وصفه بالفيلسوف الشيعي.. منافس ميركل في الانتخابات يتورّط باقتباس عبارة لجلال الدين الرومي وهكذا كان ردّها!

تم النشر: تم التحديث:
ANGELA MERKEL
Fabrizio Bensch / Reuters

كان الحديث عن الإسلام وألمانيا من أبرز المواضيع التي نُوقشت في المناظرة التلفزيونية الوحيدة التي أجريت الأحد 3 سبتمبر/أيلول 2017، بين أبرز مرشحَين لمنصب المستشارية في الانتخابات البرلمانية الألمانية القادمة، أنجيلا ميركل مرشحة المحافظين، ومارتن شولتز زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

المرشح الاشتراكي وضع المشاهدين في حيرة من أمرهم عندما لجأ إلى قراءة اقتباس للعالم الصوفي جلال الدين الرومي، بدا أنه صعب على البعض فهمه.

وقال شولتز فيما كان يتحدث عن اندماج المسلمين في المجتمع، إنه قرأ خلال التحضير للمناظرة بعض المواد التي تتعلق بما إذا كان الإسلام يتناسب مع ألمانيا، وقرأ اقتباساً "رائعاً" كان يريد الاحتفاظ به كخاتمة للمناظرة، وهو "خلف الصواب والخطأ، هناك مكان نلتقي فيه".


وأضاف أنه اقتباس عظيم، لفيلسوف "شيعي" كبير، جلال الدين (في إشارة إلى العالم الصوفي الشهير جلال الدين الرومي)، الذي يبدو أنه قد نسي لقبه.

ثم قال "إنه شيعي من إيران"، بينما يبدو أن ميركل لم تفهم المقصد من الاقتباس، قبل أن يكمل شولتز مؤكداً أن الإسلام كشأن بقية الأديان، وأن المسلمين قابلين للاندماج في المجتمع.

وأضاف شولتز إن 95٪ من المسلمين مؤمنون، كحال المؤمنين بالمسيحية، داعياً إلى عدم السماح بجعل 3 أو 5٪ من المتعصبين أن يسيئوا إلى سمعة الإسلام والافتراء عليه، متحدثاً عن جيرانه المسلمين الخلوقين من أطفال وأحفاد العمال الضيوف، وعن وجود مسجد على مسافة 500 متر من منزله.

هل هو شيعي؟!


ووصف موقع "شبيغل أونلاين" المشهد الذي ذكر فيه شولتز الاقتباس بـ"اللحظة المشوشة"، مشيراً إلى أنها وضعت المشاهدين في حيرة، فلم يتبين لماذا استخدم هذا الاقتباس؛ هل كان ضد التفكير بطريقة "إما أبيض وإما أسود"؟ ولماذا كان يريد ذكرها في الختام؟

ونشر الموقع على حسابه بموقع تويتر الاقتباس الذي قاله شولتز، وعرَّفه في البداية بأنه علّامة شيعي، وأحد أبرز الفلاسفة المتحدثين بالفارسية، لكن الموقع صحَّح المعلومة بعد أن تلقى -فيما يبدو- تنبيهات من المغردين بالقول: "إن الحقيقة الطريفة في الأمر أن (العلامة الشيعي الرومي)، الذي اقتبس شولتز الكلام المنسوب إليه، لم يكن شيعياً ألبتة، وكان يُعرف باسم مولانا بالتركية".

وحاول موقع "شبيغل أونلاين" شرح الاقتباس، قائلاً إن المكان المقصود في الاقتباس، هو المكان الذي يفهم فيه المرء الدافع وراء سلوك الشخص الذي يواجهه، بحيث يستطيع الطرفان تفهُّم بعضهما بعضاً بشكل أفضل. من جانبه، ذكر موقع "بيلد أونلاين" أن انتقادات شديدة وُجهت من قِبل اليمين الألماني للاقتباس المذكور، وأن الكثير من المشاهدين لم يفهموا ما الذي يريد شولتر أن يقوله عبر هذا الاستشهاد، لافتاً كذلك إلى أنه عكس ما قاله شولتز، لم يكن العالم شيعياً؛ بل فارسياً سنّياً. وقال المحرر في القناة الألمانية الثانية دومنيك ريتزبكا، في تغريدة على موقع تويتر، إنه لم يفهم ما الذي يعني شولتز من الاقتباس، فحاول بعض المغردين التوضيح له، فيما علق أحدهم ساخراً، أنه يظن أن شولتز نفسه لم يفهم المعنى. \ وعبر الصحفي تيمو لوكشات عن استغرابه من فكرة اختيار شولتز هذا الاقتباس كخاتمة لكلامه، متسائلاً عمن أشار إليه بذلك، وعن صعوبة فهمه حتى بالنسبة له.

معاداة السامية


وكان من بين الأقوال التي لفتت الأنظار في كلام مرشح الحزب الاشتراكي الديمقراطي بشأن الاندماج أيضاً، قوله إنه لا يعتقد أنه من الصعب على القادمين من البلدان الإسلامية الاندماج في المجتمع بالمقارنة بهؤلاء الذين هم من الدول الأخرى، لكنه أشار إلى أن الأمر يتعلق بالكيفية التي تربوا عليها، على سبيل المثال الشبان الفلسطينيون، الذين ترسخت لديهم معاداة السامية، والذين يتوجب عليهم القول لهم بوضوح إنه سيكون لهم مكان في ألمانيا، فقط عندما يتقبلون أن ألمانيا دولة تقوم على حماية إسرائيل.

نزاع بين المسلمين.. هل هو إيراني؟!


ويبدو أن الرومي أصبح محل نزاع بين عدد من الدول الإسلامية؛ إذ أثارت مساعي إيران وتركيا لتسجيل ديوان "المثنوي" للرومي ضمن تراثهما الثقافي المشترك في قائمة اليونسكو للتراث العالمي- غضب أفغانستان، التي احتجت قائلةً إن جلال الدين الرومي وُلد في أفغانستان منذ أكثر من 8 قرون، حسب تقرير لموقع المدن.

ووُلد جلال الدين الرومي في بلخ بإقليم خراسان (أفغانستان حالياً، وإن كان ينظر لها على أنها جزء من إيران التاريخية أو من المناطق الناطقة بالفارسية ، وكانت ضمن إمبراطورية الخوارزميين الإسلامية)، لأب فقيه متصوف، لقِّب وقتها بـ"سلطان العلماء"، وقيل إنه ينتسب لأبي بكر الصديق.

وفرَّت عائلة الرومي من بلخ إبان غزو المغول لها، فارتحل مع عائلته إلى نيسابور، وهناك قابل الشيخ الصوفي والشاعر فريد الدين العطار، الذي تأثر به كثيراً.

ومن نيسابور توجهوا إلى بغداد ثم حلب ودمشق حتى وصلوا إلى مكة المكرمة، وبعد فترة "أواسط عشرينيات القرن الثالث عشر الميلادي" انتقل إلى الأناضول، حيث دولة سلاجقة الروم، وتحديداً عاصمتها "قره مان"، لكنه انتقل إلى قونية؛ كي يبتعد أكثر عن خطر الغزو المغولي، بحسب ما نقله موقع "رصيف 22" عن الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، في مقدمته لكتاب "مثنوي".


ولم تعد شخصية جلال الدين الرومي ذائعة الصيت بالشرق فقط؛ بل في الغرب أيضاً؛ إذ تناقلت وسائل الإعلام مؤخراً خبر تسمية المغنية الشهيرة بيونسيه وزوجها جي زي، ابنتهما باسم "رومي"؛ لأنه "الشاعر المفضل لديهما".

والرومي، هو شاعر وعالم صوفي وفقيه حنفي وليس شيعياً، كما قال شولتز، عاش قبل 800 عام، وهو أكثر شاعر له شعبية في أميركا، حسب موقع BBC.

وأصبحت ترجمات أشعار مولانا جلال الدين الرومي، المعروف اختصاراً بالرومي، منتشرة على نطاق واسع وغنّاها نجوم موسيقى بوب غربيون، مثل مادونا.

والجذاب في تلك الأشعار تعظيمه لقوة الحب، واعتقاده في الفائدة الروحية للموسيقى والرقص. هذا رغم تأكيد العلماء أن الرومي كان يقصد العشق الإلهي بين الرب والناس، وليس الحب بمعناه الأرضي.

لماذا ولع به الغرب؟!


ولقد مدّت الشهرة الواسعة التي اكتسبها الرومي عالمياً، وتجربته الواسعة المفعمة بالتأملات العميقة الصالحة لمحاكاة هموم الإنسان في أي زمان ومكان، كاتب السيناريو العالمي ديفيد فرانزوني بحماسة بالغة لإخراج فيلم عن حياة الرومي، وعلاقته برفيقه شمس الدين التبريزي.

وقال السينمائي الغربي إنه يريد تحدي الصورة النمطية عن الشخصيات المسلمة في السينما الغربية، وذلك من خلال تسليط الضوء على حياة هذا العالم الصوفي.

ويشرح فرانزوني، كاتب فيلم "الملك آرثر"، لصحيفة "الغارديان" البريطانية، أن الرومي هو "تلك الشخصية التي تمتلك موهبة مهولة"، و"هو من الناس الجديرين بالاستكشاف دائماً".

وهكذا قرر فرانزوني، الحائز جائزة الأوسكار وجوائز كثيرة أخرى عن فيلم "غلادياتور" للبطل راسل كرو، بدء العمل على سيرة شاعر القرن الثالث عشر، الذي قال إنه "يشبه شكسبير"، حسب تقرير نشره موقع "المدن" في يونيو/حزيران 2016.

ويعلق تقرير "المدن" على اندفاع ديفيد فرانزوني لكتابة فيلم عن الرومي، بالقول: "إنه ليس ناتجاً عن عبقرية ثقافية أو حب في الثقافة المشرقية بقدر ما هو ثمرة تفكير تجاري قبل كل شيء. فالرومي في الغرب بات مثل البهارات، توابل أو مقبلات ثقافية أو منشط ثقافي يُستعمل اسمه في كل شيء".
وحسب التقرير، فإن هناك سراً ما جعل الأميركيين يحبون شعر الرومي، ربما الصوفية التي في أشعاره.
ويقال إنه منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، أصبح الرومي بمثابة المعبر الذي وصل بين الأميركيين والإسلام.

وكان نَشرُ كتاب كولمان باركس بعنوان "الرومي The Essential Rumi" في عام 1995، الشرارة التي أشعلت اهتمام أميركا بالشاعر الآتي من أصول أفغانية.

وفي هذا الإطار، يقول المستشرق الإنكليزي آرثر جون آربري يقول: "سأنفق ما بقي من عمري في دراسة أعمال مولانا جلال الدين الرومي الرجل الذي نجح في أن ينقذ أهل بلده قبل سبعة قرون من فساد كبير وعذاب عظيم، أما أوروبا اليوم المنقسمة، أوروبا المتعفنة، فليس لها ما يمكن أن ينقذها غير اعمال مولانا جلال الدين الرومي"


لغته العربية هل كتب بالعربية؟


ورغم أنه كتب معظم شعره بالفارسية لغته الأم، فإن جلال الدين الرومي كتب شعراً ونثراً بالعربية، وعند دراسة آثار المولوي بالعربية يتضح لنا مستوى تمكُّنه من اللغة العربيّة، وعلمه الواسع بها.

فبسبب انتمائه إلى الحضارة الإسلامية، فإنه يرى اللغة العربية لغته الحضارية رغم أن لغته الأدبية فارسية.

وحاول بلورة ذلك الانتماء في نثر عربي وشعر عربي نجده في آثاره المختلفة. ورغم أن شعره لم يكن يرقى إلى مستوى الشعر الفارسي، لكنه يمثل قيمة حضارية، كما يمثل قيمة ثقافية بمزجها بين أعظم لغتين في الحضارة الإسلامية؛ إلا وهما العربية والفارسية.