قلَبَت هزيمتها إلى نصر.. كيف خرجت ميركل من أشد الأزمات السياسية في حياتها بسبب اللاجئين وأعادت شعبيتها؟

تم النشر: تم التحديث:
MERKEL
Fabrizio Bensch / Reuters

تطرَّقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في خطاب ألقته شمالي ألمانيا، في الآونة الأخيرة، خلال جولاتها الانتخابية، إلى أزمة اللاجئين التي شهدتها أوروبا عام 2015، ونقلت لجمهور الحاضرين رسالة طمأنة مزدوجة.

وقالت ميركل لأكثر من 1000 ناخب تجمَّعوا في قرية شتاينهوده، التي يعمل أهلها بصيد الأسماك، إنه يحق للألمان أن يفخروا بالاستقبال الحار الذي قدَّموه لمئات الآلاف من طالبي اللجوء.

ثم رفعت نبرتها قائلة: "ما حدث عام 2015 لا يمكن أن يحدث مرة أخرى، ولا يجب أن يحدث، بل لا بد ألا يحدث مرة أخرى".

وكرَّرت ميركل هذه الجملة المرة تلو الأخرى في ساحات الأسواق في مختلف أنحاء ألمانيا خلال جولاتها الانتخابية، سعياً للفوز بفترة رابعة في الانتخابات الاتحادية، التي تجري يوم 24 سبتمبر/أيلول، ومن المتوقع على نطاق واسع أن تفوز فيها.

وبعد عامين من قرار ميركل فتح حدود ألمانيا لطالبي اللجوء لتحاشي ما تقول إنه كان كارثة إنسانية تلوح في الأفق، وما تلى ذلك من تراجع شعبيتها بشدة، خرجت المستشارة الألمانية من أشد الأزمات التي مرَّت بها في حياتها السياسية حُلكةً.

والعوامل كثيرة وراء استعادة وضعها السابق. غير أنه لا توجد عوامل في أهمية مهارتها في نسج أحداث أزمة اللاجئين بطريقة يمكن أن يؤيدها كثيرون من الألمان، سواء ممن هلَّلوا لتصرفاتها عام 2015 أم أدانوها.

وقال روبن ألكسندر، مؤلف كتاب من أفضل الكتب مبيعاً عن معالجة الحكومة الألمانية لأزمة اللاجئين: "ميركل لا ترشح نفسها بناء على سياسة الحدود المفتوحة، وهذا يلائم على نحو مثالي الجو السائد في البلاد".

وأضاف: "كثيرون يحبون صورة ألمانيا كنموذج للفضيلة الإنسانية. وفي الوقت نفسه يدركون أن البلاد لا يمكن أن تستمر في استقبال اللاجئين مثلما فعلت. وتلك هي المشاعر التي تستميلها ميركل".

وبنهاية عام 2015 بلغ عدد طالبي اللجوء الذين دخلوا البلاد 890 ألفاً، دخل كثيرون منهم دون إجراءات فحص الهوية السليمة، وشكَّلوا عبئاً على التجمعات السكانية المحلية.

وأدت تصرفات ميركل إلى انقسام أوروبا، وإلى تصاعد المشاعر المناهضة للمهاجرين. وأصبح من المؤكد فيما يبدو أن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتشدد سيدخل البرلمان للمرة الأولى.

وبعد عام من قرارها، وفي أعقاب سلسلة من الهجمات محدودة النطاق في ألمانيا من جانب متشددين إسلاميين، انخفضت شعبيتها 30 نقطة إلى %45، ووجهت إليها أسئلة عما إذا كانت سترشح نفسها لمنصب المستشار مرة أخرى.

أما الآن فإن 63% من الألمان يقولون إنها أدت مهمة طيبة، وذلك حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة برتلسمان هذا الأسبوع، بينما يرى 59% أن البلاد تسير على الطريق السليم.

وقال واحد من كبار مساعديها: "كان طريق العودة طويلاً وشاقاً. لكننا وصلنا إلى نقطة لم تعد فيها قضية اللاجئين عاملاً سلبياً بالنسبة لميركل في الحملة الانتخابية".


"لا بديل"


واستفادت ميركل من أحداث خارجية كنتيجة الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا العام الماضي بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية. وقد عزَّز هذان الحدثان صورتها كضامن للاستقرار.

وكان قرار مقدونيا في أوائل عام 2016 بإغلاق حدودها مع اليونان قد أدى إلى توقف موجة اللاجئين، مما خفَّف الضغط على ألمانيا. كما أن ألمانيا لم تشهد هجمات على نطاق واسع من الإسلاميين، وهو ما كان من الممكن أن يأتي برد فعل عكسي من الناخبين.

غير أن براعة ميركل في فهم ما يحرك الألمان كانت عاملاً حاسماً.

ففي كثير من المناسبات العامة التي ظهرت فيها واجهها محتجون مناهضون للمهاجرين حاولوا التشويش على خُطبها بالصفير وترديد الهتاف: "لا بد من رحيل ميركل".

وفي قرية شتاينهوده، رفعت امرأة لافتة عليها صورة يد ميركل على شكل ألماسة فوق علم ألمانيا، وبه فتحة ملوثة بالدماء أحدثتها رصاصة في منتصفه. وكتب على اللافتة "أعرض عليكم الرعب والموت والفوضى".

غير أن أنصار ميركل الذين هلّلوا لرسالتها طغوا على المحتجين الذين كان عددهم نحو عشرة.

وقال فيلي كورديز (70 عاماً)، الذي يدير شركة لمعالجة الصرف الصحي في فلوتو القريبة من القرية: "لست واثقاً مما إذا كانت هناك طريقة أخرى للتعامل مع أزمة اللاجئين. كان من الواجب أن يذهب هؤلاء اللاجئون إلى مكان ما. لا أثق أن أحداً سيؤدي المهمة على نحو أفضل".

ومن العوامل التي سارت لصالحها في الانتخابات، أن كثيراً من الأحزاب الأخرى الراسخة في ألمانيا، ومنها الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقيادة مارتن شولتس، متحديها الأبرز، تؤيد سياسة الباب المفتوح التي اتبعتها.

وقد تراجع حزب البديل من أجل ألمانيا -الذي يشن حملة ذات طابع عنصري أبعدت بعض الناخبين- عن المستويات المرتفعة التي سجلها في استطلاعات الرأي في العام الماضي.

والحزب الرئيسي الوحيد الذي قدم بديلاً ذا طابع متشدد هو حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، وهو الحزب الشقيق في بافاريا لحزب ميركل الاتحاد الديمقراطي المسيحي. والتصويت لحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي أشبه بالتصويت لميركل.


عمل قذر


من العوامل الحاسمة وراء تحسن صورة ميركل انخفاض أعداد طالبي اللجوء الواصلين إلى ألمانيا، إذ بلغ العدد 280 ألفاً عام 2016، ومن المرجح انخفاض العدد هذا العام.

وتنسب ميركل لنفسها الفضل في ذلك، إذ تشير إلى صفقة توسطت فيها بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، خفضت أنقرة بمقتضاها عدد المهاجرين العابرين إلى أوروبا عبر أراضيها.

غير أن المنتقدين يقولون إن إغلاق حدود البلقان الذي عارضته ميركل علانية كان هو العامل الحقيقي في ذلك.

ويرى البعض أوجه شبه مع سلوكها في الأزمة المالية بمنطقة اليورو، عندما تعهد ماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي ببذل كل ما هو مطلوب للحفاظ على وحدة منطقة العملة الموحدة، الأمر الذي سمح لها بالتشبث بموقفها المتشدد من دول في منطقة اليورو، مثل اليونان، دون أن تخشى العواقب.

وفي أزمة اللاجئين، كانت الدول التي سدَّت كل الطرق التي استخدمها اللاجئون قد أسهمت بذلك في فعلٍ صبَّ في النهاية لصالح ميركل، الأمر الذي سمح لها بالحفاظ على صورة الزعيمة الحنون، التي ساعدت الفارّين من الحرب.

وأفاد هذا النهج ميركل، فساعدها في توسيع نطاق سيطرتها على الوسط السياسي. وربما يكون بعض الناخبين اليمينيين قد تحوَّلوا إلى حزب البديل من أجل ألمانيا، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الناخبين من الشبان وأهل المدن الذين يميلون في العادة نحو اليسار قد يملأون هذا الفراغ.

كما كان الاقتصاد الألماني قوياً بما يكفي لاستيعاب تدفق اللاجئين دون ظهور شروخ كبرى في المجتمع. فقد برزت ألمانيا كبلد أكثر انفتاحاً وتسامحاً مما افترض كثيرون، عندما وقعت الأزمة، وذلك كرد فعل لماضيها النازي.

وفي استطلاع نُشر هذا الشهر جاء الإرهاب على رأس مخاوف الألمان. غير أن استطلاعاً آخر لصحيفة بيلد أوضح أنهم لا يرون في الحد من الهجرة أولوية.