"البديل الجاهز" لبوتفليقة.. تعرَّف على رجل "المهام القذرة" الذي قاد الجزائر وهي لا تمتلك بضعة دولارات لشراء سفينة قمح

تم النشر: تم التحديث:
AHMED OUYAHIA
| NurPhoto via Getty Images

قد يراه البعض رئيس وزراء على "مقعد الاحتياطي"، جاهز دائماً للنداء ليكون بديلاً لأي رئيس وزراء تسوء علاقته بالرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة، وقد يراه البعض كذلك، البديل المحتمل لـ"بوتفليقة" نفسه.

ينتقد البعض تناقضاته ويصفونه بأنه "رجل المهام القذرة"، ويرى فيه آخرون القدرة على التشكُّل وفق تغيُّر الظروف والتكيُّف مع كل مرحلة بما يناسبها، دون أن يحيد عن الصفة التي تميزه دائماً، وهي كونه "فناناً في تنفيذ الأوامر بلباقة ودون تفكير"، لكن الذي يُجمع عليه الجزائريون هو أنه الأكثر معرفة بخبايا قصر "المرادية".

إنه أحمد أويحيى، رئيس الوزراء الجزائري الجديد القديم، الذي يشغل منصب الوزير الأول للمرة الرابعة، خلفاً لعبد المجيد تبون، الذي لم يتجاوز 3 أشهر وعُزل بطريقة غير مسبوقة في تاريخ الجزائر منذ استقلالها عام 1962، بحسب صحيفة جون أفريك لإثنين 4 سبتمبر/أيلول 2017.

هكذا رحل "تبون"

في الواقع، لم يكن عبد المجيد تبون يتوقع أن يتم عزله من منصبه. فبعد 10 أيام من الإجازة التي قضاها في جنوب فرنسا، عاد رئيس الوزراء السابق يوم الثلاثاء، 15 أغسطس/آب 2017، إلى مكتبه في قصر الحكومة.

كانت هذه "الرحلة" موضع جدل واسع ومحور حملة إعلامية، لم تكن ناجعة كفاية لتعكير صفو تبون، الذي شهد أموراً مماثلة خلال مسيرته المهنية، سواء على مستوى الإدارة العليا أو الحكومة.

وخلال تلك الحملة، تلقى تبون زيارة غير رسمية من أحد الأشخاص (لم تفصح الصحيفة عن هويته)، والذي أكد أن تبون كان متفائلاً وعازماً على مواصلة مهامه، حيث شدد على أنه طالما يحظى بثقة رئيس الدولة، فلا مجال للانسحاب أمام الضغوط التي تُمارس على الحكومة من جميع الجهات.

ولكن قبل حلول الساعة الواحدة من ظهر 15 من أغسطس/آب، تلقى رئيس الوزراء مكالمة هاتفية قصيرة من قصر المرادية، المقر الرسمي للرئاسة، ليتم إبلاغه أنه وُقِّع إعفاؤه من مهامه واستبداله بأحمد أويحيى، مدير ديوان الرئاسة!

هكذا، وبعد 84 يوماً على رأس الحكومة، تمت تنحية تبون دون الالتزام بشكليات الإقالة المتعارف عليها. فقد تم طرد رئيس السلطة التنفيذية في مدة لم تتجاوز 3 أشهر منذ توليه للمنصب، الأمر الذي يعد سابقة في الجزائر منذ الاستقلال، ودون أن يحظى تبون بحق الاجتماع برئيس الدولة ولا حتى الاتصال به هاتفياً.

خبير خفايا القصر.. رجل لكل العصور

لطالما عُرف أويحيى بقدرته على الخروج من الوضعيات الصعبة ومختلف المآزق. ومن أبرز نقاط قوة هذا السياسي، أنه يستطيع تغيير خطابه ليتماشى مع الظروف المستجدة، فضلاً عن التأقلم مع شتى المتغيرات وخدمة الأطراف النافذة.

ويُحيط أويحيى علماً بمختلف خبايا قصر الحكومة أكثر من جميع أسلافه؛ نظراً إلى أنه أداره في 3 فترات سابقة.

تولى أويحيى رئاسة الحكومة، للمرة الأولى، في 31 من ديسمبر/كانون الأول من سنة 1995. وبعد أن كان يشغل منصب مدير ديوان رئاسة الجمهورية، سلمه رئيس الدولة آنذاك، اليمين زروال، مقاليد القصر الحكومي.

كانت العديد من التحديات في انتظار خريج العلوم السياسية، والمعجب بالرئيس بومدين، على غرار الحرب الأهلية، والصناديق المالية الفارغة، والبطالة المستوطنة، والاقتصاد المنكوب بسبب تعاقب الكوارث، والدين الخارجي الثقيل...

في الواقع، ورث الوزير الأول حينها، أويحيى، وضعية كارثية؛ بل "ومحبطة" كما يصفها البعض؛ ذلك أن "الجزائر لم تكن تملك في ذلك الوقت حتى بعض الدولارات لشراء سفينة قمح"، وذلك وفقاً لما صرح به هذا الوزير في وقت سابق.

وفي شهر سبتمبر/أيلول 1998، استقال زروال من مهامه وأعلن إجراء انتخابات رئاسية حرة وشفافة. وكعربون عن حسن نواياه، قام زروال باستبدال حكومة أويحيى بأخرى، كان من المفترض أن تكون محايدة.

إثر ذلك، وعلى غرار سياسيين آخرين، أعلن أويحيى دعمه لترشح بوتفليقة، الذي بادر بتعيينه وزيراً للعدل بعد نجاحه في الانتخابات.

وفي شهر مايو/أيار سنة 2001، وبناء على طلب رئاسي، اعتمد البرلمان تعديلين اثنين للقانون الجنائي، ينصان على عقوبة السجن على خلفية جرائم الصحافة قبل أن يتم تنقيحهما سنة 2012.

وظل هذا التعديل الذي أتاح السجن في قضايا النشر بمثابة النقطة السوداء بمسيرة أويحيى. رغم محاولة أحد وزرائه السابقين تبرير موقفه، قائلاً إن "أويحيى يُطبق كل التعليمات التي يُؤمر بها، حيث يعد منفذاً جيداً وفناناً في أداء ذلك. وفي الأثناء، يُنفذ أويحيى الأوامر بلباقة، ولكن دون أدنى تفكير في حيثياتها بأغلب الأحيان".

أويحيى - بوتفليقة.. علاقة من نوع خاص

في شهر مايو/أيار 2003، أعفى بوتفليقة وزيره الأول علي بن فليس، وعيَّن أويحيى خلفاً له، دون أن يكلف نفسه عناء استشارته حتى. وبعد سبعة أشهر من مزاولته مهامه، صرح أويحيى بأن "التعاون مع رئيس الدولة يتم في كنف التفاهم التام".

ولكن، سرعان ما اضطربت العلاقات بين رئيس الدولة ووزيره الأول، فأُطيح بأويحيى في شهر مايو/أيار سنة 2006، على خلفية شبهات في استهدافه سلك القضاء الأعلى. وقد أدى ذلك بدوره إلى عدم تواصل بوتفليقة مع أويحيى طيلة أسابيع؛ ذلك أن الرئيس لا يتوانى عن استبعاد أي شخص يتجاوز مساحة النفوذ المخصصة له.

اللافت، هو كيف تعامل أويحيى مع هذه الإقالة، فلم ينتقد الرئيسَ على وسائل الإعلام ولا انضم إلى صفوف المعارضة؛ بل بقي منتظراً في هدوء، كأنه متأكد أن مكانه دائماً محفوظ لدى الرئيس الجزائري كـ"بديل جاهز".

بالفعل، عاد أويحيى ثانية إلى رئاسة الحكومة في يونيو/حزيران سنة 2008، ليحل محل عبد العزيز بلخادم. ثم ما لبث أن انتهى التوافق بين الرئيس وأويحيى في شهر سبتمبر/أيلول من سنة 2012، حيث لم يعد أويحيى محل إعجاب واهتمام الرئيس، الذي أصبح يُفضل عبد المالك سلال.

وللمرة الثانية، لم يتواصل الخلاف بين بوتفليقة وأويحي طويلاً. فقُبيل إعادة انتخاب بوتفليقة لولاية رابعة في أبريل/نيسان سنة 2014، تولى أويحيى إدارة شؤون الديوان الرئاسي.

رجل "المهام القذرة"

التصق بأويحيى وصف آخر، يُلخص بقية سماته؛ ألا وهو "رجل المهام القذرة".

حيث برزت هذه الصورة على خلفية سياسة التقشف التي اتبعها أويحيى في منتصف التسعينيات، والتي أدت إلى إغلاق المؤسسات الخاضعة لملكية الدولة، وفصل مئات الآلاف من العمال، وحبس الآلاف من المديرين التنفيذيين، الذين احتُجزوا تعسفاً عدة سنوات.

وفي الإطار ذاته، كذّب أحد معارفه التهم التي نُسبت له، حيث صرح بأن "أويحيى أنجز أموراً لم يتمكن أي شخص آخر من تحقيقها، علاوة على كونه الوزير الوحيد الذي أدلى بشهادته أمام المحكمة".

مصدر آخر ممن تعرفوا على أويحيى من خلال "التجمع الوطني الديمقراطي"، أشار إلى ما يمكن وصفه بتناقضات الوزير الأول، قائلاً: "أويحيى خدم زروال قبل أن يدير له ظهره. كما التزم بسياسة مضادة للإرهاب قبل أن يصبح مؤيداً للمصالحة الوطنية. وفي اليوم الذي يُعبر فيه عن كرهه الشديد للمال القذر، يدعم في اليوم الذي يليه الأوليغارشيين (حكم الأقلية من أصحاب المال والنفوذ). علاوة على ذلك، كان أويحيى رافضاً لمراجعة دستور سنة 1996، إلا أنه أشرف بنفسه على التعديل الدستوري لسنة 2008، الذي سمح لبوتفليقة بالترشح لولاية ثالثة...".

وعلى الرغم من هذه الانتقادات الكثيرة الموجهة لأويحيى، فإنه لا يُمكن إنكار قدرته الجبارة على العمل في شتى الظروف وإحاطته العميقة بالنظام ومعرفته الدقيقة بمختلف الملفات الشائكة. ومن ثم، يمتلك هذا السياسي الامتيازات كافة لإدارة البرنامج الرئاسي.

في الوقت الراهن، تتمثل مهمته في إدارة أزمة اقتصادية تتزايد حدتها تدريجياً. ومن المثير للاهتمام أنه وفي ديسمبر/كانون الأول سنة 2014، عندما تراجعت أسعار النفط، الذي يُشكل 95 في المائة من عائدات النقد الأجنبي بالجزائر، فكر بوتفليقة في "حل أويحيى".

"الرئيس القادم"

شغل أحمد أويحيى عدة مناصب رفيعة في الدولة؛ دبلوماسي وسفير ومدير الديوان الرئاسي ووزير، ووزير لدى الدولة، فضلاً عن رئيس الحكومة في أربع فترات.

هكذا يُمكن القول إن أويحيى قد تقلد كل المسؤوليات العليا في البلاد، باستثناء رئاسة الجمهورية. ولكن بينما بوتفليقة لا يزال على قيد الحياة، لن يتجرأ أي شخص على المطالبة بالرئاسة، دون مواجهة خطر "الإعدام"، خاصةً أنه لا يوجد أي مانع دستوري يحول بين ترشح بوتفليقة لولاية خامسة على الرغم من تدهور صحته.

فهل سيكون قصر الحكومة نقطة انطلاق أحمد أويحيى إلى "المرادية"؟

في الواقع، لا يمكن الجزم في هذه المسألة؛ نظراً إلى أن عودته إلى رأس السلطة التنفيذية ستزيد من قلة شعبيته. بالإضافة إلى ذلك، لا يستطيع أويحيى الترشح للرئاسة، إلا بعد استقالته من منصبه باعتباره رئيساً للحكومة، وفي الوقت ذاته، ستُمكنه مزاولة مهامه من تعزيز ثقله السياسي؛ مما يجعل ترشحه أمراً لا مفرَّ منه.