ضمَّت أمراء وإسلاميين وليبراليين سعوديين.. وول ستريت تكشف هدف بن سلمان من حملة القمع غير المسبوقة بتاريخ المملكة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

"أمراء، علماء، ليبراليون، اقتصاديون".. يبدو أن حملة الاعتقالات السعودية الأخيرة لم تترك شريحة مجتمعية وإلا طالتها، فقد وصفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية حملة القمع الواسعة هذه بأنها ذهبت أبعد من أي حملة قمع سابقة في البلاد، سواء على صعيد الشرائح المستهدفة من وراء القمع أو على صعيد الرقابة المشددة على الشبكات الاجتماعية.

وقال تقرير لوول ستريت جورنال، إن الحملة تستهدف قطع دابر المعارضة الداخلية، لافتة إلى أنها طالت شخصيات لامعة في المجتمع من دعاة وشيوخ بارزين ومفكرين ليبراليين، بل وحتى الأمراء، فيما يتقدم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لجمع زمام السلطة بيده، مستبقاً صعوده المرتقب إلى عرش أبيه، حسب صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

ففي الأسبوع الماضي، اعتقلت السلطات السعودية أكثر من 30 شخصاً، نصفهم تقريباً من الشيوخ والأئمة، حسبما قال ناشطون ومقربون من المعتقلين.

ويقول جمال خاشقجي، المعلق السياسي السعودي الذي غادر السعودية مؤخراً، ويعيش الآن في منفى اختياري بالولايات المتحدة "إن هذا لا يشبه أي شيء عاشه السعوديون من قبل. لقد أصبح الوضع خانقاً في الوطن، حتى بتُّ أخشى على نفسي".

لكن المسؤولين السعوديين لم يعلقوا بشيء على حملة القمع.


ما الهدف من حملة القمع؟


يرى بعض المراقبين السعوديين والغربيين أن الاعتقالات هي جزء من جهود يبذلها الأمير محمد بن سلمان، ليستجمع زمام القوة والسلطة في المملكة بين يديه.

وفي الأشهر الأخيرة، منعت الحكومة السعودية عدة أمراء من السفر خارج البلاد، حسب ما أدلى به عدة مقربين من العائلة المالكة، وكان منهم أخو الملك سلمان، لكن الوول ستريت جورنال لم تتمكن من الوصول إلى الأمراء طلباً لتعليقهم على ما حدث.

وكان الأمير محمد بن سلمان قد صعد، في يونيو/حزيران 2017، متجاوزاً ابن عمه إلى سلم تولي العرش خلفاً لأبيه، ثمانيني العمر، بعد تعيينه ولياً للعهد بدلاً من الأمير محمد بن نايف، ليغدو الأمير محمد بذلك الحاكم الفعلي للبلاد التي يقودها ويسيرها.

ويقول مقربون من القصر الملكي، إن الملك سلمان ينوي فعلاً التخلي عن العرش لصالح ابنه، بيد أن زمن وتوقيت ذلك غير معروف بعد.

يقول أحد المستشارين في الحكومة "إن محمد بن سلمان قطعاً يتأهب لمنصب الملك، وهو يريد معالجة الجدل الداخلي الدائر حول توليه الحكم، ويريد التركيز على توطيد سلطته بدلاً من فعل كل ذلك، بينما يلهيه المعارضون".

ونفت الحكومة أيَّ نية للتخلي عن العرش، إلا أن مقربين عديدين من العائلة المالكة قالوا إن التحضيرات لذلك قد بدأت، ومن المتوقع لمراسم انتقال السلطة التي ظنها كثيرون من المقربين ستتم هذا الشهر، سبتمبر/أيلول 2017، أن تُجرى إما أواخر هذا العام أو أوائل العام المقبل، حسب قولهم.

ومن المرتقب أن يسافر الملك سلمان إلى كل من روسيا والولايات المتحدة في زيارات رسمية، شهري أكتوبر/تشرين الأول، ويناير/كانون الثاني، على التوالي.


دلالة توقيت القمع


وقال دبلوماسي غربي في الخليج العربي، إن قمع المعارضة "هو من الأعراض الدالة على قرب انتقال العرش حتى لو لم يكن التوقيت وشيكاً كما ظننا".

ولوحظ أن معظم الشخصيات التي اعتقلت في الأسبوع الماضي لديها صفتان مشتركتان: أن لديها جمهوراً عريضاً من المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، وأنها لم تدعم الحكومة السعودية في خلافها الدائر منذ أشهر مع الجارة قطر، كما أن العديد منهم مقربون من حركة الإخوان المسلمين في مصر.

وقالت الحكومة السعودية في وقت سابق هذا الأسبوع، إنها اعتقلت أشخاصاً يصب سلوكهم ونهجهم في مصلحة "أطراف أجنبية"، وهو ما يضر بمصلحة البلاد، إلا أن الحكومة لم تُسمّ هؤلاء الأشخاص، وقال شخص مطلع متحدثاً عن الموقوفين "إن هذه شبكة محددة من الأشخاص الذين كانوا يخططون بأمرٍ من جهات أجنبية لخطة كبرى، من أجل زعزعة استقرار السعودية".


هل تحدث احتجاجات في 15 سبتمبر؟


وتأتي حملة القمع هذه استباقاً لمظاهرات واحتجاجات مناوئة للحكومة ينظمها ناشطون من خارج المملكة يوم الجمعة المقبل.

وتتزايد الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، للتجمع يوم 15 سبتمبر/أيلول 2017، في السعودية، للتعبير عن المعارضة الشعبية للأسرة الحاكمة في السعودية وسياسات السلطة.

ومن الصعب على أي متابع أن يتنبأ بحجم هذا الحراك في داخل المملكة على أرض الواقع، رغم أن الحراك والدعوات إليه تبدو كبيرة جداً في الفضاء الافتراضي. إلا أنه ليس من السهل أن يترجم هذا الكم على أرض الواقع في السعودية.

فالنظام يحكم بقبضة حديدية، ولديه كافة الإمكانات، واستطاع بها أن يجهض دعوات مشابهة، حسب تقرير لموقع "الرأي اليوم".

ولا تبدو مطالب الداعين والمتحمسين للمشاركة في الحراك الشعبي موحدة، فهي متفاوتة بين إنهاء حكم الأسرة السعودية للمملكة، وبين مطالب معيشية تتعلق بالسكن والتوظيف ومستوى المعيشة.

وتنقل وول ستريت جورنال عن ناشط سعودي تعليقه على حملة الاعتقالات "يريدون إرسال تحذير قوي لجميع السعوديين: إما أن تكونوا معنا أو علينا".


الإخوان المسلمون والقاعدة


وشملت قائمة الموقوفين 15 شيخاً سعودياً، حسب ما قاله الناشطون، والعديد من هؤلاء كانوا أصوليين سابقين شاركوا في حركة الصحوة الإسلامية المناوئة للحكومة في التسعينيات، وتربطهم صلات بالإخوان المسلمين الممنوعين في السعودية، والذين اعتدلت آراؤهم منذ وقتها.

أبرز هؤلاء سلمان العودة، الذي يحظى بمتابعة 14 مليون مستخدم على تويتر، والذي لم تتمكن الصحيفة من الوصول إليه للتعليق.

من جهة أخرى، لفتت الحملة القمعية السعودية لرجال الدين أنظار المجموعات المتطرفة كالقاعدة، التي حثَّت يوم الأربعاء المؤسسة الدينية السعودية على تحدي العائلة المالكة السعودية.

وقد قال التنظيم الإرهابي وفقاً لمجموعة SITE الاستخباراتية، التي تراقب الأنشطة التطرفية "كيف لأحفاد الرسول وصحابته أن يغدوا عبيداً لآل سعود وطغاتها المأفونين؟".


الاعتقال الاقتصادي


الغريب أنه تم توقيف أناس انتقدوا برنامج تغيير اقتصاد المملكة المعتمد على النفط، الذي يقوده الأمير محمد، منهم عصام الزامل المعلق الشهير الذي شكك بفائدة بيع الحكومة لـ5% من شركة النفط العربية السعودية الوطنية، حسب ما قاله ناشطون ومقربون منه، فقد كان الأمير محمد قد قال إن طرح تلك الحصة للبيع سيرفع من قيمة الشركة إلى 2 تريليون دولار على الأقل. ولم تتمكن الصحيفة من التواصل مع الزامل.

ولفتت وول ستريت جورنال إلى حرص الأمير محمد على ألا تتسبب سرعة التغييرات الاقتصادية بالكثير من الضرر للناس العاديين، فتراجعت الحكومة السعودية عن عدة تدابير كانت تنوي اعتمادها، مثل رفع أسعار الوقود.


انقسام العائلة المالكة



ولفتت وول ستريت جورنال، إلى أن الصعود الصاروخي للأمير محمد بن سلمان أثار انقساماً في أوساط العائلة المالكة، التي عارض بعض أفرادها قرار تخطي ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية السابق القوي، الذي كان مقرباً من واشنطن.

وتحظى تحركات بن نايف وتنقلاته بتشديد وتضييق منذ تغيير سلم اعتلاء العرش، في يونيو/حزيران 2017، وفق ما قاله مقربون من القصر الملكي، لكن الحكومة تنفي تضييق تحركاته.

والأسبوع الماضي أوقفت السلطات الحكومية شاباً قاصراً من العائلة المالكة، لانتقاده قرار إزاحة الأمير محمد بن نايف من سلم اعتلاء العرش.

وبالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية، فقد وقف الأمير محمد بن سلمان وراء عدد من تحركات السياسة الخارجية، اتسمت باستعراض العضلات، مثل شنِّ حرب في الجارة اليمن، وفرض حظر على المنافِسة قطر.

وكانت السعودية ودول عربية أخرى قد قطعت علاقاتها بقطر، في شهر يونيو/حزيران 2017، على خلفية ادعاءات بدعم المجموعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين في مصر، وعلاقاتها المزعومة بالتنظيمات الإرهابية، وهي المزاعم التي تنفيها قطر.

ومنذ ذلك الحين، حذرت الرياض كل من يتعاطف مع الدوحة بمواجهة العقوبة، فالشهر الماضي أغسطس/آب 2017، أطلقت الحكومة حملة موجهة للمواطنين السعوديين، تطلب منهم فيها إبلاغ السلطات عن كل من غرَّد على تويتر تعاطفاً مع قطر، أو ضد المصلحة السعودية، وفي هذا الإطار تعرض 400 شخص للمساءلة والتحقيق من قبل السلطات السعودية، على خلفية الأزمة القطرية، حسب ما قالته المجموعة الحقوقية "القسط ALQST" التي مقرها لندن.

وختم خاشقجي بالقول: "إن البلاد تمر بتغيير اقتصادي كبير يدعمه الشعب، وهو تغيير سيكون مؤلماً وصعبَ التحقيق، وسيستلزم التكاتف والوحدة. بيد أنهم بدلاً من ذلك يروجون للترويع والتخويف".