هذه القبيلة تشرب دماء أعدائها بعد قتلهم.. من أشرس شعوب الأرض وهكذا هزمت مصر وروسيا وإيران والصين

تم النشر: تم التحديث:
SCYTHIANS
Denis Topal via Getty Images

إنهم واحد من أكثر الشعوب والقبائل المتعطشة للدماء في التاريخ، ومن أشرس شعوب الأرض، من فرط وحشيتهم قيل إنهم إذا نزلوا أرض معركة لم تكد الشمس تُرى من كثافة تراشق سهامهم المدببة بالبرونز، ولكن تاريخهم يكشف ما هو أبشع.

إنهم قبائل "السكوثيون"، الذين كانوا من على ظهور جيادهم، الأسرع من البرق، يطلقون سهامهم التي ترتعد لها فرائص الأعداء، ثم يقفزون أرضاً مستلِّين فؤوسهم ليُعمِلوها في رقاب وجماجم أعدائهم، فيجزونهم ويشطرونهم نصفين حتى الحوض، حسب تقرير لصحيفة ديلي ميل البريطانية.

ولا يقف البطش عند هذا الحد، فبعدما يبيدون الرجال عن بكرة أبيهم يعود السكوثيون مرة أخرى للنيل من النساء هذه المرة، فيذبحونهن مع الخيل والأحصنة قبل أن يشربوا من دم القتلى.


ستفاجئك أصول هذه القبائل المتوحشة


اليوم، المتحف البريطاني يفتتح معرضاً جديداً بعنوان Scythians, Warriors Of Ancient Siberia (السكوثيون: محاربو سيبيريا القدامى)، حيث يُبرز العرض وحشية هذا الشعب وتكريسهم الديني لتلك الرماح والسهام البرونزية المدببة مع الفؤوس القصيرة التي تجري دماً.

وحسب موسوعة ويكيبيديا، فإن السكوثيين هم قبائل إيرانية، ويُعتقد أن لغتهم تنتمي إلى الشطر الشرقي لمجموعة اللغات الإيرانية الكبيرة، وهي المجموعة التي يُعتقد أنها نشأت في آسيا الوسطى وليس إيران.

أي إن أولاد العمومة الأقرب لهم والذين ما زالوا موجودين حالياً، هم الشعب الإيراني، ورغم ذلك لم تنجُ حتى الإمبراطورية الفارسية من أسلحتهم.

السكوثيون يعدّون من القبائل المنسيّة عموماً، وهو الأمر المستغرب نسبةً إلى المساحات الشاسعة التي حكموها والقرون الـ7 التي عاشوا فيها، وفقاً لـ"ديلي ميل".

فمن عام 900 وحتى عام 200 قبل الميلاد، هامت هذه الشعوب البدوية المتجولة عبر القفار الشاسعة والسهوب العشبية المنبسطة جنوب روسيا. ومع حلول عام 600 قبل الميلاد، شكَّل هؤلاء لأنفسهم سلالة ملكية، حيث سمي رؤساء القبائل ملوكاً (أو بازيليوس كما في اليونانية)، وتوارث هؤلاء الملوك من الآباء إلى الأبناء خلال القرنين الـ5 والـ4 قبل الميلاد.

ويرقد رفات هؤلاء الملوك في مقابر عبارة عن تلال وأكوام ضخمة تضم أجساد الموتى مع أسلحة وعتاد الحرب من سيوف وفؤوس وزينة مذهَّبة لأغماد السيوف وكنانات السهام.

scythians


من الصين إلى أوروبا الشرقية.. لن تصدق حجم إمبراطوريتهم


عندما بلغت امبراطوريتهم عز أوجها خضعت لحكمهم مساحات شاسعة من الأراضي تمتد من شمال الصين وحتى البحر الأسود، هي سيبيريا، موطنهم الأصلي، التي تشكل وحدها عُشرَ مساحة كوكب الأرض.

ويحفل معرض المتحف البريطاني بالمجوهرات الذهبية الجميلة والثمينة، بالإضافة إلى أدوات يومية ما زالت بحال ممتازة، مثل البناطيل والأحذية، وأسرجة الخيل التي ما كان لهم غنى عنها في حياتهم البدوية المتنقلة.

كذلك، في المعرض قطعة تبث الرعب في الناظرين؛ هي قطعة جلد من الجزء العلوي لجسد مقاتل سكيثي، مُلئت بالرسومات التي تشير إلى ولع ذلك الشعب بالوشوم المرسومة بالأصباغ الغامقة الزرقاء والسوداء المصنوعة من الشحار.

وتعود قطعة الجلد هذه إلى رئيس للقبيلة ستيني العمر، نرى على جلده رسومات لوحوش خيالية وجياداً ونموراً وخرفاناً ملأت كل مكان على الجلد.

وحتى نساء السكوثيين كنّ مستوشمات، فكانت النساء فارسات بارعات في امتطاء الخيل، يحلقن رؤوسهن ويرتدين السراويل والبناطيل لتسهيل الركوب، وكانت النساء تقاتلن جنباً إلى جنب مع الرجال، وكثيراً ما كنّ يُدفنّ مع أسلحتهن وجيادهن كذلك.

ويقال إأن السكوثيات هن مصدر إلهام أسطورة مقاتلات الأمازون الشرسات في الميثولوجيا والأساطير الإغريقية، حيث كانت تلك المخلوقات الأسطورية على درجة من الوحشية حتى إنهن قطعن أحد النهدين؛ لسهولة رمي السهام والرماح.

جميع القطع الأثرية المعروضة في المتحف البريطاني محفوظة بحال ممتازة، والفضل في ذلك يرجع إلى ظروف الطقس السيبيري دائمة التجمد؛ ما حفظ تلك الأدوات والآثار داخل قبور المحاربين والملوك.

وظلت تلك القطع الأثرية محفوظة تحت التربة المتجمدة نحو 2000 عام، حتى جاء عام 1715 حينما أمر القيصر الروسي، بطرس الأكبر، بإرسال بعثات كشفية إلى سيبيريا؛ بغية استخراج كنوز تلك القبيلة المتوحشة.


نظرة الروس لهم


اليوم، ينظر معظم الروس إلى السكوثيين بعين التقدير ويعدونهم جزءاً هاماً من ماضيهم، والمئات من القطع الأثرية المعروضة في المتحف البريطاني هي على سبيل الإعارة من متحف هيرميتاج بسان بطرسبرغ الروسي.

ولأنهم كانوا شعباً بدوي،اً فقد كان السكوثيون دائمي التنقل والترحال، فلا نجد لهم آثاراً مدنية ولا سجلات معاصرة مكتوبة، فهذه الآثار عادة تكون هي المفتاح الأساسي لأبواب اكتشاف الحضارات القديمة.

أما عن كيف وصلت لنا أخبارهم، فمعظم ما نعرفه عنهم –إلى جانب الكشوفات المدهشة المعروضة الآن في المتحف البريطاني- يرجع الفضل فيه إلى هيرودوت، المؤرخ الإغريقي الذي عاش في القرن الـ5 قبل الميلاد ويكنَّى بأبي التاريخ.

ففي مؤلفه التاريخي "On The Scythians-عن السكوثيين"، كشف هيرودوت أسراراً مدهشة عن القبيلة المحاربة وولعها بطقوس الذبح؛ فقد كتب هيرودوت: "يشرب السكوثي دم أول رجل يغلبه، ثم يحمل إلى ملكه رؤوس كل مَن قتلهم".

كذلك، ثمة أدلة على أنهم كانوا يسلخون فروة رأس بعض ضحاياهم بعد القتل.

ثم بعد هذه المذابح الشنيعة، يسترخي السكوثيون بشرب قصعات خشبية مليئة بحليب الفرس المخمر أو النبيذ المصبوب في أوانٍ ذهبية وفضية؛ وكذلك كانوا يحرقون نبت القنب على الجمرات الملتهبة؛ لكي يتخدروا بأدخنته المتصاعدة ويشعروا بالزهو.

scythians


مصير من يفشل في القتل!


وحسب هيرودوت، فقد كان حاكم منطقة سكيثيا في كل عام يجهز قِدراً ضخماً من النبيذ، فإن أفلح محاربٌ في قتل عدو نال قدحاً ضخماً منه، وأما إن قتل أكثر من عدو واحد نال قدحين. أما إن كان نصيبه من القتلى خاوي الوفاض، فلم تكن العقوبة مجرد الحرمان من كؤوس الراح؛ بل كذلك النبذ بعيداً عن وليمة النصر بعد المعركة، "وهو عار كبير".

وكان السكوثيون دائماً وأبداً في حالة حرب مع جيرانهم على أطراف مملكتهم المتحركة متنقلة الحدود، فقد قاتلوا قبيلة تسمى "الكيمريين" أو "السيمريين" Cimmerians على أطراف البحر الأسود، كذلك احتلوا ميديا وإيران وقتلوا شعوبها إرباً إرباً.


مصر الفرعونية


وفي القرن الـ7، تعارك السكوثيون مع المصريين الأقوياء، الذين ارتعد ملكهم هلعاً؛ فدفع لهم الإتاوات الضخمة، وكذلك توغلوا في أراضي تركيا الحديثة وفي سهوب القوقاز (أي روسيا وجورجيا وأرمينيا في الزمن الحاضر).

كان النصر حليف هذه الفتوحات الحربية التي هي أشبه بهجوم عسكري صاعق، والسبب هو هوس السكوثيين الحربي بالأسلحة والخيل، فقد دمج السكوثيون هذين العنصرين فنتج سلاح فتاكٌ هو السهام والرماح المدببة البرونزية المنطلقة كالبرق من على صهوة الجياد.

أما أثمن وأجمل قطعة ذهبية في المتحف البريطاني، فتُظهر المقاتلين السكوثيين وهم يصوبون ويطلقون سهامهم، لكن هناك صورة ذهبية أخرى كذلك تُصور رجلاً ممتطياً صهوة جواد، مرتدياً جبة ذات رسومات، وتظهره وهو يرمي رمحه ليصيب به عدواً خانه الحظ.

لم تكن الأسلحة تشكل فرقاً كبيراً للسكوثيين، فهم يرحبون بكل سلاح طالما يقتل ويذبح.

وكتب هيرودوت: "إنهم جنود خيَّالة ومشاة، ورماةُ رمح ورماةُ سهام، ومن عادتهم حمل فؤوس للحرب، وكانوا دوماً يستخدمون الذهب والبرونز، فكل الأطراف المدببة لرماحهم وسهامهم وفؤوسهم هي من البرونز".


سر الرعشة التي تحدثها سهامهم


وكانت سهامهم بالذات تجعل الرعشة تسري في الأبدان، فقد كانت ثلاثية النصل؛ بغية إلحاق أكبر أذى وإصابة ممكنة، كما كانت رؤوس السهام ضخمة، ما يعني التسبب في جروح خطيرة غائرة لا تُستخرج بسهولة.

واعتنى السكوثيون أيما اعتناء بسهامهم وحتى بالكنانات التي تُحفظ فيها السهام، فكانت كلها تُدفن مع صاحبها.

ويقول مؤرخ إغريقي من القرن الـ3 قبل الميلاد، إن السكوثيين كانوا قبل النوم يُلقون نظرة على كنانة كل منهم؛ بغية تقدير حصاد اليوم من سفك وقتل موفَّق أم لا، فإذا شعروا بالرضا وضعوا حجراً أبيض داخل الكنانة.

أما إن كان يومهم تعيساً لم تهرق فيه دماء، فكانوا يضعون حجراً أسود داخلها. وعندما توافي أحد السكيثيين المنيَّةُ، كانوا يُحصون تلك الحجارة البيضاء والسوداء داخل كنانته، فإن غلب البياضُ السوادَ يُمجَّد المتوفى وينال المدائح والثناء.


لماذا فشل الفرس في هزيمتهم؟


ولأنهم كانوا بدواً رُحّلاً، فقد كان السكوثيون بارعين مراوغين كالثعلب على أرض المعركة، لا تدري من أين برزوا لك ولا من أين هبطوا عليك؛ بل حتى حينما كانوا ينسحبون انسحاباً تكتيكياً لم يكن بوسع مخلوق اللحاق بهم.

وفي وصف ذلك، كتب هيرودوت الإغريقي عن المحاولات اليائسة لملك الفرس داريوش الأول في مطاردتهم والنيل منهم بإحدى معارك البحر الأسود عام 513 قبل الميلاد، لكن عبثاً باء بالفشل.

فعلى أعنة خيولهم الرشيقة، انطلق السكوثيون من كل حدب وصوب يعيثون فساداً وخراباً في المراعي وآبار المياه فيما ينفذون انسحابهم، أما داريوش فقبعت قواته كسيرة تعاني شحّ الطعام والماء.

وكان السكوثيون ما إن يحرزوا نصراً أو يتكبدوا هزيمة نادرة، في هذه الحالة يطلقون العنان لأحصنتهم فتركض بهم برشاقة على طول السهوب العشبية الروسية المنبسطة التي كانوا يحفظون تضاريسها عن ظهر قلب، فيما كانت هذه السهوب متاهة يضيع فيها الأعداء بسهولة؛ لمساحتها الشاسعة المتشابهة.

وطبقاً لأحد النصوص العسكرية البيزنطية من القرن الـ6 قبل الميلاد، فقد كان السكيثيون "يفضلون المعارك ذات المدى والمسافة الطويلة (كي تكون الغلبة لسهامهم ورماحهم)، كما كانوا يفضلون الكمائن ومحاصرة الأعداء والتظاهر التمثيلي بالانسحاب ومن ثم الكر والعودة المفاجئة".

وأما حينما يجد السكيثيون أنفسهم في معركة ذات مدىً ومسافة قريبة وجهاً لوجه مع العدو، فكانوا وحوشاً ضارية؛ يستلّون خناجر قصيرة تُعرف باسم "الأكيناكه"، فضلاً عن مُدىً وسكاكين وفؤوس حربية للفتك بالعدو والتمثيل به.

وكانوا يزخرفون أسلحتهم ويعتنون بها، لدرجة لم تقف عند مجرد دفنها مع جسد المحارب؛ بل وصل تمجيد السلاح لحدّ صنع التماثيل الصخرية والهياكل لهذه الأسلحة.

وكان من أسلحتهم المفضلة، فأس "الساجارِس" المدببة التي توجد في المعرض الجديد، مثال مزركش ومزخرف عليه يبث الرعدة في الناظرين.


حتى الخيول


وقد اكتُشفت في المقابر كذلك، الهياكل العظمية للجياد التي لقيت حتفها بضربة قاتلة من تلك الفأس ذات الرأس المدبب وسط الجبهة، وشوهدت أحصنة بعدة جروح في المكان نفسه، الأمر الذي يشي بحُمى القتل التي تملَّكت السكوثيين في وطيس المعركة.

لكن، لا تظنن أن هياكل عظام البشر سلمت أو كانت أفضل حالاً؛ ففي مقبرة جنوب سيبيريا اكتُشفت دزينة هياكل عظمية، جميعها موسومة بجراح الفأس المدببة "الساجارس" تتوسط الجبهة، ثلاثة أرباعها تعود لرجال، والبقية لنسوة لم يسْلمن من شر تلك القِتلة.

وقد أمعن السكوثيون في وحشيتهم، فكانوا يستخدمون فؤوس المعارك أيضاً لجزّ الرقاب؛ ومن ثم إعمال الرماح على طول الجثث لتمزِّق كل ما بطريقها حتى الحوض.

كذلك، وُجدت السهام المدببة بالبرونز مزروعة في كل ناحية من أجساد الضحايا، فهناك هياكل استقرت بها السهام في الرأس وبالعمود الفقري وفي الحنجرة وبالحوض وفي الأذرع، وكذلك الأرجل والكواحل.

إنه معرضٌ يُظهر وحشيتهم والذي يقيمه المتحف البريطاني، ولكنه يعج أيضاً بالجواهر البراقة وأردية وأزياء ركوب الخيل الفاخرة.

وللزائر أن يتمشى ويتجول في أرجاء المعرض وأروقته ويعجب لتلك الآثار وجمالها حتى الـ14 من يناير/كانون الثاني 2018، لكن فليتذكر ويعتبر من أن هذه الإمبراطورية المنسيّة قامت على أنهار من دماء أعدائها.