أكراد عراقيون يرفضون التصويت على الاستقلال.. وهذه مخاوفهم من الخطوة التي قد تدمر بلادهم

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

لا صوت يعلو فوق صوت التصويت على الاستقلال، ومن يكن له رأي غير هذا سيكون مصيره مجهولاً، هكذا يعيش إقليم كردستان العراق قبل أيام من إجراء الاستفتاء للانفصال عن العراق، والذي يرى الرافضون له وجهة نظر أخرى.

ورصد موقع ميدل إيست آي البريطاني قصصاً لبعض الرافضين لفكرة الاستفتاء وكان منهم شاسوار عبد الواحد الذي دعا، بصفته منشئ حملة "ليس الآن" في كردستان العراق، المُصوِّتين إلى رفض المقترح بأن تصبح منطقة كردستان ذاتية الحكم أول دولة كردية مستقلة.

وقد أكسبه موقفه هذا الكثير من الأعداء، إذ اقتحم مسلحون، أمس الجمعة 8 سبتمبر/أيلول، مكاتب قناة إن آر تي، وهي قناة إخبارية أنشأها عبد الواحد، وهددوا بإحراق المبنى. ثم تسلقوا إلى سطح المبنى في وسط أربيل، ومزَّقوا شعار القناة وهتفوا: "نعم للاستفتاء!" بينما كانوا يرفعون علم كردستان، بحسب الموقع البريطاني.

وغرَّدَ شاسوار على حسابه على موقع تويتر: "أدعو مسعود بارزاني أو أي عضوٍ في لجنة الاستفتاء إلى مناظرةٍ عامة على الاستفتاء. دعونا نرى إذا كانوا مستعدين".

وقد تلقى عبد الواحد وحلفاؤه، مراراً وتكراراً، تهديدات بالقتل، وصاروا يخشون على حياتهم منذ إعلانهم معارضتهم للاستقلال.

وقال عبد الواحد لموقع ميدل إيست آي البريطاني: "لا تزال التهديدات قائمة ومستمرة. أنا وأصدقائي في حملة ليس الآن نواجه التهديدات يومياً. وقد اختُطِفَ أحد أعضاء مجلس حملتنا في السليمانية. وأغارت قوات الأمن على منزل عضو آخر. واستخدمت حكومة إقليم كردستان النظام القانوني أيضاً لإغلاق قناة إن آر تي، خصوصاً البث المحلي، لمدة أسبوع".


هل سيكون التصويت بنعم مؤشراً على كارثة؟


وبحسب الموقع البريطاني فإن عدداً قليلاً ممن يعتقدون أنَّ تصويت الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول لن يؤدي للتصويت بنعم. كل من يعارض الطموحات القومية الكردية علناً يتعرض لخطر كبير، خصوصاً بعد الإدانة العلنية للتصويت من قبل إيران وتركيا، خصوم الأكراد القدامى.

لكنَّ عبد الواحد وآخرين أعربوا عن مخاوف عميقة من أنَّ التصويت متعلق بمحاولة الرئيس مسعود بارزاني تعزيز قاعدته والحفاظ على سلطته من خلال إثارة المشاعر القومية قبل الانتخابات البرلمانية، أكثر من تعلقه باستقلال إقليم كردستان.

وأُطلقت حملة "ليس الآن" في الثامن من شهر أغسطس/آب عبر مؤتمر صحفي في السليمانية، معقل المعارضة.

وقال المتحدث باسم المجموعة، رابون معروف، "نحن في "ليس الآن" نعتقد أنَّ الاستفتاء لا يخدم المصالح الأساسية لشعب منطقة كردستان. هذا الاستفتاء ليس خطوة في اتجاه الاستقلال وتكوين دولة ديمقراطية، وإنما هو خطأ تاريخي خطير سوف ينتج عنه إجهاض هذا الهدف ما سوف يؤدي إلى المزيد من الانقسام". وأضاف: "سوف يسحب هذا الاستفتاء أمتنا إلى صراع عسكري دموي ويؤدي إلى كارثة"، بحسب الموقع البريطاني.


وقالت حركة ليس الآن إنها قد مُنِعَت من تسجيل مراقبين للاستفتاء، في الوقت الذي واجهت فيه قناة إن آر تي ــ التي لطالما كانت شوكة في حلق برزاني ــ حظراً على بثها.

وبينما أيدت أغلبية الأحزاب السياسية الاستفتاء وقت الإعلان عنه في شهر يونيو/حزيران، فقد خرجت حركة التغيير الكردية العراقية "كوران"، ثاني أكبر حزب في البرلمان، غاضبة من المناقشة الأساسية وأدانت الاستفتاء بوصفه "غير قانوني"، كما فعلت جماعة كردستان الإسلامية، التي استدلت بغياب الوحدة السياسية الكردية، بحسب الموقع البريطاني.

وفي غضون ذلك، عارضت جبهة تركمانستان العراق، التي شُكِّلَت لتمثيل العراقيين التركمان في إقليم كردستان، التصويت هي الأخرى، وترجع معارضتها بشكل كبير إلى المخاوف من حماية حقوقهم القومية.

وقد أصبح الكثير في إقليم كردستان، حتى أولئك المؤيدون منهم للاستقلال، قلقين من احتكار السلطة من قبل بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني.

وقد حكم بارزاني، الذي كان والده مصطفى واحداً من كبار الزعماء الأكراد القوميين، إقليم كردستان منذ الاعتراف الرسمي به بصفته منطقة ذات حكم ذاتي عام 2005، وتعود هيمنة عائلته على السياسة الكردية العراقية لعقود مضت.

وقال عبد الواحد للموقع البريطاني: "إن النخبة الحاكمة الحالية قد ظلت في منصبها لآخر 26 عاماً لأنها استخدمت (الشرعية) الثورية. ويريدون استخدام الاستفتاء ليظلوا في السلطة لـ٢٥ عاماً أخرى ويسلموها لعائلاتهم".

وأضاف: "لا يمكننا السماح بحدوث ذلك، فنحن لم نحارب صدام من أجل ذلك. لقد ضحينا بحياة أحبائنا لبناء نظام حر وديمقراطي، لا نظام ملكي".


أربيل وبغداد.. ليسا أفضل الأصدقاء


منذ سنوات قليلة مضت، في 2010 تحديداً، مدح المراقبون الغربيون كردستان العراق بصفتها "دبي الجديدة". وتنبأوا بأنها سوف تصبح كياناً مزدهراً علمانياً وسوف تصبح مثلاً يحتذى للديمقراطية في الشرق الأوسط، بخلاف دبي القديمة، وذلك في الوقت الذي انحدر فيه باقي لعراق إلى عنف طائفي في أعقاب الغزو الذي قادته أميركا عام 2003، بحسب الموقع البريطاني.

لكنَّ زيادة الفساد، وانهيار أسعار النفط وصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014، أدوا إلى إضعاف آمال الكثيرين في ما يتعلَّق بهذه الدولة الوليدة.

وقد حرص مسؤولو حزب كردستان الديمقراطي إلى إلقاء اللوم على عوامل أخرى لأزمة الميزانية في إقليم كردستان، لاسيما بغداد.

إذ أوقفت الحكومة العراقية الدفوعات الدستورية من الميزانية الفيدرالية إلى إقليم كردستان عام 2014، بعد أن بدأ الأكراد في تصدير النفط بشكل مستقل عبر أنابيب إلى تركيا.

وواجهت ميزانية إقليم كردستان المزيد من الضيق بسبب الحاجة إلى تمويل مقاتلي البشمركة الذين يقاتلون داعش، واستقبال أكثر من مليوني لاجئ، الذين يشكلون الآن ما لا يقل عن ربع السكان البالغ عددهم أكثر من 10 ملايين.

وقد استخدام بارزاني أيضاً هذه الأزمات الكثيرة لتبرير عدم اجتماع البرلمان منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015. ويعد هذا الغياب للرقابة التشريعية عاملاً رئيسياً من عوامل معارضة حركة كوران لاستفتاء الاستقلال، الذي تقول إنه بحاجة إلى موافقة من أعضاء البرلمان.

وفي 4 أغسطس/آب، أصدرت حركة كوران، وجماعة كردستان الإسلامية بياناً أكدوا فيه دعوتهم إلى تأجيل موعد الاستفتاء. وجاء في البيان المشترك: "إنَّ الحزبين يؤكدان على الحاجة إلى إلغاء إجراءات التقشف وعلى الجهود الضرورية لتحسين الحياة. ينبغي تأجيل الاستفتاء إلى وقت آخر يكون ملائماً، ويتطلب وجود البرلمان لسن القوانين اللازمة والقيام بعملية المراقبة. ويؤكد الحزبان على جاهزيتهما لإجراء مباحثات جادة بهدف حل الأزمة"، بحسب ميدل إيست آي.

وقد عبرت القوة الكردية الأساسية الأخرى، حزب العمال الكردستاني، عن انتقاداتها للاستفتاء، على الرغم من عدم وصول هذه الانتقادات إلى مستوى المعارضة الصريحة.

ويعد حزب العمال الكردستاني، الذي أنشئ عام 1978 لمعارضة الحكومة، خصماً قديماً من خصوم بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. وقد عارض الحزب علناً مبدأ دولة كردستانية مستقلة منذ بداية القرن.

ومع ذلك، فقد وصف زعيم الحزب الحالي، جميل بايك، الاستفتاء بأنه "حق ديمقراطي". وقال المتحدث الرسمي باسم حزب العمال الكردستاني، زاجروس هيوا، لموقع ميدل إيست آي إنَّ منظمته سوف تتجنب التورط في أي تداعيات محتملة وقال إنه يأمل في "عدم وقوع اشتباكات".

وقال هيوا: "مثل هذه الاشتباكات ليست من مصلحة الشعب الكردستاني وكل شعوب العراق. إنَّ خط كفاحنا متعلق بالدفاع عن الحريات والحقوق الديمقراطية. لن ننحاز إلى طرف في الصراعات القومية والطائفية أو صراعات تقاسم السلطة أو النفط".

وقال مايكل نايتس، الزميل بمؤسسة واشنطن، إنَّ الزخم وراء هذا الاستفتاء لا يمكن إيقافه الآن، وإنَّ محاولات تأخيره أو تعديل موعده سوف تبوء بالفشل في النهاية.

وقال نايتس: "إنهم متورطون، لأنَّ من العسير جداً على أي شخص مواجهة القومية الكردية بعد صعودها. أقصد، ما الذي سوف تفعله؟ تصوت بلا؟".

وأضاف: "ما إنَّ يقام التصويت في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول، فإنَّ عليك أن تنزاح عن الطريق أو تتظاهر، وفي النهاية تنزاح عن الطريق أيضاً".

وأضاف نايتس أنه حتى بعض مستشاري بارزاني قد اعترفوا بأنَّ موعد 25 سبتمبر/أيلول لم يكن الموعد المثالي لإقامة الاستفتاء "لكنهم أوضحوا، محقين، بأنه لن يكون هناك أبداً توقيت مثالي لذلك الأمر، ولم يقترح عليهم أي أحد توقيتاً بديلاً".


هل ستكون هناك دولة ديمقراطية؟


هل ستكون هناك دولة ديمقراطية؟

تصاعدت التوترات بين أربيل وبغداد مع اقتراب موعد الاستفتاء. وعلى الرغم من أنَّ نايتس قد أوضح أنَّ بغداد، والعراقيين العرب في العموم، أكثر تقبلاً لحتمية استقلال الأكراد من طهران أو أنقرة، فإنَّ التداعيات السياسية ما يزال من الممكن أن تكون خطيرة، بحسب الموقع البريطاني.

ومن المُرجَّح أن يكون عدد من الأقاليم المتنازع عليها، لاسيما سنجار وكركوك، من أهم نقاط هذا الخلاف بين بغداد وأربيل.

وقد وبَّخَ بارزاني العراق، أوائل الأسبوع الجاري، قائلاً إنها "دولة دينية وطائفية" وقال إنه قد "ارتكب خطأً كبيراً عندما ذهب إلى بغداد بنية صافية" بعد سقوط صدام حسين عام 2003.

وقال بارزاني يوم الخميس 6 سبتمبر/أيلول: "لقد ذهبنا طواعية إلى بغداد. لم يقبلوا الشراكة، وبالتالي لا ينبغي لهم الشكوى اليوم.. نحن نترك العراق طواعية".

وأضاف بارزاني إنه، على الرغم من افتراضات الكثير من المراقبين والكثير من أهل كردستان، فإنه لن يترشح للرئاسة مرة أخرى، في حال أقيمت انتخابات، وإنما سوف يتنحى من منصبه فور تحقيق الاستقلال.

وعلى الرغم من كل الصعوبات التي يواجهها عبد الواحد، فهو مصمم على الاستمرار في التعبير عن موقفه. وقال عبد الواحد: "إنني أكافح من أجل الوصول إلى دولة حرة وديمقراطية، هذه هي الدولة التي قاتل من أجلها البشمركة والتي ضحى شهداؤنا بحياتهم من أجلها. هذا الاستفتاء سابق لأوانه ولم يجر الاستعداد له خلال السنوات الأخيرة الماضية. كان ينبغي أن يكون الاستفتاء أداة لتوحيد الشعب والأحزاب السياسية، لكنه فعل عكس ذلك".