شبح الدولار يضرب "الفجالة".. العام الدراسي في مصر يبدأ بموجة غلاء فكم مرة تضاعفت الأسعار؟

تم النشر: تم التحديث:
143075119
Independent Picture Service via Getty Images

على رصيف صغير بشارع الفجالة (وسط القاهرة)، جلست السيدة عايدة علي تستريح قليلاً بعد أن أمضت نحو ساعتين تجوب الشارع يميناً ويساراً لشراء مستلزمات أولادها المدرسية.

تتحسس عايدة، التي لديها 4 أطفال، محفظتها المزركشة وقد أصبحت شبه خالية بعد هذه الجولة، "أسعار الكراسات والأقلام مرتفعة عن العام الماضي!"، تقول لـ"هاف بوست عربي".

أنفقت عايدة العام الماضي نحو 700 جنيه مصري لشراء المستلزمات المدرسية من أقلام وكراسات وكشاكيل لأولادها، لكن هذا العام أنفقت نحو 1000 جنيه مصري.

وتقول عايدة: "على مدار شهرين، كنت أدخر من يومية زوجي، الذي يعمل سائقاً؛ لنتمكن من توفير المستلزمات المدرسية للأولاد، لكني لم أستطع الوفاء بكل متطلباتهم؛ نظراً إلى ارتفاع الأسعار".

ومنذ قرار تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تعاني مصر موجة تضخمية عالية، حيث وصل معدل التضخم لمستويات قياسية لم يشهدها منذ منتصف الثمانينيات.

وبلغ معدل التضخم السنوي لشهر يوليو/تموز الماضي 34.2% مقارنة بالشهر نفسه العام الماضي، وهو رقم لم تشهده مصر منذ عام 1986، وفقاً لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.


هذه الأسباب الثلاثة وراء ارتفاع الأسعار


يُرجع أحمد أبو جبل، رئيس شعبة الأدوات المكتبية باتحاد الغرف التجارية، ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية إلى ارتفاع سعر الدولار وتعويم الجنيه وضريبة القيمة المضافة.

وقدر أبو جبل، خلال لقاء تلفزيوني معه، نسبة ارتفاع الأسعار هذا بنحو 60% مقارنة بأسعار العام الماضي.

"أغلب الأدوات المدرسية مستوردة من الخارج، وهي السبب وراء ارتفاع أسعار"، وفقاً لأبو جبل.

ولا توجد إحصائية عن إجمالي قيمة واردات مصر من المستلزمات المدرسية سنوياً، ومدى تراجعها المحتمل بفعل ارتفاع سعر صرف الدولار.

لكن وفقاً لبيانات وزارة التجارة والصناعة الشهر الماضي، فإن الواردات المصرية بشكل عام تراجعت خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 30% لتصل إلى 24 مليار دولار مقابل 34 مليار دولار خلال الفترة نفسها العام الماضي.

وبالفعل، دفع ارتفاع الأسعار السيدة سها محمود إلى الفجالة لأول مرة؛ لأن أسعار المكتبات خارجها لم تعد تطاق بالنسبة لها.

"السعر وحده هو الذي أتى بي إلى هنا لأول مرة"، كما تقول السيدة الثلاثينية لـ"هاف بوست عربي"، بينما كانت تمسك بمقلمة من البلاستيك وتخاطب صديقتها: "بيقول لك سعرها 35 جنيه!".

وتوضح سها أنها في السنوات الماضية كانت تشتري الأدوات المدرسية لابنها من المكتبات الكبيرة في القاهرة، "لكن ارتفاع الأسعار دفعني للفجالة هذا العام".


هكذا خلقت الأزمة فرصة للمنتجات المصرية


على جانبي الشارع القريب من منطقة رمسيس (وسط القاهرة)، تمتد المكتبات التي تبيع الأدوات المدرسية، وتتفنن في عرض البضائع الملونة من الأقلام والكراسات؛ أملاً في جذب المشترين.

المنافسة قوية، خاصة بعد اختفاء الكثير من البضائع المستوردة، بعد أزمة الدولار.

ويمكن في سوق الفجالة ملاحظة أن منتجات مصرية بسيطة دخلت لأول مرة السوق؛ بسبب ارتفاع أسعار المستورد، حيث يعتبر سعرها أقل نسبياً. هذه المنتجات تظهر بوضوح في علب السندوتشات "لانش بوكس" وزجاجات المياة المدرسية "الزمزمية"، حيث لجأ البعض إلى الاعتماد على الصناعة المحلية بدلاً من شراء المستورد.

وقبل بدء الدراسة بأكثر من شهر، تبدأ الفجالة -التي تُعرف بأنها سوق الأدوات المكتبية الأول في مصر- في استقبال أولياء الأمور من مختلف الطبقات والمحافظات الذين يرغبون في الشراء بالجملة؛ نظراً إلى فارق الأسعار بينها وبين المكتبات الأخرى.

"من يقصد الفجالة كل عام يعرف جيداً كيف تغيرت الأسعار هذا العام"، كما تقول شيرين عبد الغني، التي التقتها "هاف بوست عربي" في الفجالة.

تقول شيرين: "الكراسة التي كانت بنحو 2.5 جنيه العام الماضي تباع اليوم بـ4 جنيهات! وشراء بعض الكراسات والأوراق لابنتي 7 سنوات و5 سنوات كلفني 600 جنيه!".

منذ انتهاء العام الدراسي الماضي، تدخر شيرين وزوجها، الذي يعمل محاسباً، لشراء احتياجات دخول المدارس؛ نظراً إلى ارتفاع الأسعار الذي تشهده البلاد.

"أتى العيد ولم نتمكن من شراء ملابس جديدة لابنتي كما هي العادة؛ لأن المستلزمات المدرسية الأهم"، وفقاً لشيرين.


الاقتصاد في الكراسات


تعدِّد شيرين ما اشترته هذا العام بأنه مجموعة من الكراسات والأوراق، كما أنها لم تشتر أقلاماً؛ حيث إنه لا يزال لديها أقلام من مستلزمات العام الماضي.

تقول شيرين التي تعمل محاسبة هي الأخرى: "هذا العام اشتريت كمية أقل من الأدوات المدرسية عما اشتريته العام الماضي؛ نظراً إلى ارتفاع الأسعار".

لا تعلم شيرين ما إذا كانت هذه الكمية ستكفي ابنتيها، ولكن لا سبيل إليها غير ذلك.

هذا السلوك اتبعته عايدة، هي الأخرى، تقول بينما كانت تستعد للرحيل من الفجالة التي تقصدها مرة واحدة في العام: "اشتريت نصف ما يطلبه أولادي؛ لأن الأسعار مرتفعة وإذا احتاجوا شيئاً آخر فلا أعلم ماذا سنفعل!".


نسبة ارتفاع الأسعار وصلت إلى هذا الحد


ويشتكي محمد خليفة، مالك إحدى المكتبات بشارع الفجالة، لـ"هاف بوست عربي"، من انخفاض حركة البيع مقارنة بالعام الماضي.

"من كان يشتري العام الماضي كميات كبيرة لأولاده تكفي معه العام الدراسي كله، أصبح يشتري كميات أقل بسبب ارتفاع الأسعار!"، وفقا لخليفة.

وأثر ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية على حجم المبيعات ونسبة الربح الخاصة، بخليفة وزملائه من أصحاب المكتبات، كما يوضح.

يقول خليفة، الذي يقف أمام مكتبته الصغيرة بشارع الفجالة في انتظار الزبائن: "قبل كل عام كنت أشتري بضاعة كثيرة؛ لأنني أعلم أنها ستباع، هذا العام الأمر تغيَّر فالأسعار ارتفعت بنسبة لا تقل عن 100% والإقبال لا يقارن بالأعوام الماضية".

كما دفع ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية، التجار إلى تقليل هامش الربح، ويقول خليفة: "لا يمكنني وضع هامش ربح كبير لي في ظل ارتفاع الأسعار؛ لأنه لا أحد سيشتري".

وتعمل وزارة التجارة والصناعة المصرية على توفير بعض المستلزمات المدرسية من السوق المصرية على المدى البعيد، حيث أعلنت يوليو/تموز الماضي، أن مجموعة مكتبات سمير وعلي تدرس حالياً، إنشاء مشروع جديد، لإنتاج أقلام الرصاص والجاف والأستيكة "الممحاة" باستثمارات 5 ملايين دولار، بالتعاون مع إحدى الشركات الأجنبية. ويعد هذا المصنع هو الأول من نوعه الذي ينتج الأستيكة في مصر، والتي يتم توفيرها في السوق المحلية بالكامل عن طريق الاستيراد، وفقاً لوزارة التجارة.

مع اتجاه الشمس نحو المغيب، كانت عايدة تلملم الأكياس البلاستيكية التي خرجت بها من الفجالة، وهي تخشى أن تعود مرة أخرى إلى هنا؛ لأنها تعلم أن العودة تعني دفع مزيد من الأموال التي لم تخطط لإنفاقها هنا.