سهم الحب هزم رصاصة بن علي.. "جريح الثورة" التونسية يزف لعروسه وهو على كرسيه المتحرك

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

"نور الثورة في قلبي ما زال حياً، وسأكمل حياتي مع رفيقة دربي، على أمل أن أستعيد قدرتي على المشي مجدداً"، بهذه الكلمات التي لم تخل من نبرة تفاؤل تحدث الشاب التونسي رشاد العربي (27 سنة) ولم يمض على زفافه على عروسه ملكة بوقرة (23 سنة) سوى يوم واحد، في حفل حضره الأهل والأصدقاء ورفقاء النضال ضد بن علي.

رشاد هو أحد شباب الثورة وجرحاها، من الذين تقدموا في الصفوف الأمامية وخرجوا ضد نظام الرئيس الأسبق بن علي، يوم 13 يناير/كانون الثاني 2011، بعضهم سقط قتيلاً، ومن كان أوفر حظاً مثله تلقَّى رصاصة في صدره من مسدس أحد الأمنيين بمركز الأمن بجهة مرناق، لتجعله يفقد القدرة على المشي.

يقول رشاد لـ"هاف بوست عربي"، في محاولة منه لاسترجاع تلك اللحظات "الثورية": "كنت كأي شاب تونسي ضاق ذرعاً من استبداد بن علي وأصهاره، وتابعت كغيري حادثة انتحار محمد البوعزيزي، التي أوقدت لهيب الاحتجاجات في محافظات سيدي بوزيد والقصرين، والتي وصل مداها لتونس العاصمة حيث أسكن".

وأضاف أنه لم يكن ممن تخلفوا عن المشاركة، "دفعني الحماس للخروج رفقة مجموعة من شباب مدينة مرناق، يوم 13 يناير/كانون الثاني 2011، للتظاهر بشكل سلمي".

وذكر أنه بمرورهم بأحد مراكز الشرطة هناك، حدثت مناوشات مع رجال الأمن، ليفاجئه عيار ناري يخترق صدره، و"لم أصح بعدها إلا في المستشفى، ليخبرني الأطباء أن رصاصة اخترقت النخاع الشوكي، وأفقدتني القدرة على المشي".

جريح الثورة ظلَّ نحو 4 أشهر في غيبوبته بقسم الإنعاش بين الحياة والموت، لينقل بعدها إلى العلاج في فرنسا، ويخضع لنحو 7 عمليات جراحية، ويعود لتونس ليستكمل جلسات العلاج وإعادة التأهيل الحركي دون أن يكل أو يمل أو يفقد أمله في استرجاع قدرته على المشي.


لقاء غيَّر مجرى حياته


بالمسبح البلدي بجهة رادس كان رشاد يقضي ساعاته رفقة مختصين في التدليك والعلاج الطبيعي، هناك كان يستعيد شيئاً فشئياً القدرة على تحريك كلتا رجليه، لكنه أيضاً التقى بمن "غيَّرت حياته وقلبتها رأساً على عقب"، كما يقول.

هنا تتدخل عروسه ملكة لتؤكد لـ"هاف بوست عربي" أنها كانت تجهل طبيعة إصابة رشاد، وأن الحديث الذي جمعها معه في البدايات سنة 2013، اقتصر على تبادل التحية والسلام، لاسيما أنها من هواة السباحة، وكانت تحرص على حضور ساعات التدريب هناك لتتطور العلاقة بينهما شيئاً فشيئاً إلى حب، ثم رغبة رسمية في الارتباط.

ولم تخف ملكة ترددها رفقة رشاد في أخذ قرار الزواج، لكن إعجابها بشخصيته وبأخلاقه العالية واقترابها أكثر من محيطه العائلي، جعلها تصر أكثر منه على تحويل علاقتهما من مجرد صداقة إلى حب وعِشرة دائمة تجمعهما في بيت واحد.

وأضافت: "لو أحسست لثانية واحدة بشعور العجز أو اليأس لدى رشاد لما اتخذت قرار الارتباط به، بل كان يبهرني بعزيمته وتفاؤله باسترجاع قدرته على المشي والاحتجاج مجدداً في شوارع تونس".

بدوره لم يخفِ رشاد شعور الرهبة والتردد باتخاذ قرار الزواج، لأنها "ليست بالخطوة السهلة"، كما يقول. لكن في المقابل وأمام إصرار حبيبته ودعم محيطه العائلي، ولاسيما والدته، تلاشت كل تلك المخاوف.


الثورة المسلوبة


على صعيد آخر عبَّر جريح الثورة عمَّا وصفه بـ"المرارة" من الوضع السياسي والاقتصادي الذي تشهده تونس، ولاسيما عودة منظومة بن علي بوزرائه في الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

وتابع: "كنت أعتقد كغيري أن الدماء التي سالت والأرواح التي سقطت كفيلة بأن تجعل من نظام بن علي ومنظومته حديثاً من الماضي، لكني كنت متوهماً كغيري من رجال الثورة، يبدو أن تيار الثورة المضادة كان أقوى".

رشاد حذر في ختام حديثه من غضب الشعب التونسي ومن ثورة جديدة قد تأكل هذه المرة الأخضر واليابس، في ظل وضع اقتصادي واجتماعي بائس وهش، واستشراء الفساد والمحسوبية، بينما يعيش أغلب التونسيين على خط الفقر، فيما لم يُخف أمله في أن يعود ليمشي على قدميه، ليواصل النضال ويحمي الثورة المسلوبة من التونسيين.