المدينة التي قد تقتل حلم الأكراد بالاستقلال.. بغداد لن تتفاوض من أجلها والعرب يعتبرون التنازل عنها لعنة عليهم

تم النشر: تم التحديث:
KURDS INDEPENDENCE
SAFIN HAMED via Getty Images

بتعدادٍ يصل لنحو 30 مليون نسمة، مقسّمين بين أربع دول؛ العراق، وسوريا، وتركيا، وإيران، يُوصَف الأكراد عادة بأنَّهم أكبر مجموعة عرقية في العالم لا وطن لها. لكنَّ كردستان العراق، المقاطعة الغنية بالنفط في شمالي العراق، ربما لا تزال تحمل الأمل.

ولكن يُحتمَل أن يفجر الاستفتاء المزمع إجراؤه، في 25 سبتمبر/أيلول الجاري العنفَ في مناطق متنازع عليها مثل كركوك، وهي مدينة متعددة الأعراق يحكمها الأكراد يَسكنها الأكراد، والعرب، والتركمان، ولطالما كانت محل نزاعٍ بين الحكومة المركزية والسلطات الكردية.

فقد سمحت الحملة العنيفة ضد داعش في العراق للأكراد بالسيطرة على أراضٍ جديدة، من بينها كركوك، التي هجرها الجنود العراقيون الفارون.

وتبعت مناطق السيطرة الجديدة أزمة اقتصادية عميقة بعد انهيار سعر النفط وتوقف بغداد عن إرسال مدفوعات الميزانية، خلقت توتراً بين العديد من الأكراد الذين يدعمون الاستقلال لكنَّهم يرون أنَّ الوقت غير مناسب.

فآلاف الموظفين الحكوميين الأكراد، من بينهم المعلمون، لم يتسلموا رواتبهم كاملة منذ سنوات، وديون الحكومة الإقليمية، التي لم تتمكن من تصدير نفطٍ كافٍ لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وصلت إلى نحو 20 مليار دولار.

كذلك تُعَدُّ مدينة كركوك الغنية بالنفط عائقاً آخر أمام الاستقلال، إذ أعلنت بغداد أنَّها لن تتخلى عن سلطتها على المدينة، وأشارت الميليشيات الشيعية العراقية المرتبطة بإيران أنَّها ستحارب لتُبقي العراق متحداً، ما يُزيد من احتمال الصراع العسكري.

وقال جوست هلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية المعنية بحل النزاعات، إنَّ "المواطنين في بغداد يريدون التفاوض بشأن الاستقلال"، مضيفاً: "لكن ليس استقلالاً يتضمن كركوك. هي خطٌّ أحمر حاسم لكل شخص في بغداد لا ينتمي للأكراد".

وذكر هتلرمان أنَّه لن يتفاجأ إذا أُجِّلَ الاستفتاء لهذا السبب.

وعدَّد راكان سعيد الجبوري، نائب محافظ مدينة كركوك، قائمة المظالم التي يتعرض لها العرب في كركوك، والتي وثَّقتها منظمة هيومان رايتس ووتش، وتتضمن: التهجير القسري من قبل قوات الأمن الكردية، وحرمانهم من العمل، ومنعهم من شراء الأراضي.

وقال الجبوري: "ترك الأمر للأكراد وحدهم لتحديد مصير المدينة هو خطأ" بحسب ما نشرته نيويورك تايمز.

ويمثل التنازل عن كركوك للأكراد لعنةً لعرب المدينة والتركمان فيها.

أسام حسين، وهو سائق سيارة أجرة تركماني، يمضي الوقت بعد ظهيرة اليوم في الشوارع مع أصدقائه الأكراد. ولكن عندما سألته "نيويورك تايمز"عن الاستفتاء، أصرَّ على التحدث على انفراد.

وقال حسين، الذي لا يرغب في العيش في دولةٍ كردية كأغلب التركمانيين: "لا أستطيع التحدث أمام الأكراد"، مضيفاً: "هم أخوتي، لكنَّهم سيغضبون. لأكون صادقاً، لا نستطيع التحدث بشأن السياسة".

وفي حال الموافقة على الاستفتاء، أوضح المسؤولون الأكراد أنَّ عملية الانفصال ستبدأ بشكلٍ رسمي، وستتضمن مفاوضاتٍ مع الحكومة العراقية، وجهوداً دبلوماسية لنيل دعم القوى الإقليمية.

من جهته كمال شوماني، وهو محلل كردي يعارض الاستفتاء، قال لـ"نيويورك تايمز" أنَّ "هناك العديد من القضايا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والقانونية في كردستان يجب علينا حلها".

ويخشى شوماني من فشل الاستقلال إذا أُعلِنَ في هذه الفترة، كما حدث مع تجربة الدولة الكردية الوحيدة في التاريخ؛ جمهورية مهاباد، التي أُعلنت على أرض إيران عام 1946 بدعمٍ سوفييتي. لكنَّ السوفييت تخلوا عن الأكراد بسرعة، وانهارت الجمهورية.

ويوضح شوماني أنَّ "الأكراد لا يريدون أن يشهدوا (استقلال) كردستان لفترةٍ قصيرة".


الموقف الأمريكي


مع العلم أنَّ بغداد أعلنت أنَّها لن تعترف بنتائج الاستفتاء، بينما يرى محللون أن بغداد مُنفتحة على المحادثات مع الأكراد بشأن الاستقلال، طالما لن تتضمن دولتهم مدينة كركوك.

وليست العاصمة العراقية وحدها مَن تُعارِض ذلك الاستفتاء، بل هناك أيضاً المسؤولون الأميركيون، فقد طلبوا من الأكراد تأجيل الاستفتاء خشية أن يؤدي إلى عرقلة القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

كما سيُفقدهم الانفصال الكردي أحد أهدافها الرئيسية منذ غزوها العراق: الحفاظ عليه من الانقسام.

وبالنسبة لإيران، القوة الخارجية المهيمنة في العراق، والتي تربطها علاقاتٌ قوية بالحكومة الشيعية في بغداد والميليشيات الشيعية العراقية التابعة لها، فقد أكدت أنَّ أولويتها هي الحفاظ على وحدة العراق.

وبدون دعم دول الجوار، يمكن أن يأتي التصويت بنتائج عكسية، مخفقاً في تحقيق الاستقلال، ليصبح مجرد محاولة أخرى في تاريخٍ طويل من الفرص الضائعة لشعبٍ طالت معاناته.

ويعتقد الكثيرون أنَّ حصول الأكراد على دولتهم المستقلة ليس إلا مسألة وقت فحسب.

إذ يرى بيتر غالبريث، وهو دبلوماسي أميركي سابق تربطه بالقيادة الكردية روابط قوية، بحسب نيويورك تايمز أنَّ "الوجهة النهائية واضحة، إنَّها الاستقلال"، وأنَّه "بإعلان موعد الاستفتاء، أصبح من غير الممكن التراجع عنه".

وشبَّه غالبريث الاستفتاء بقرار بريطانيا بمغادرة الاتحاد الأوروبي، أي تصويت يتبعه تفاوض.

إذ قال: "إنَّه بريكست آخر في النهاية".