توزيع حقائب مدرسية بعبارات تمييزية.. طابع رسمي للفقر على ظهور التلاميذ المغاربة

تم النشر: تم التحديث:
SCHOOL MOROCCO
Fred de Noyelle via Getty Images

حقائب مدرسية وزَّعتها السلطات المحلية بمحافظة الخميسات في المغرب على التلاميذ المعوزين، بمناسبة دخول المدرسة، تتضمن عبارتي "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" و"المبادرة الملكية مليون محفظة"، أثارت الكثير من الجدل بين المغاربة، حيث اعتبرها البعض مسّاً بكرامة التلاميذ المحتاجين الذين سيجدون أنفسهم محطَّ سخرية واستهزاء من طرف زملائهم، حيث يعتبر حملهم لتلك الحقائب بمثابة مؤشر واضح على فقرهم وحاجتهم، وهو ما سيُعزز من شعورهم بالدونية وسط زملائهم بالمدرسة.


لولا الفقر..


أحد أولياء أمور التلاميذ الذين استفادوا من الحقائب الدراسية في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" و"المبادرة الملكية مليون محفظة"، أقر بأن الأمر تسبب له ولابنه بحرج كبير، إلا أنه مضطر للقبول بها، نظراً للظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها، بعد أن عجز عن توفير مستلزمات الدخول المدرسي لابنه.



school morocco

الأب الذي رفض الكشفَ عن هويته أضاف في تعليقه على الواقعة، للهاف بوست: "لقد أسعدتنا كثيراً هذه المبادرة التي خصَّنا بها الملك، إلا أن المسؤولين الذين سهروا على تنفيذ تعليماته جانبوا الصواب في اختيار العبارات التي خُطت على الحقائب المدرسية"، مضيفاً أن "ما يحدث هو ضرب بعرض الحائط لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، الذي أحاول جاهداً أن ألقِّنه لابني، المسؤولون، باعتمادهم لمثل هذه التصرفات، يهدمون جهودَ أولياء الأمور في تنشئة أبنائهم تنشئةً سليمةً، ويُسهمون بشكل مباشر في تكريس الفوارق الاجتماعية بين مختلف الطبقات". وتساءل ذات المتحدث عن شعور ابنه وسط زملائه وأصدقائه وهو يحمل على كتفيه الصغيرتين طابع الفقر والحاجة. "يجب أن أجد طريقة لأقنعه من خلالها بأنه لا يختلف عن باقي زملائه".

الجدل تجاوز أولياء الأمور إلى جمعيات المجتمع المدني والحقوقيين، واعتبروا أنه على المسؤولين الذين قاموا بتوزيع هذه الحقائب أن يلتزموا بأن يحمل أبناؤهم ذات الحقيبة، كي يتيقن المغاربة حقاً أنه لا فرق بين تلميذ ينحدر من أسرة ميسورة الحال وآخر كُتب عليه وعلى أسرته مكابدة الفقر والمعاناة، وأن حمل الكتب والأدوات المدرسية بكيس بلاستيك قد يكون أهون على هؤلاء الأطفال الأبرياء من حمل حقيبة تحمل طابعاً رسمياً بفقرهم وحاجتهم، لأن في ذلك مساً كبيراً بكرامة هؤلاء التلاميذ.


الوزارة ترد


من جانبها، أصدرت وزارة التربية والتعليم بلاغاً توضيحياً توصلت به هاف بوست، جاء فيه أن "هذه الحقائب المدرسية غير موجهة للفئات الهشة والفقيرة وحدها، وإنما لعموم التلاميذ، إذ أوضحت المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم بمدينة الخميسات، أن مبدأ المبادرة الملكية مليون حقيبة هو الاستفادة العامة الشاملة لكل التلاميذ، دون أي تمييز أو تصنيف مهما كانت الوضعية الاجتماعية لهؤلاء التلاميذ. وبهذا فإن المديرية الإقليمية تؤكد أن "جميع تلاميذ الإقليم وبدون استثناء أو تمييز استفادوا من هذه المبادرة".


الحقيبة التي تُخفي غابة المشكلات


جدل الحقيبة يأتي ليُضاف إلى لائحة طويلة من الأسباب التي تؤدي إلى نفور التلاميذ من حجرات الدرس، حيث عمَّق آخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات من جراح المدرسة المغربية، بكشفه عن أرقام صادمة تهم النظام التعليمي برمته، أبرزها تلك المتعلقة باستمرار ظاهرة الهدر المدرسي رغم كل الاستراتيجيات والبرامج الاستعجالية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة بهدف الحد من هذه الآفة التي تنخر بجسد النظام التعليمي المغربي المتهالك.

تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الذي يرأسه الوزير الأول الأسبق إدريس جطو، كشف بأن نسبة الهدر المدرسي تعرف تفاوتات صارخة بين المجالين القروي والحضري، حيث أظهرت الأرقام أن 41 ألفاً و915 تلميذاً بالسلك الابتدائي تركوا مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية الماضية في المجال القروي، مقابل 20 ألفاً و561 تلميذاً ينحدرون من العالم الحضري.

وفي السلك الإعدادي، انقطع -في المدة الزمنية ذاتها- ما مجموعه 58 ألفاً و33 تلميذاً، منحدرين من العالم القروي، عن الدراسة، مقابل 53 ألفاً و253 تلميذاً ينحدرون من العالم الحضري، فيما تراجعت النسبة ذاتها من تلاميذ القرى بالسلك الثانوي إلى 8 آلاف و452، لترتفع في صفوف زملائهم في الحواضر إلى 35 ألفاً و927 منقطعاً عن الدراسة.

هذه الأرقام تعني أن أن 218 ألفاً و141 تلميذاً تركوا مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية 2015/2016، أي ما يعادل أكثر من 3% من إجمالي التلاميذ المسجلين برسم السنة الدراسية المذكورة.


الهروب من المدرسة


ذات التقرير يورد أسباباً كثيرة للهدر المدرسي، تتنوع ما بين الاقتصادية والاجتماعية وكذا الجغرافية. الأسباب الاقتصادية تتجلى أساساً في الفقر وقلة ذات اليد والدخل المحدود للأسر، وضعف الموارد المالية للتكفل بدراسة الأبناء، مما تضطر معه الأسر المغربية إلى الدفع بأطفالها الذكور للاشتغال في أعمال الفلاحة وغيرها، في حين تستقطب الإناث للعمل كخادمات بيوت من طرف الأسر المغربية الميسورة الحال.

أما الأسباب الجغرافية، فتتجلَّى أساساً في بُعد المؤسسات التعليمية عن مقر سُكنى التلاميذ، ولاسيما بالوسط القروي، وتشتت السكن، وصعوبة المسالك وانعدامها أحياناً، وكذا قساوة الظروف المناخية، خصوصاً بالمناطق الجبلية.

وتكشف الأرقام الرسمية أن ظاهرة الهدر المدرسي عَرَفت تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لذلك يرتقب أن يكون هذا الملف الساخن من بين أولويات وزير التعليم والتربية الوطنية الجديد محمد حصاد، والذي عُين من طرف الملك على رأس هذه الوزارة، قادماً إليها من وزارة الداخلية.