بارزاني يطمئن تركيا وإيران: لن نتدخل في شؤون أكراد الدول الأخرى.. وهذا شرطنا للتراجع عن استفتاء الاستقلال عن بغداد

تم النشر: تم التحديث:
KURDISTAN REFERENDUM
SAFIN HAMED via Getty Images

فيما انطلقت الحملات الدعائية التي تحث مواطني شمال العراق على المشاركة في الاستفتاء، المقرر في 25 سبتمبر/أيلول الجاري، حول استقلال إقليم كردستان عن بغداد، بدا أنه لا الولايات المتحدة ولا الحكومة في بغداد ولا العواصم الأخرى في المنطقة، مثل طهران أو أنقرة، ترضى عن احتمالات الانفصال التام لثلث العراق.

فكما صرح رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، "نصحته" العديد من الأطراف الدولية بتأجيل الاستفتاء، خاصة تركيا التي طالبتهم مراراً بتأجيله أو إلغائه، كما تدفع الولايات المتحدة الآن الحكومة الكردية لتأجيل الاستفتاء إلى أجلٍ غير مسمى.

وتأتي تلك الدعوات في إطار مخاوف من زعزعة استقرار العراق والشرق الأوسط بأكمله، حال شجعت هذه الخطوة الأقليات الكردية في دول الجوار، خاصة تركيا وإيران، على أن تحذو حذو أكراد العراق.

ولكن الزعيم الكردي حاول في حواره على قناة "العربية" السعودية، مساء الخميس 7 سبتمبر/أيلول 2017، طمأنة مخاوف الجميع مشدداً على أن "الدولة (الكردية) الجديدة لن تتدخل في شأن أكراد الدول الأخرى، ولا علاقة لنا بالأجزاء الكردية في الدول الأخرى".


هذا هو شرطهم


ولمح بارزاني، في تصريحاته، إلى أن الاستقلال وإن كان هدفاً استراتيجياً لشعبه فإنه ليس الهدف الرئيسي للاستفتاء الذي قد يقبل الزعيم الكردي تأجيله إذا ما توافر "البديل المناسب"، على حد قوله.

فالاستفتاء المزمع، ليس بالضرورة مجرد دَفعة بهدف تأمين الاستقلال؛ بل إن الغرض منه هو إعادة هيكلة العلاقة بين حكومة إقليم كردستان، والحكومة الاتحادية في بغداد. فلطالما أشار كبار المسؤولين الأكراد في بياناتهم الصادرة خلال السنوات الأخيرة، مراراً وتكراراً –ولو بشكل ضمني في أغلب الأحيان– إلى استعدادهم للقبول بما هو دون الاستقلال، مثل إنشاء "كونفدرالية" بين كردستان والعراق، بحسب مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية الثلاثاء 6 سبتمبر/أيلول 2017.

ولمح بارزاني إلى الأمر ذاته بقوله: "فشلنا في بناء الشراكة مع بغداد؛ لذلك اضطررنا إلى هذه الخطوة، ولو نجحنا في بناء شراكة مع بغداد لما كان قرار الاستفتاء".

وعلى الرغم من كثرة الحديث عن التغيير في العراق منذ عام 2003، فإن الحكومة في بغداد –بصرف النظر عمَّن يرأسها– أظهرت مراراً وتكراراً أنها لا تعتزم اعتبار الأكراد شركاء وإنما هدفت إلى السيطرة عليهم. كما أن سوء المعاملة الجسيم من قِبَلِ بغداد تجاه العرب السنة يدل على مدى وحشيتها.

ولهذه الأسباب، يرى الكثير من الأكراد في الاستقلال الكامل أمراً مرغوباً فيه. لكن الحكومة في أربيل، عاصمة الحكومة الكردية، تدرك أيضاً أنها تواجه معارضة قوية، ليس فقط من بغداد؛ بل أيضاً من إيران والولايات المتحدة؛ إذ أرسلت تركيا أيضاً إشارات مختلطة، ومن الممكن أن تعارض الاستقلال.

ولهذا، فإن القيادة الكردية، في حقيقة الأمر، منفتحة على الخيارات الأخرى، ولا سيما إقامة اتحاد كونفدرالي للعراق وما يُعرف الآن باسم حكومة إقليم كردستان، كدولتين منفصلتين لكنهما متحدتان.

وهذه الفكرة ليست جديدة كما تبدو؛ ففي محادثة هاتفية في 10 أغسطس/آب 2017، قال مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، في بيان، إنه قال لوزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، إن "شعب إقليم كردستان يتوقع ضمانات وبدائل لمستقبلهم" إذا كانوا يريدون منهم تأجيل الاستفتاء كما طلب تيلرسون.

وهو نفس ما أكده في لقائه التلفزيوني الخميس، حين قال: "للذين يطلبون منا التأجيل.. نقول أعطونا البديل"، ويشير بيان بارزاني إلى أنه مستعد للقبول بتسوية أخرى غير الاستقلال، وكرر كذلك التصريحات السابقة التي ألقى بها في عام 2014، والتي تطرق فيها إلى إمكانية إقامة "كونفدرالية".

وإن كانت الولايات المتحدة جادة في معارضة الدولة الكردية، فعليها إذاً أن تعمل مع بغداد وأربيل من أجل إقامة كونفدرالية عراقية، بدلاً من الدعوة إلى تأجيل الاستفتاء. وقد يتطلب هذا إعادة صياغة دستور البلاد، أو اتخاذ تدابير أخرى صعبة لمعالجة مسائل الطاقة والأراضي والضمانات الأمنية لكلا الجانبين.


لماذا الكونفدرالية؟


ولم يوضح القادة الأكراد في أربيل، بالتفصيل، ما سيكون عليه النظام الكونفدرالي، لكن المُحلِّلين والخبراء الخارجيين قدموا مقترحات مفيدة. فمن شأن الكونفدرالية أن تمنح الأكراد القدرة على بيع النفط والغاز الخاص بهم بشكل قانوني دون الحاجة إلى الرجوع لبغداد.

وباستطاعة كل من أربيل وبغداد أخيراً وضع حد للمنازعات على الأراضي، مثل المتعلقة بأجزاء من كركوك، ونينوى، وديالى، وصلاح الدين، وهي المحافظات التي تخضع حالياً للسيطرة الكردية ولكن يطالب بها كلا الطرفين.

ويمكن لقاطني تلك المناطق التصويت في الاستفتاء: فهل سيختارون الانضمام إلى الدولة الكردية أم العراقية في الكونفدرالية؟ وأخيراً، فبإمكان الاتفاق على إنشاء الكونفدرالية أن يمنح للأكراد حصة عادلة من موارد الدفاع العراقية، ومزيد من السيطرة على شؤونهم الخارجية حيث لا يحظون حالياً بتمثيل دبلوماسي رسمي دولياً.

وليس الأكراد وحدهم هم من سيستفيد من هذا الإجراء؛ إذ ستضمن بغداد التعاون الكردي في محاربة الجماعات الإرهابية مثل تنظيم داعش أو التنظيمات التي قد تخرج من رحمه في المستقبل.

فضلاً عن ذلك، فإن الكونفدرالية ستضمن وصول العراق إلى أوروبا عبر كردستان، إضافة إلى الموارد المائية الهامة التي تتدفق من إقليم كردستان إلى أجزاء أخرى في العراق.

ولكن، يبقى هذا مرتبطاً بوجود إرادة وضغط دبلوماسي، وفي هذه الحالة فمن الممكن بالتأكيد تحقيق ذلك.