كيف يتجسَّس المغرب على فرنسا؟ أمنيون فرنسيون سلَّموا معلومات سرية للمغاربة مقابل عطلات وسفريات مدفوعة الثمن

تم النشر: تم التحديث:
PARIS ORLY
PARIS, FRANCE - MARCH 18 : French policemen operate at Orly Airport, near Paris, France on March 18, 2017 following the shooting of a man by French security forces. Security forces at Paris' Orly airport shot dead a man who took a weapon from a soldier, the interior ministry said. (Photo by Mustafa Yalcin/Anadolu Agency/Getty Images) | Anadolu Agency via Getty Images

يوم 29 مايو/أيار سيزور عناصر من المفتشية العامة لأمن الفرنسي منزل شارل. د، نقيب في شرطة الحدود، من أجل سماع أقواله في الإدارة العامة للجهاز، قبل الإعلان في نفس اليوم عن وضعه تحت الحراسة النظرية بتهم ثقيلة.

النقيب، بعد تحريات الأمن الفرنسي، يواجه تهم التجسس وإفشاء أسرار ومعلومات حساسة إلى جهة خارجية والتي هي المغرب، كما يكشف تحقيق حصري أجرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية الذي أصدرته يوم الثلاثاء تحت عنوان "كيف يتجسس المغرب على فرنسا".

قضية التجسس التي تم فيها إلقاء القبض إضافة إلى النقيب، على مدير شركة أمن خاصة تشتغل في مطار "أورلي" الباريسي، ألقت بظلالها على العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وباريس مسببة في أزمة ثقة بين البلدين رغم علاقات التعاون الاستراتيجية بينهما.


ملف سري للغاية


قضية شبكة التجسس التي تعمل لصالح المغرب في فرنسا وإن كانت انفجرت اليوم فإنها تعود إلى أكثر من ثلاث سنوات حينما تم تعيين شارل. د على رأس وحدة جمع المعلومات في مطار أورلي ثاني أكبر مطارات العاصمة الفرنسية بعد مطار شارل ديغول. عمل النقيب شارل كان يتلخص في جمع المعلومات والتقصي عن خلفيات العاملين في المطار من رجال أمن ومسؤولي الملاحة الجوية وكذلك المسافرين انطلاقاً من المطار وكذلك الوافدين.

عمل شارل الحيوي في شرطة الحدود جعله يربط علاقات بكل العاملين في المطار ومن بينهم إدريس. أ صاحب شركة لتأمين عناصر أمن خاص متعاقدة مع المطار. العلاقة في البداية بين الرجلين، كما جاء في تحقيق "ليبراسيون" كانت مهنية خالصة في إطار تبادل المعلومات حول العناصر التي تشتغل مع شركة الحراسة و تحقيق الهويات حول إمكانية تطرف أحدهم أو احتمال وفود عناصر إرهابية من الخارج للقيام بعمليات على التراب الفرنسي.

مع الوقت ستتطور العلاقة بين الرجلين لتتحول إلى صداقة وتعاون وطيد لكن في مجال آخر سري كشفته تحقيقات الأجهزة الأمنية المختصة التي اشتغلت على القضية طوال المدة الماضية. شارل سلم وثائق ومعلومات حساسة تحصل عليها خلال عمله إلى ضابط استخبارات مغربي عن طريق وساطة ادريس، وهو الأمر الذي اعترف به النقيب أثناء عملية التحقيق الأولي معه.


معلومات مقابل عطلات


النقيب شارل كان يريد الاستفادة من خبرة ادريس ومعرفته بالمطار والعاملين فيه لكن الأمر انقلب إلى العكس كما يصرح لصحيفة لييراسيون أحد زملائه في شرطة الحدود "إدريس من النوع الذي تقصده طلباً لمعلومة ما لكن في النهاية يتحصل هو منك على أكثر مما يعطيك".

إضافة إلى هذا فإدريس حسب تصريحات العاملين في المطار متحدث جيد وصاحب علاقات واسعة مع الجميع، وبهذه الميزة سينجح في استقطاب شارل وجعله يتعاون مع ضابط الاستعلامات المغربي محمد. ب لتسليمه بطائق التحقيقات والمعلومات الخاصة بالمسافرين المشكوك في انتمائهم لتنظيمات إرهابية أو شبكات تجسس دولية بما يشكل اختراقاً للسيادة الفرنسية، وهو الأمر غير الاعتيادي غير أن العكس متوقع تماماً.

تحقيقات الأجهزة الأمنية الفرنسية ستكشف أيضاً أن إدريس استغل أصول النقيب شارل الأفريقية للتقرب منه أكثر، "إدريس من أصول مغربية وشارل من الكونغو التي كانت تسمى في السابق زايير، ويتذكر كيف أرسل الحسن الثاني، ملك المغرب السابق جنوده إلى الزايير من أجل ردع الانقلابيين في أواخر السبعينيات" كما يصرح إدريس نفسه للمحققين الفرنسيين بعد القبض عليه.

المعلومات التي كان يقدمها شارل للمغاربة لم تكن مجاناً، التحقيقات كشفت أن له رصيداً بنكياً من 10 آلاف يورو وضعت في تحويل نقدي على دفعة واحدة إضافة إلى استفادته هو وعائلته من سفرات وعطلات مجانية في المغرب خلال أغسطس 2015 وأغسطس 2016 وأبريل 2017 وكان يستعد للسفر يوم 1 حزيران من نفس السنة إلا أن رجال المفتشية العامة للأمن زاروه قبل موعد سفره بثلاثة أيام.


أزمة مزدوجة


تقديرات المكلفين بالتحقيق تقول إن شرطي الحدود الفرنسي سلم المغاربة ما بين 100 و200 وثيقة خاصة بأشخاص عبروا المطارات الفرنسية طوال السنوات الثلاث الأخيرة، ليسوا أشخاصاً عاديين وإنما مشبوهين وتحت المراقبة خاصة مع الأحداث الإرهابية الدامية التي عرفتها فرنسا في نفس المدة.

الضابط الفرنسي تحرى أيضاً لصالح المغاربة عن مسؤولين جزائريين مروا من المطار ويتعلق الأمر بوزيرين كانا في منصبهما أثناء عملية المتابعة، وهما حميد قرين وزير الاتصال السابق، والطاهر حجار وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بالإضافة إلى نور الدين زرهوني الذي كان يشغل منصب نائب الوزير الأول، كما يورد موقع "كل شيء عن الجزائر" نقلاً عن أحد الصحفيين الفرنسيين اللذين أجريا تحقيق "ليبراسيون"، وهذا ما جعل الجزائر تدخل على الخط لتتهم الرباط بالتجسس عليها والتدخل في أمورها السيادية.

إضافة إلى الجزائريين فإن بوادر أزمة تلوح في الأفق بسبب القضية مذكرة بأجواء 2014 حينما قام قاض فرنسي بإصدار مذكرة اعتقال في حق مدير المخابرات الداخلية المغربي للتحقيق معه في مزاعم تعذيب تقدم بها ملاكم فرنسي من أصول مغربية، وهو الأمر الذي أغضب الرباط بشدة إلى درجة أنها أوقفت كل معاهدات التعاون القضائي بينها وبين فرنسا، إلى أن قامت السلطات الفرنسية فيما يشبه الاعتذار بتوشيح المدير المغربي بوسام رفيع.

وزير الداخلية الفرنسي، برنار كازونوف، صرح وقتها أن توشيح المسؤول المغربي بوسام جوقة الشرف بدرجة ضابط يأتي لجهوده في مجال مكافحة الإرهاب حيث تعتبر فرنسا المغرب شريكاً أساسياً في المجال الأمني.