من السجن إلى الزفاف.. قصة زواج محمد سلطان أشهر مُضرب عن الطعام بمصر وأصعب لحظة في ليلة زفافه

تم النشر: تم التحديث:
U
ؤ

لن تشعر كل عروس بالسعادة لو أن أحد ضيوف الزفاف اختطف الأضواء منها على منصة الحفل. لكن حبيبة شبيطة كانت سترحب بفرصة أن تتشارك الأضواء بصحبة عمر مالك، صديق خطيبها محمد سلطان.

كان مالك البالغ من العمر 31 عاماً، وسلطان البالغ 29 عاماً رفقاء في سجنٍ بالقاهرة لمدة عامين بعد أن اعتقلا في حملة موسّعة من الحكومة على محتجين سياسيين. وأبرم مالك، بعدما صدر عليه حُكم بالإعدام، اتفاقاً مع سلطان، وفقاًً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وقال مالك، في مقابلة عبر تطبيق "فيس تايم": "عندما علم محمد بشأن عقوبتي كان يضرب القضبان"، مضيفاً: "نظرت في عينيه وكانت مليئة بالدموع. لقد بكى وصرخ من أجلي. وقلت له: لا تقلق يا صديقي. لن أموت. يوماً ما ستتزوج وسأحضر زفافك".

لكن هذا الوعد لم يتحقق قط. ورغم أن مالك أطلق سراحه العام الجاري، وجرى تأمين تأشيرة له في أغسطس/آب الماضي، ليذهب إلى الولايات المتحدة، وذلك قبل حفل زفاف سلطان وحبيبة في التاسع عشر من الشهر نفسه بمدينة ريستون بولاية فرجينيا، لكن محاميه حذَّروه في نهاية المطاف من مغادرة مصر، حيث كانت هناك مخاوف من أنه قد يُعتَقَل في المطار.

لم يكن غياب مالك هو الوحيد الذي شعر به الزوجان بشكل كبير وعائلتهما. فمازال والده، صلاح سلطان، وهو قيادي إسلامي بارز اعتقل أيضاً في الحملة السياسية المستمرة، قابعاً في أحد السجون المصرية، يقضي عقوبة بالسجن 5 سنوات في سجن شديد الحراسة بعد أن ألغت محكمة استئناف عقوبة الإعدام الصادرة بحقه.


مهمة مشتركة


ولا يزال الزوجان ملتزمين بكشف المظالم المتعلقة بحقوق الإنسان. وفي الحقيقة كانت هذه المهمة المشتركة هي ما جمعتهما سوياً.

قالت حبيبة، البالغة من العمر 22 عاماً والتي نشأت بمجتمع كولونيا في ولاية نيوجيرسي الأميركية: "بدأ الأمر برمته في صيف 2013، عندما أنهيت للتو المدرسة الثانوية، وبدأت إدراك السياسة". وانتقلت حبيبة مؤخراً إلى مدينة فولز تشيرش بولاية فيرجينيا، لتصبح مناصرة لحقوق الإنسان مع سلطان، ومؤسسة منظمة "The Freedomi" غير الربحية، التي تهدف إلى جذب الانتباه إلى معاناة السجناء السياسيين.

لاحظت حبيبة بأسى، عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها، أثناء زيارتها لجدتها وأبناء أعمامها في مصر، وهو أمر اعتادت فعله كل صيف منذ طفولتها، ما كان يحدث في البلاد بعد الإطاحة العسكرية بالرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. وقالت: "عملية الانتقال كلها هناك بعد الثورة أخافتني"، مضيفة: "كان مخيفاً أن ترى كيف أن الجيش حاز السيطرة على الأمور مرة أخرى".

في يوم من الأيام، خلال مظاهرة لإسلاميين ضد استيلاء الجيش على السلطة، قالت: "توصلت إلى فكرة مجنونة بالتحدث على منصة المظاهرة، باعتباري مواطنة مصرية أميركية. هذا بعيد جداً عن شخصيتي. لم أتحدث إلى حشدٍ هكذا قط".


هنا بدأت الحكاية


قبل أن يسمح لها منظمو المظاهرة بإلقاء كلمتها، طُلِبَ منها أن تذهب إلى نهاية المنصة، كي تُظهِر مضمون كلمتها لمتظاهر آخر أميركي كي يحذف منها ما هو مسيء. وكان هذا المراجع هو سلطان والذي كان يبلغ آنذاك 25 عاماً، وقالت حبيبة: "أحب أن أفكر في الأمر بأنه كان قدر".

وإذا كان ذلك قدراً، فقد استغرق وقته رغم ذلك، وحدثت بعض التحولات المروعة، قبل توحيدهما كزوجين.

في أغسطس/آب من عام 2015، وفيما كانت حبيبة تستعد للعودة إلى نيوجيرسي من أجل الفصل الدراسي الأول بجامعة روتجرز، حلت الفوضى بحياة سلطان، وهو خريج جامعة ولاية أوهايو، الذي انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية حين كان طفلاً وكان يعيش بعد ذلك في مصر مع العائلة.

بدأت الشرطة هجوماً عنيفاً على اعتصام حول مسجد رابعة العدوية، حيث كان سلطان متطوعاً. ووسط الاضطرابات، أُصيبَ بطلقٍ ناري في ذراعه، في حين تفرَّقت أسرته بين السفر والاعتقال.

في يوم رحلة عودة حبيبة إلى أميركا، اعتُقِلَ سلطان في اتهامات تتعلَّق بالإرهاب والتآمر عندما داهمت الشرطة منزل العائلة في القاهرة. وزُجَّ به في زنزانة مزدحمة بنحو 20 معتقلاً سياسياً آخرين، وتُرِكَ ليفكر ملياً في مستقبل كان غير واضح، لكن من المُرجَّح أن ينطوي على السجن مدى الحياة أو الإعدام.


أطول إضراب عن الطعام بالعالم


قال سلطان: "كانت زنزانة تحت الأرض، لا يصلها ضوء الشمس أو أي شيء إنساني"، مضيفاً: "لم يكن لديّ في الأساس أي طريقة للاتصال بالعالم الخارجي". وكان لدى سلطان رغم ذلك هاتفٌ نقال مُهرَّب استخدمه ليُطَمئن عائلته أنه لا يزال على قيد الحياة، ولوضع خطة لإطلاق حملة للإضراب عن الطعام.

وقد وصف سلطان -في رسالة بعثها إلى والدته بعد اعتقاله بنحو 40 يوماً- ظروف عيشه داخل السجن، فقال إنه وُضع في غرفة تسمى "الثلاجة، ولا يوجد فيها كرسي أو مقعد للجلوس، وهي مظلمة كليا وليس فيها نافذة أو حتى ضوء"، وفق ما ذكر تقرير لقناة الجزيرة.

ودام إضرابه عن الطعام 16 شهراً، أي 495 يوماً، ما جعله صاحب أطول إضراب عن الطعام بالعالم، وأشهر مضرب عن الطعام في السجون المصرية، وقد خسر خلالها 160 رطلاً (نحو 72.5 كيلوغراماً)، وعانى خلالها من انسداد في الرئة اليمنى كاد أن يودي بحياته. وتفاقمت حالته البدنية بسبب الضائقة النفسية. وقضى سلطان الأشهر الخمسة الأخيرة من فترة سجن تبلغ عامين تقريباً في الحبس الانفرادي.

وقال إن حراس السجن كانوا يشجعونه على قتل نفسه باستخدام شفرات الحلاقة، وعذبوه فيما كانت التقارير تنهمر حول سوء المعاملة الواقعة على والده. ووقع حادثٌ شنيع جداً قرب نهاية فترة عقوبته، عندما ترك الحراس رجلاً ليموت في زنزانته وتركوه جثمان الرجل لمدة نصف يوم بالزنزانة.

ولكن الأسرة والأصدقاء، بمن فيهم حبيبة، لم يتخلوا عن سلطان. وبعد اعتقاله مباشرةً، بدأت هناء سلطان حملة على الشبكات الاجتماعية تحمل هاشتاغ #FreeSoltan، والتي اكتسبت زخماً سريعاً في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. وكانت حبيبة من أوائل داعميه.

وقالت حبيبة: "أصبت بصدمات نفسية إثر كل ما حدث في ذلك الصيف في مصر، ولم أكن أعرف كيفية التعامل مع كل هذه المشاعر. وكانت عائلة محمد أنشأت صفحة على موقع فيسبوك وتواصلت معهم لرؤية ما يمكنني القيام به للمساعدة".

وقد تطورت صفحة فيسبوك منذ ذلك الحين إلى صفحة حول حياة سلطان الحالية وعمله.

وعندما أطلق سراح سلطان أخيراً في مايو/أيار 2015، أي بعد مرورِ شهرٍ من الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، كان مؤيدوه، بمن فيهم شقيقته هناء، مُتحمسين، وذهبت شقيقة سلطان هناء لأخذ أخيها من مطار واشنطن دالاس الدولي بعد أنَّ تلقت مكالمة الليلة التي قبلها تُبلغها بأنَّ سلطان كان على متن طائرة متجهة إلى ولاية فيرجينيا الأميركية. وكان سلطان هزيلاً نحيلاً لدى وصوله، ودخل المطار على كرسي متحرك.

وفي غضون أسبوع، كان سلطان يستقبل الضيوف في بيت شقيقته، بمن في ذلك أعضاء حركة #FreeSoltan، وقالت حبيبة: "لقد كنَّا ننتظر الاحتفال بهذه اللحظة لمدة عامين، ولكن واحدة من الأشياء الأولى التي قالها لنا سلطان عندما وصل مدينة فالز تشيرس كانت (لا يزال هناك أشخاص يقبعون في السجن في مصر، علينا أنَّ نساعدهم)".

ولتأثرها بإحساسه، قررت حبيبة الانضمام إلى سلطان في قضيته. وقالت: "بدأت الرابطة التي تجمعنا بالتطور من هناك. وفي غضون 10 أشهر من إطلاق سراحه، انتقلت علاقتنا من علاقة مهنية إلى شخصية".

وفي عام 2016، خلال السنة الأولى لحبيبة في جامعة روتجرز الأميركية، حادثها سلطان على الهاتف وسألها إذا كانت "تتحدث إلى أي شخصٍ آخر"، ويقصد هنا رجال آخرين، وردت أنَّها لم تكن تتحدث مع أي شخص.

وقالت حبيبة: "بعد ذلك كنَّا تقريباً".

وقال سلطان: "شعرت بأنني انسجمت معها. كان هناك هذا المستوى من الراحة معها، كنت لا أزال أتعافى، وكانت تعرف أعماق الصدمات التي كنت قد مررت بها، ولكنها كانت متقبلةً للأمر. وكان مستوى إخلاصها أكثر مما قد يتمنى المرء أنَّ يعثر عليه في شريكته أو زوجته. كما أنها يمكن الاعتماد عليها".

وبعد بضعة أشهر من التعارف عن بعد التي تلت ذلك، تبادل الاثنان للمرةِ الأولى كلمة "أحبك" أثناء رحلة مدتها يوم ذهبوا فيها إلى شاطئ جيرسي في الربيع. وفي يونيو/حزيران، توجه سلطان إلى ولاية نيوجيرسي الأميركية مع غانم الجميلي، وهو صديق والده.

وقال سلطان: "إنَّ الجميلي أبٌ بديلٌ لي. وكنت بحاجة إلى أن أجعل أهلها يعرفون أنّ نواياي جادة". ومع الجميلي بجانبه، طلب من عمر شبيطة، والد حبيبة شبيطة، يدها للزواج. وفي يوم 19 يونيو/حزيران، بعد حصولهما على مباركة أسرة حبيبة على الزواج، أعلنا خطبتهما.

ولكن قبل أن يتبادلا وعود الزواج، كانت حبيبة تحتاج أن تنهي دراستها أولاً. وفي مايو/أيار، بعد أن حصلت على دبلومة جامعية في العلوم السياسية، بدأ سلطان وحبيبة في التخطيط.

وفي 30 يوليو/تمُّوز، تزوّجا في حفلٍ خاص بالجمعية الإسلامية في مقاطعة مونماوث بمدينة ميدلتون في ولاية نيوجيرسي الأميركية، من قبل الشيخ عمر سليمان، وهو أستاذ في الدراسات الإسلامية في جامعة ميثوديست الجنوبية الأميركية في مدينة دالاس بولاية تكساس الأميركية، والذي كان داعماً أساسياً لحركة #FreeSoltan (وقالت حبيبة: عندما كانت الحملة صغيرةً للغاية ولم يكن أحد على دراية بها، تواصل معنا الشيخ عمر سليمان قائلاً: كيف يمكنني أن أساعد؟).

وفي يوم 19 أغسطس/آب، في فندق حياة ريجنسي بمنطقة ريستون في ولاية فيرجينيا الأميركية، أقام الزوجان حفل زفافٍ ثانياً بحضور أكثر من 350 ضيفاً.

وبينما كان الزوجان يقطعان طريقهما خلال صالة الرقص، تهامس أحباؤهم بالبركات باللغة العربية. وانهارت والدة سلطان، أسماء النجار، من البكاء، وقالت من خلال المترجم: "إنَّها بين الحزن والسعادة"، مضيفة أنَّ الحزن يتمثل في أنَّ زوجها لن يتمكن من أن يكون موجوداً ليرى ابنهما وهو يتزوج.

وقالت والدة محمد: "رأيته في السجن وهو يموت. لم يكن يقوى على إبقاء رأسه مرفوعاً. والآن لديه حياة".

وشغَّلت العائلة شريطاً مُسجلاً، مُدته 5 دقائق، كان د. صلاح سلطان قد صوّره من أجل حفل الزفاف. وكان التسجيل مترجماً من العربية إلى الإنكليزية، ومسح الحضور، بما فيهم بعض موظفو خدمة العشاء في الفندق، دموعهم أثناء مشاهدته.

وقال سلطان الأكبر في الفيديو: "أنا معكم. أنظر بينكم وستراني في وجوهكم وأعينكم، أنا معكم كما أنتم معي".

وقال محمد وحبيبة لاحقاً إنَّ التسجيل كان أصعب لحظة في ليلة من الفرح. وأضاف سلطان: "من الصعب للغاية معرفة أنَّه يمكن أن يكون هنا ولكنه ليس كذلك. لا أحد يريد أن يقيم حفل زفافه من دون والده".

وأرسل ضيفٌ مفقودٌ آخر، وهو عمر مالك، أمنياته الحارة من مصر، قائلاً: "كنت أرغب في أن أكون موجوداً من أجل محمد. فهو يستحق الأفضل".