معركة "برلين سوريا".. كيف يشبه التنافس الروسي الأميركي على دير الزور ما حدث في أشهر مواجهة بالحرب العالمية الثانية؟

تم النشر: تم التحديث:
DEIR EZZOR
GEORGE OURFALIAN via Getty Images

على بعد أميال قليلة من وادي الفرات، تقاتل روسيا والولايات المتحدة تنظيم "الدولة الإسلامية" "داعش" في مدينة دير الزور شرق سوريا في حملاتٍ عسكرية منفصلة، إلى جانب معركتهما الاستراتيجية الأساسية ضد بعضهما البعض، والتي من المحتمل أن يترتب عليها إعادة تشكيل الشرق الأوسط.

وشهدت التطورات العسكرية في سوريا تحولاً ملفتاً الأسبوع الماضي، عندما وصلت قوات نظام بشار الأسد المدعومة من روسيا وميليشيات إيرانية إلى مدينة دير الزور الواقعة على نهر الفرات، وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن تلك القوات كسرت الحصار الذي كان يفرضه التنظيم على مناطق النظام في المدينة منذ ثلاثة أعوام على الأقل.

وفي الشرق من نهر الفرات، في مناطق ما زال الجهاديون يسيطرون عليها، تقع بعض أهم حقول النفط السورية. ووراء كل ذلك، تقع الحدود مع العراق، الأمر الذي يجعل هذه المنطقة محورية للأسد وداعميه الرئيسيين الآخرين. وفقاً لما ذكرته وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، الجمعة 15 سبتمبر/أيلول 2017.

ويوفر الإيرانيون الكثير من القوات الهجومية للأسد. وفي المقابل، يريدون ممراً برياً يكون واقعاً تحت سيطرة أيادٍ صديقة، يمكن لهم فيه أن يمارسوا نفوذهم، ويوصلوا الأسلحة من طهران إلى البحر المتوسط. وهذه نتيجةٌ يريد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيما إسرائيل والسعودية، منعها بشدة.

وبعد أيام قليلة من وصول قوات النظام إلى دير الزور، قامت الولايات المتحدة الأميركية بخطوتها المضادة، إذ سُحِبت الميليشيات التي تُسلِّحها من معركتها ضد داعش في مدينة الرقة، للذهاب سريعاً إلى دير الزور، فتقدموا 150 ميلاً (241.4 كم) خلال 24 ساعة، بحسب ما أورده التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في الـ10 من سبتمبر/أيلول.



وبالنسبة للكثير من المراقبين الروس، فثمة واقعة تاريخية واضحة تشبه هذا الأمر.

وكالة "بلومبيرغ" نقلت عن فرانتس كلنتسفيتش، نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس الاتحاد، الذي يُمثِّل الغرفة العليا في البرلمان الروسي قوله: "يشبه الأمر معركة برلين، عندما تقدَّمت القوات السوفيتية من ناحية، وتقدم الحلفاء من الناحية الأخرى". وكان بذلك يشير إلى تلك المرحلة المثيرة من الحرب العالمية الثانية عندما كانت الدولتان اللتان كانتا على وشك أن تصبحا قوتين عظميين، تحاربان العدو النازي نفسه، لكنَّهما في الوقت ذاته يتنافسان للسيطرة على أوروبا ما بعد الحرب.

إلا أنه بطبيعة الحال، فإنَّ الصراع في سوريا أصغر نطاقاً بكثير من الحرب العالمية الثانية. فعدد العسكريين الروس والأميركيين في البلاد ربما يصل إلى بضعة آلاف فقط لكليهما؛ وتوفر طائرات البلدين الدعم الجوي، بينما يقوم الحلفاء المحليون بالقتال البرى تبعاً لأجندة كل منهما.

وللدولتين ووكلائهما على الأرض عدوٌ مشترك هو "داعش"، وقد تجنَّب الطرفان تقريباً حدوث تصادم بينهما. ويرجع ذلك إلى أنَّ المقاتلين الذين تدعمهم أميركا يركزون على محاربة الجهاديين، وليسوا هنالك للهجوم على جيش الأسد، وذلك بحسب مسؤول أميركي بارز، تحدَّث شريطة عدم الكشف عن اسمه لوكالة "بلومبيرغ" بسبب حساسية الموضوع. وقال إنَّ "هدف هذا السباق ليس الاستيلاء على الأرض وإنما هزيمة داعش".

لكن هذه القاعدة كُسرت مع إعلان قوات "سوريا الديمقراطية"، اليوم السبت 16 سبتمبر/أيلول 2017 أنها تعرضت في مناطق تواجدها شرق نهر الفرات إلى قصف من الطائرات الروسية والأخرى التابعة لقوات نظام الأسد، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.

وأمس الجمعة، ذكرت وسائل إعلام محلية أنَّ طليعة من قوات النظام وصلت إلى الضفة الشرقية من الفرات، حيث نصبت جسوراً عائمة روسية الصنع على النهر كي تستطيع القوة الأساسية عبوره، وذلك على الرغم من تحذيرات قوات "سوريا الديمقراطية" لقوات النظام بالعبور نحو الضفة الشرقية للنهر.

ويُشكل حالياً نهر الفرات الحد الفاصل بين القوات المدعومة من قبل روسيا وأميركا، حيث تتركز قوات نظام الأسد التي تدعمها موسكو في الجهة الغربية من النهر، في حين توجد القوات المدعومة أميركياً في شرق النهر.


ترامب أم بوتين؟


تخشى الولايات المتحدة من الممر البري الذي تسعى إليه إيران مروراً بسوريا، وتشير الوكالة الأميركية إلى أنه لا توجد علامة على أنَّ الرئيس دونالد ترامب سيفعل شيئاً حيال هذه المخاوف. وأضافت أنه مع أنَّ ترامب وعد بالشدة في التعامل مع إيران عموماً، فإنَّه يقول إنَّ أولويته القصوى في سوريا هي تدمير "داعش".

ويهيمن الأكراد على القوى المؤيدة لأميركا في سوريا. ويسعون إلى الحكم الذاتي بعد الحرب. وقال نواف خليل، المتحدث باسم الميليشيات الكردية، إنَّهم سيحاولون منع جيش الأسد من كسب أرض شرق الفرات.

ومع ذلك، فإنَّ معركة الرقة قد أخذت الأكراد بالفعل إلى خارج مناطقهم. وسيؤدي الاندفاع ناحية الحدود العراقية إلى أن يقاتلوا من أجل المزيد من الأراضي التي يقطنها العرب، والتي يُستبعَد أن يمكثوا بها.

كما أنَّه لا توجد ثمة ضمانة على أنَّ الولايات المتحدة ستظل موجودة في سوريا فور هزيمة "داعش"، لذا فربما تتطلَّب الطموحات الكردية في النهاية عقد اتفاق مع الأسد والروس.

وقد بدأ حلفاء أميركا الشرق أوسطيون بالتحول إلى موسكو هم أيضاً، على أمل أن يلجم بوتين إيران في حال لم يستطع، أو لم يُرِد، ترامب ذلك. فقد أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر الماضي قلق الحكومة الإسرائيلية من نفوذ إيران المتزايد في سوريا، و"الدرجة العالية من السيطرة الإيرانية في كل من العراق ولبنان واليمن"، بحسب ما نقله موقع "الجزيرة نت".


أهمية دير الزور


ويعود هذا التنافس بين روسيا وأميركا على دير الزور إلى ما تمتكله من أهمية اقتصادية وجغرافية، ونقلت وكالة "بلومبيرغ" عن أيهم كامل، مدير الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة أورواسيا، قوله إنَّ "الإمكانات الاقتصادية لمحافظة دير الزور ربما تكون أهم حتى من الممر البري لإيران؛ إذ توفر إمكانية الوصول للنفط، والأرض الخصبة، والتجارة مع العراق".

وأضاف أنَّ السيطرة على المدينة تحمل أهمية أكبر للأسد. إذ "يشبه الاستيلاء عليها استيلاءه على العاصمة التجارية السابقة، حلب، غربي سوريا، من المعارضة في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي. ويؤشِّر هذا الأمر على أنَّ الأسد ينوي إعادة فرض سلطته على البلد بأكمله".

وقال أندري كورتونوف، رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، وهو مركز بحثي أنشأه الكرملين ومقره موسكو، إنَّ انتصار الأسد في دير الزور سيؤدي إلى "تحويل توازن القوى إلى صالحه على الأرض. وسيجعل هذا الانتصار من الصعب على الأميركيين مواصلة العمل في سوريا."