربية المتحدة تقوم بتحليل بيانات حقول النفط. وكان العمل في الشرق الأوسط يعني دخلاً أعلى بكثير من باكستان، وفرصةً لتربية أبنائه في منازل مجهزة تجهيزاً جيداً، ومنحهم التعليم الخاص.

وبعد فترةٍ من الزمن في قطر، انتقلت العائلة إلى المملكة العربية السعودية، حيث حصل رازي على عملٍ في أنظمة استكشاف الموارد في أرامكو. وحددت الشركة مجمع راديوم سكناً للأسرة.

وبعد بضعة أشهر من انتقالهم، ناقش بعض أصدقاء رازي من المهندسين عدم وجود تدابير أساسية للسلامة من الحرائق، على حد قول اثنين من المقيمين السابقين. واشتكى بعضهم من مدراء الإسكان في شركة أرامكو السعودية.

وأرسل أحد المقيمين شكوى عبر البريد الإلكتروني بخصوص عدم وجود أضواء للطوارئ في طرق الهروب من المباني، وكذلك وجود عطل في أجهزة الإنذار من الحريق يجعلها تعمل أحياناً بلا داعي. وكتب المقيم أنَّه عند انطلاق أجهزة الإنذار لم ير أبداً "أي نشاطٍ أو إجلاء، أو أي شخصٍ قادم للمساعدة".

وعد مسؤولو أرامكو بإصلاح المشاكل وفقاً لما ذكره أحد المقيمين السابقين. وعولجت بعض المشاكل بالفعل، مثل رائحة مياه الصرف الصحي، لكنَّ قضايا السلامة لم تُعالَج كما يقول المقيمون السابقون.

وفي الصيف، أرسل العديد من العمال عائلاتهم إلى أوطانهم للهروب من حرارة الصحراء. وهذا هو السبب في أنَّ مجمع راديوم السكني كان غير مزدحم نسبياً في صباح يوم 30 أغسطس/آب 2015 عندما اشتعل المحول الكهربائي.

وفي حوالي الساعة 4:45 من صباح ذلك اليوم، خرج حارس فلبيني شاب يعيش في الاستراحة الأرضية المخصصة لموظفي راديوم من الحمام وشم رائحة الدخان.

وقال أحد المشاركين في التحقيق في الحادث إنَّ المُحوِّل المشتعل في ذلك الوقت قد سرب النفط المحترق، الذي شق طريقه عبر مرآب السيارات.

أيقظ الحارس زملاءه، ودخلوا الفناء وأدركوا انتشار الدخان. فراح الحارس يطلق صافرته لوقتٍ طويل مراراً وتكراراً.

لم يسمع الصافرة سوى قلةٍ من المقيمين، وفي الوقت نفسه كانت حافلةٌ تقل مهندسي أرامكو متوجهةً للعمل. وفي حوالي الساعة 5:10 صباحاً، شم عاملان باكستانيان يمارسان الألعاب الرياضية في الصالة الرياضية في الطابق الأرضي من مرآب السيارات رائحة الدخان. وركضا بالخارج وأدركا، وهو ما أثار رعبهما، أنَّ الجميع تقريباً في المبنى كانوا نائمين.

لم يسمع الصفارات سوى عددٍ قليل من المقيمين. وقال المقيم السابق: "صرخنا: حريق! ثم أرسلتُ رسالةً للجميع في مجموعتي على تطبيق "واتساب" لأخبرهم بشأن الحريق".

وكان العمال قد وصلوا في وقتٍ مبكر إلى ساحة معدات البناء في الجوار، وعندما رأوا الدخان قادوا الروافع إلى النوافذ، وبدأوا في إنقاذ الناس من الجانب الخلفي للمبنى.

وكان أولئك العالقون في جانب الفناء أقل حظاً. وأثناء انتظار قدوم سيارات الإطفاء لمدة ساعة تقريباً، بدأ الناس في الطوابق العليا بقذف مراتب أسرتهم من النوافذ، واستخدموها كمصدات عند القفز من المبنى. والبعض ربط مفارش الأسرة ببعضها البعض، وأمسك بها للنزول من المبنى على الجدران.

وأسقطت إحدى العائلات المذعورة طفلها من شرفة إلى رجلٍ في الفناء، والذي أمسك بالصبي وسلَّمه إلى المسعفين الطبيين. وقفز زوجان باكستانيان من المبنى وفي يد كل واحدٍ منهما طفل، واستخدما أجسادهما لحماية الأطفال من السقوط. كُسِرَت ذراع الوالد وساقاه وعانى من إصاباتٍ في الدماغ. وأُصيبت زوجته كذلك. ونجا الأطفال دون إصاباتٍ خطيرة.

ووصلت الدفعة الأولى من رجال الإطفاء، أعضاء الدفاع المدني السعودي، في حوالي السادسة صباحاً.

وبعد حوالي 25 دقيقة، بدأ أصدقاء رازي، المهندس الباكستاني، في تفقد جيرانهم، وأدركوا أنَّه هو وأسرته لا يزالون في الداخل. تواصل أحد الأصدقاء مع زوجة رازي عبر الهاتف، وقالت له إنَّ العائلة عالقة في شقتها في الطابق الخامس، بعيداً عن متناول الروافع. واتصل الصديق مرةً أخرى، وقالت السيدة له إنَّ الدخان انتشر في شقتها، وفقد أحمد وعيه. وطلب منها الصديق أن تلوح بيدها من النافذة حتى يتمكن رجال الإنقاذ من تحديد موقعها. ورأى يدها من بعيد في أثناء اصطحابه لرجال الإنقاذ.

لم تتمكن سيارات المطافئ التابعة للدفاع المدني من الوصول إلى موقع الكارثة. فلم يكن مدخل فناء مجمع راديوم السكني كبيراً بما يكفي للشاحنات. وكانت بوابات الطريق الضيق خلف المباني مغلقة.

بدأ السكان ورجال الإطفاء في سحب ودفع البوابة حتى جاء الحارس بالمفتاح. وبعد فتح البوابة لم تُفتَح الحواجز الأوتوماتيكية. كان على رجال الإطفاء تفكيك المحركات للوصول.

في الوقت نفسه، تصاعد دخانٌ أسود من المرآب عبر السلالم المفتوحة، وفي الممرات وخارج نوافذ الطابق العلوي. وتجمع السكان المذعورون على السطح.

ورأى البتروفيزيائي السوداني محمد جبر الدار تلك الفوضى، وأدرك ضرورة إخراج بناته الثلاث، كما روى شخصٌ كان موقع الحادث. أمسك محمد جبر الدار طفلته ذات العامين، وركض لنزول السلالم عبر الدخان. وسرعان ما عاد، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الدخان سميكاً جداً يتعذر معه الوصول إلى شقته، حيث كانت بنتاه الأخريان وزوجته ووالدتها في انتظاره. ولم تبقَ سوى زوجته على قيد الحياة.

في الخارج، استطاع رجال الإنقاذ أخيراً فتح بوابة الوصول الأولى، لكنَّ البوابة الثانية حجبت طريقهم. ولم يكن هناك مفتاحٌ لتلك الأخرى، لذلك وجهوا إليها إحدى الروافع لكسرها وفتحها. ولم تكن روافعهم مرتفعة بما فيه الكفاية للوصول إلى الطوابق العليا.

وكانت مضخات المياه في المبنى تعمل بالكهرباء، والتي تعطلت عندما اشتعلت النيران في المحول. لم يكن لدى سيارات الإطفاء ماء لاستعماله.

وخلال الساعات القليلة التالية، دخل رجال الإطفاء إلى المبنى، وأخرجوا ما يمكنهم من السكان. وقال اثنان من الجيران السابقين إنَّ بعض الأشخاص الذين كانوا بعيدين عن متناول رجال الإنقاذ، بمن فيهم السيد رازي وبناته، حاولوا السير فى الممرات المليئة بالدخان، لكنَّ النيران حاصرتهم، وتراجع رازي وابنتاه مرةً أخرى إلى شقتهم.

ووصلت عدة سيارات إطفاء تابعة لشركة أرامكو حوالي الساعة العاشرة صباحاً، ووصلت كذلك طائرات هيليكوبتر تابعة لمنصات الحفر أقلعت من حقلٍ لأرامكو على بعد حوالي 30 ميلاً. وتمكن الطيارون الأميركيون السابقون الذين كانوا يقودون طائرات الهليكوبتر، والذين لم يتلقوا تدريباً على عمليات الإنقاذ من الحرائق، من إخراج الناس إلى بر الأمان.

بمجرد وصول سيارات المطافئ بخزانات المياه، تمكن رجال الإطفاء من إخماد الحريق. ونقلت سيارات الإسعاف أكثر من 80 شخصاً مصابين بحروق، وعظام مكسورة، وتلف في الرئة نتيجة استنشاق الدخان إلى المستشفيات المحلية.

وعندما وصلوا إلى شقة عائلة رازي، وجد رجال الإنقاذ السيدة رازي واثنتين من بناتها في زاويةٍ من الشقة. وإحدى الفتيات، أيزا، كانت تتنفس بالكاد، والأخرى ماتت بالفعل.

وبعد يومين، تجمع الناجون في مقبرة الثقبة، بالقرب من الطريق المؤدي إلى البحرين، لدفن بنات السيد جبر الدار وحماته. كانت هذه هي المرة الأخيرة التي يرى فيها العديد من الناجين بعضهم البعض، فعلى مدى الأشهر القليلة التالية، تفاوضوا مع الشركة بشكلٍ منفصل للحصول على التعويضات.

وقال العديد من الموظفين إنَّ المفاوضات مع الشركة استمرت طويلاً. ووافقت أرامكو على دفع تعويضاتٍ عن بعض الأشياء المفقودة، لكنَّها قالت لبعض الموظفين إنَّها لن تسمح لهم بطلب تعويضات عن السيارات المفقودة. واستقال بعض الموظفين، في حين لم يتمكن البعض الآخر من الذين اشتروا سياراتهم بالتقسيط من مغادرة البلاد، فقد قيل لهم إنَّهم لا يستطيعون مغادرة المملكة العربية السعودية إلا بعد تسديد أي ديون مستحقة. وكان عليهم أن يدفعوا ثمن سياراتهم المحروقة لإزالتها وإبعادها من أجل السماح لهم بالمغادرة، فضلاً عن القروض المستحقة، وهي عملية استغرقت شهوراً.


تعويضات ضئيلة للضحايا


وقال متحدثٌ باسم أرامكو إن الشركة دفعت جميع طلبات التعويضات التي تقدَّم بها الضحايا.

وشكت شركة البناء التي شيدت المجمع من أنَّ أرامكو استغرقت وقتاً طويلاً لنقل ممتلكات موظفيها بعد الحريق، مما أدى إلى تأخير قدرة الشركة على تجديد المجمع وإعادة تأجيره. ودفعت شركة أرامكو 20 مليون ريال سعودي (نحو 5.3 مليون دولار) للمقاول لتسوية النزاع، وفقاً لشخصٍ مطلع على هذه المسألة. ولم يرد ممثلو الشركة على طلباتٍ متعددة للتعليق.

تلقى الناجون تعويضاتٍ ضئيلة، في بعض الحالات حوالي 500 دولار، وفقاً للوثائق التي فحصتها الصحيفة. ويقول بعض الذين فقدوا جميع ممتلكات عائلاتهم إنَّهم تلقوا حوالي 4 آلاف دولار.

كان المهندس الكندي طارق مينهاس، الذي فقد زوجته وابنه وابنتيه في الحريق، مسلماً متديناً. ورتبت له أرامكو دفن موتاه في مقبرةٍ مقدسة في المدينة المنورة، حسبما قال شخصان مُطلَِعان على المسألة. وأعطت الشركة السيد مينهاس إجازةً حوالي ستة أشهر من العمل، ودفعت له ولحوالي 15 من أفراد أسرته من الولايات المتحدة وباكستان وكندا تكاليف زيارة مكة المكرمة لأداء العمرة.

ويقول شخصٌ مطلع على طريقة تفكير مينهاس إنه وجد الراحة في اعتبار الحادث "قضاء وقدراً" بدلاً من "توجيه اللوم والشكوى". وأعرب مينهاس عن تقديره لكيفية تعامل أرامكو مع الوضع.

وكتبت السيدة رازي رسالةً إلى الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو تطلب وظيفةً في الشركة حتى تتمكن هي وأطفالها الباقون على قيد الحياة من البقاء في المملكة العربية السعودية والحصول على الرعاية الطبية. بدلاً من ذلك، أُعيدَت إلى باكستان، حيث كانت تعمل كخياطة. وتلقت في البداية تعويضاتٍ بنحو 32 ألف دولار من أرامكو، لكنَّ الشركة وافقت مؤخراً على دفع مبلغ أكبر بكثير لها، وفقاً لشخصٍ مُطلِّع على الأمر.

ورفضت زوجة رازي مناقشة أمر الحريق بالتفصيل، قائلةً: "إنَّها إرادة الله".