هل تفتح "حماس" أبواب وزاراتها لوفد الضفة؟ مصر تشرف على تسلُّم "السلطة" إدارة غزة بعد أيام

تم النشر: تم التحديث:
GHAZA
هاف بوست

بصيص ضوء أبيض يلمع في وجه "نيوتن"، وسط ظلام دامس يملأ المخيم الغربي لمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. المارُّون في الليل يلقون السلام، ولكن نيوتن مشغول بالخبر الرئيس؛ وهو قدوم حكومة الوفاق الوطني لغزة بعد أيام. يُسند ظهره على عمود الكهرباء الذي ليس له من اسمه نصيب، في ظل ساعات الانقطاع الطويلة، التي تجاوزت ثلاثة أرباع اليوم. يمضي في جلسته برفقته كوب من القهوة الباردة يواسيه طوال ساعات الليل.

محمد التلاوي، لقّبه ساكنو الحارة بـ"نيوتن"؛ لقضائه معظم ساعات اليوم على هاتفه، يقلب المواقع الإخبارية؛ بحثاً عن أي مَخرج للأزمة الفلسطينية، فوالده موظف "حماس" يتقاضي نصف راتب. وهو ينتظر دمج موظفي "حماس" في اتفاقات المصالحة، لكنه لم يعد يستبشر خيراً في هذا الملف، خصوصاً بعد تصريح وزير المالية والتخطيط الفلسطيني، شكري بشارة، قبل يومين، بأن "الحكومة الفلسطينية بها تضخم وظيفي كبير، ومن الصعب حالياً إدراج 40 أو 50 ألف موظف جديد ضمن سُلم رواتب الموظفين، الأمر يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة، وأنا أقترح إنشاء صناديق خاصة بموظفي غزة الجدد بعيداً عن موازنة السلطة".

قرأ نيوتن تصريح وزير المالية، ورفع رأسه مباشرة نحو بلكونة بيته التي تضم أكياس الطحين القادمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ضمن المساعدات التي تقدمها للفلسطينيين، وقال ناظراً باتجاه غرفة أبيه موظف غزة: "صندوق إعانات جديد لموظفي غزة؟ يعني طلعنا من تحت الدلف لتحت المزراب".


هل وصل الوفد الأمني المصري إلى غزة فعلاً؟


على الرغم من أن كثيراً من المواقع الفلسطينية التي قلَّبها "نيوتن" تحدثت عن وجود وفد مصري أمني وإداري في قطاع غزة، فإن ياسر أبو هين، رئيس تحرير وكالة "صفا" للصحافة، أكد لـ"هاف بوست عربي"، عدم وجود أي وفد مصري لا أمني ولا إدراي في غزة، وأن قادة "فتح" هم من أطلقوا أخباراً وتصريحات غير صحيحة عن وفد أمني إداري في غزة.

مصادر مطلعة في حركة حماس أكدت لـ"هاف بوست عربي" ما قاله أبو هين، "لا وجود لوفد مصري في غزة"، في حين كشف نيكولاي ملادينوف، منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، أن "وفداً أممياً وآخر مصرياً سيوجدان في قطاع غزة الأسبوع المقبل بالتزامن مع قدوم حكومة التوافق إلى قطاع غزة؛ لدعم ومراقبة تنفيذ اتفاق المصالحة الأخير ضمن التفاهمات التي جرت في القاهرة".


لماذا يجب أن يذهب وفد مصري إلى القطاع بالتزامن مع أول زيارة من سلطة رام الله للقطاع؟


الناطق باسم حكومة الوفاق الوطني يوسف المحمود، قال لـ"هاف بوست عربي"، إن "هدف الزيارة هو إرساء قواعد تسلُّم الحكومة في غزة عملها كخطوة أولى". كما تحدث أبو هين عن "ضغط مصري جديد وقوي لتنفيذ المصالحة الفلسطينية، فمصر ترى دورها تراجَع في الفترة الأخيرة في القضية الفلسطينية، وأن تركيا وقطر بدأتا تفعّلان خطواتهما، خصوصاً بعد اتصال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطر، وزيارته لتركيا للحديث عن المصالحة".

وكشف أبو هين أن "المصريين مستاءون من تصريحات قيادة (فتح) بوجود وفد أمني إداري في غزة، قبل أن يصل أي وفد هناك".

وفي هذا الإطار، قال الكاتب والمحلل السياسي إسماعيل أبو شنب :" سيكون هناك إشراف مصري على تطبيق دور حكومة التوافق وتسلُّم مهامها، لكن ليس واضحاً بعدُ طبيعة العلاقة بين الوفد والفصائل في حال قدومه لغزة".

وكان الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم، قال في بيان للحركة: "على حركة فتح ضبط تصريحاتها ومواقف قياداتها التوتيرية، والانسجام مع المزاج العام الفلسطيني، والتوقف عن وضع أي اشتراطات استباقية، من شأنها تعقيد الأمور وتسميم الأجواء".


غياب واضح لإطار قيادي جامع


يخرج "نيوتن" من غزة عبر التليفون، يحلّق في دول العالم من دون طائرة، ورغم إغلاق معبر رفح من قِبل المصريين، الذين يعتبرون الضامن لاتفاق المصالحة من الخارج، يتصل صديق "نيوتن" من السويد عبر الواتسآب بالصوت والصورة، يسأله عن المصالحة والضامن الحقيقي لها، فيقول "نيوتن": "هذه المرة الأطراف كلها مأزومة، والبلد حتغرق في الكل"، ثم ضحك "نيوتن" صارخاً في صديقه: "الضامن الوحيد رب العالمين".

وعلق عبد الله أبو عليان، الباحث في سلك الدكتوراه بفقه الاقتصاد، قائلاً عن الغموض الذي يعتري المصالحة، والتفاؤل المعلّق الذي يعتري المواطنين في غزة: "نحتاج إلى فقه التعايش قبل تصافح الأيادي".

يرى مدير مركز الدراسات الإقليمية في غزة أيمن الرفاتي، أن "المشكلة الأكبر التي تواجه المصالحة، هي غياب المرجعية والإطار القيادي الفلسطيني الجامع لضمان عملها، ولا يمكن تحقيق المصالحة على الأرض، خصوصاً في ملف الانتخابات التشريعية والرئاسية من دون وجود إطار قيادي موحد يجمع الكل الفلسطيني، وعلينا الذهاب لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني كمرجعية تضم (حماس) و(فتح) أيضاً في أسرع وقت".

وقال الرفاتي لـ"هاف بوست عربي: "الإسراع بتفعيل حكومة الوفاق الوطني في غزة، والبدء بخطوات تنفيذية لرفع الإجراءات الأخيرة للرئيس عباس، وحل أزمات القطاع العاجلة- سيكون دليلاً جيداً على تقدم المصالحة الفلسطينية خطوة جديدة في الاتجاه الصحيح".

وأعلن عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، في مؤتمر عقد بمدينة رام الله، مساء الأحد 24 سبتمبر/أيلول 2017، أن "الحكومة ستتجه بداية الأسبوع القادم إلى غزة بقرار من الرئيس عباس، وقد أُُبلغ ذلك رئيس الوزراء رامي الحمد الله، لتقوم حكومته بأعمالها بشكل طبيعي وفقاً للقانون".

وكان رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني، رامي الحمد الله، أعلن في تصريح له عبر صفحته على الفيسبوك، أنه سيعقد اجتماع الحكومة الأسبوعي، يوم الإثنين القادم، في غزة، قادماً إليها برفقة الهيئات والسلطات والأجهزة الأمنية الفلسطينية كافة، ما يعني تناوله ملف الوزارات الفلسطينية والقائمين عليها في غزة.

ومن المبكر الحديث عن جدول أعمال واضح لزيارة الحمد الله، لكن الهدف الأساسي هو إرساء قواعد حكومة التوافق، من خلال عقد اجتماعها الأسبوعي بوجود وزراء من غزة والضفة، دون الدخول في تفاصيل الأزمات، وهو ما أكده عضو اللجنة المركزية لحركة فتح نبيل شعث، قائلاً: "ننتظر الخطوات الأولى على الأرض، ونرغب في أن تستقبل (حماس) الحمد الله وأبواب الوزارات كافة مفتوحة"، ما يعني أن الزيارة هي بروتوكول تسلُّم حكومة الوفاق مهامها.

كل الخطوات الإيجابية في اتجاه المصالحة ينتظر تحقيقها المواطن الفلسطيني على الأرض، حيث يظل "نيوتن" للساعة الثالثة فجراً يتصفح المواقع الإخبارية ويحدِّث أصدقاءه عبر الإنترنت، النافذة الوحيدة لرؤية العالم، وينتظر الكهرباء ومعها حكومة الوفاق الوطني لقطاع غزة، ثم يغادر من ظلام الشارع لظلام البيت؛ فلديه عملٌ الساعة السابعة صباحاً في سوق خان يونس المركزي بأجرة 150 دولاراً شهرياً من السابعة صباحاً حتى الرابعة عصراً يومياً، حتى تأتي الحكومة وتغير الحال.