غرُبت شمس وول ستريت.. وادي السيليكون أصبح مركزاً للقوة السياسية الجديدة في واشنطن

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

في الماضي كانت الكلمة للبنوك، أما الآن فصارت عمالقة شركات التكنولوجيا هي التي تسيطر على صناعة اللوبي ومجموعات الضغط الأميركية، فهل ستستطيع بأموالها شراء كل ما تشتهيه من منافسة أضعف وضرائب أقل وولوج إلى بيانات أكثر؟

طيلة 15 عاماً دأب الباحث باري لين على العمل في معهد New America Foundation للدراسات والأبحاث السياسية بواشنطن، منكباً فيها على دراسة القوة المتنامية لشركات التكنولوجيا والتقنية مثل جوجل وفيسبوك. ظلت الأمور بخير في السنوات الـ14 الأولى تسير على نحو "عظيم" على رأيه، لكنه هذا الأسبوع طُرِد من عمله طرداً، فلماذا؟

السبب حسبما يعتقد لين هو أن جوجل التي هي من أكبر ممولي معهد الدراسات المذكور لم تكن راضية عن الاتجاه الذي يسير فيه بحثه، والذي كان يحض فيه أكثر فأكثر على تقنين عمل عمالقة التكنولوجيا كجوجل وفيسبوك وأمازون بوصفها شركات احتكارية، وفق تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

في الرسائل الإلكترونية المسربة إشارة إلى أن مؤسسة المعهد تخوّفت من أن انتقادات لين قد تُهدد تمويل المؤسسة مستقبلاً؛ ففي إحدى هذه الرسائل كتبت آن ماري سلوتر رئيسة المؤسسة "إننا بصدد توسيع علاقتنا مع جوجل في مجالات هامة جداً وأساسية… فكر فقط كيف أنك تتهدد تمويل الآخرين".

تنفي سلوتر أن طرد لين جاء بسبب انتقاداته لجوجل، لكن هذه قصة يصعب تصديقها، فالشركة الأم لجوجل، Alphabet، هي ومديرها التنفيذي إيريك شميت، تبرعا بـ21 مليون دولار لمعهد New America منذ عام 1999، حتى إن شميت نفسه ترأس معهد الدراسات عدة سنوات، كما أن قاعة الاجتماعات الرئيسية في مبنى المعهد سُميت على اسمه "مختبر إيريك شميت للأفكار".

تمويل معهد الأبحاث ما هو إلا واحدة من الأساليب العديدة التي تتبعها أقوى صناعات أميركا في ممارسة نفوذها على صناع السياسة؛ ومعظم هذا العمل يتم على بعد ربع ميل فقط من البيت الأبيض، في مركز وقاعدة للقوة السياسية أقل شهرة: إنه شارع K الواشنطني، مركز صناعة اللوبي والضغط السياسي، وفق الغارديان.

إلى جانب معاهد الأبحاث والدراسات السياسية فإن شارع K يعج بممثلي الشركات الضخمة والقتلة المأجورين، فضلاً عن المجموعات الحقوقية، ويقضي أعضاء اللوبي وجماعات الضغط أيامهم في التكالب على أعضاء الكونغرس والتحلق من حولهم من كل جانب، بغية التأكد من أن القوانين والتشريعات تخدم مصالحهم الخاصة.

لقد مارست البنوك الكبرى وعمالقة الشركات الصيدلانية الدوائية نفوذها الاقتصادي في عاصمة البلاد على مر العقود والسنوات، لكن قادماً جديداً نسبياً واحداً تمكن بقفزة من تجاوز كل هؤلاء: إنه وادي السيليكون؛ ففي خلال السنوات الـ10 الفائتة أغرقت الشركات التقنية الـ5 الكبرى واشنطن بأموال اللوبي، لدرجة أنها باتت الآن تتفوق على وول ستريت في إنفاقها بنسبة 2 إلى 1.

لقد أنفقت كلٌّ من جوجل وفيسبوك وميكروسوفت وآبل وأمازون العام الماضي 49 مليون دولار في أروقة اللوبي بواشنطن، كما أن لوادي السيليكون باباً دوّاراً لا يتوقف، يدخل ويخرج منه المسؤولون التنفيذيون لشركاته في زيارات لا تنقطع إلى كبار مسؤولي الدولة على اختلاف مناصبهم.

لكن شركات التكنولوجيا لم تكن دوماً على هذا القدر من الأريحية في كابيتول هيل، فغداة عصرها الذهبي في التسعينيات تجمعت لشركة مايكروسوفت ثروة طائلة وحصة كبيرة من السوق، لكنها رغم كونها آنذاك إحدى أكبر شركات العالم فإن هذه الشركة الرائدة في دنيا الحاسوب وبرمجياته ظلت نائية بنفسها عن أجواء واشنطن، مكتفية بإنفاق لا يتجاوز 2 مليون دولار على اللوبي عام 1997.

لكن حجم الشركة وممارساتها التجارية المضادة للتنافس اجتذبا إليها أنظار الرقابة التقنينية والتنظيمية في عهد إدارة كلينتون، خاصة في ظل تحريض لوبي المنافسين المغتاظين من مثل Sun Microsystems وIBM وشركة أخرى تدعى Novell، فما كان في العام التالي إلا أنْ رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى قضائية على مايكروسوفت، تتهمها فيها باستغلال احتكارها لأنظمة تشغيل ويندوز في تعزيز متصفح الإنترنت الخاص بها Internet Explorer، ومنْحه امتيازات على حساب برامج التصفح المنافسة.

وبعد مضي سنوات من المعارك القضائية في ساحات المحاكم، أجبرت مايكروسوفت على تقديم تسهيلات لمنافسيها، من أجل دمج برامجهم في نظام ويندوز. لقد خلَّفت تلك المعركة القضائية الطويلة ندوباً عميقة وجروحاً غائرة في شركة مايكروسوفت، فصارت أكثر حيطة وحذراً وأقل عدائية في أسلوبها التجاري، وهكذا وفي ظل هذه الظروف تمكنت شركات منافسة مثل آبل وجوجل من النمو والازدهار.


منعطف حاد


إن هذا الحدث الذي شكَّل منعطفاً حاداً في مجرى وادي السيليكون قد لقَّن كبار شركاته التقنية درساً قاسياً، هو إما أن تلعب اللعبة السياسية وإما أن تأكل عِصيّ واشنطن على قفاك.

ترك كل هذا أثراً بالغاً بالذات على إيريك شميت الذي شهد بعينيه ومن موقعه الأمامي في إدارة Novell وكونه مديراً سابقاً لـSun Microsystems في قلب الحدث، كيف سُلبت مايكروسوفت علنياً وجُرّدت من قوتها على مرأى الكل، فلما عين شميت مديراً تنفيذياً لجوجل عام 2001، ظلَّ الدرس المستفاد من تلك القصة التحذيرية يرنّ في أذنه، فلزمه وجعله قرطاً في أذنه لا يفارقه أو ينساه، وبذلك وتحت إدارة شميت زادت شركة جوجل كثيراً من استثماراتها في اللوبي بغية كسب الأصدقاء، والتأثير على صنَّاع السياسة في كابيتول هيل.

فبالمقارنة مع عام 2003 الذي أنفقت فيه الشركة مبلغ 80 ألف دولار فقط على اللوبي، باتت الشركة الأم Alphabet تنفق الآن مبالغ طائلة على اللوبي، تفوق أي شركة أخرى، فبلغ إنفاقها 9.5 مليون دولار في النصف الأول من عام 2017 الجاري وحده، فيما وصل إنفاقها العام الماضي إلى 15.4 مليون دولار.

وفي عام 2013 وقَّعت الشركة عقدَ إيجار لمبنى مكاتب تبلغ مساحته 55 ألف قدم مربعة (5100 متر مربع)، أي مساحة تضاهي تقريباً مساحة البيت الأبيض نفسه، وكل هذا لا يبعد ميلاً واحداً عن كابيتول هيل.

وليس جوجل وحدها، بل فيسبوك وأمازون وآبل ومايكروسوفت أيضاً التي تعثرت مساعيها الفاشلة السابقة، لخطبّ ود صناع السياسة- جميعها تفتّ العملة وتضخ الأموال وتغدقها على واشنطن.

يقول روبرت مكتشيزني، أستاذ علم الاتصالات في جامعة إلينوي "إنهم يغرقون واشنطن بأموالهم وأفراد اللوبي الضاغطين خاصتهم، ويحاصرونها من كلا طرفي الممر، فمليارديرات وادي السيليكون ومديروه التنفيذيون يكونون مع أعضاء الحزب الجمهوري متحررين ومناصرين لقرارات خفض ضرائب الشركات، كأنهم أولاد عم شركة الأخوين كوخ Koch brothers المحافظة، أما عندما يعاشرون الديمقراطيين ويتزلفون لهم، تراهم هيبيين يدخنون الحشيش، ونشطاء لقضية حقوق المثليين".

هذه المخاوف هي التي دفعت شميت -الذي شارك بقوة فيما مضى في حملة أوباما الانتخابية- إلى الإناخة والإذعان لدونالد ترامب، رغم أنه كان في يناير/كانون الثاني، قال إن الرئيس قد يقدم على فعل "أشياء شريرة"؛ فبحلول شهر يونيو/حزيران، تغيرت نغمة شميت وصار يثني على إدارة ترامب وعلى تشجيعها لـ"انفجار ضخم وسيل عرم من الفرص الجديدة".


القوة الناعمة


وبعيداً عن الإنفاق الصريح المباشر على اللوبي، الذي يتم بعلم الكل وموثق بالتقارير العلنية التي في متناول الجميع، فإن وادي السيليكون يمارس نفوذه على صناع السياسة وعلى المواطنين كذلك، عبر وسيلة أخرى مبهمة الملامح غير صريحة أو واضحة، ألا وهي أساليب "القوة الناعمة" التي تضم تمويل معاهد الدراسات السياسية الفكرية وجهات الأبحاث ومؤسسات التجارة التي تمارس جميعها ضغوط اللوبي على الحكومة أو تؤثر في المجتمع المدني.

يقول أحد المطلعين من داخل أروقة واشنطن عمل لصالح عدة شركات من وادي السيليكون، منها مايكروسوفت وفيسبوك "إنه عالم مستنقعات موحل، فكل مؤسسات ومعاهد الأبحاث والدراسات هذه تكتب تقارير وأوراقاً بحثية مطولة وتزج بها في وجه المسؤولين لتخويفهم من مغبة فرض قوانين جديدة قد تقتل سوق تجارة الإنترنت".

وهناك طرق أخرى للمداهنة والتزلف والتأثير، منها إقامة حفلات ومنتديات بمئات الملايين من الدولارات، مثل ذلك الاجتماع السري الذي دام 3 أيام وعقدته جوجل جنوب غربي صقلية، أوائل أغسطس/آب، والذي جيء فيه بقادة رجال الأعمال وكبارهم بالمروحيات الخاصة أو على متن اليخوت الفاخرة لكي يستمتعوا بصحبة إيما واتسون وشون بين والأمير هاري والسير إلتون جون، في مناسبة أريدَ منها جمع العقول الفذة معاً لمناقشة المشكلات والقضايا العالمية والسياسة ومستقبل الإنترنت، كل ذلك وسط أجواء رشف وتذوق النبيذ وجلسات الإكرام والتدليل كما في المنتجعات.

كذلك، كما قلنا من قبل، هناك بين وادي السيليكون ومكاتب كبار المسؤولين باب دوّار لا يتوقف، يلجه الداخل ويخرج منه الغادي من أفراد اللوبي الزوار دون حاجة لقرعه؛ قغوغ وحدها لديها 183 موظفاً سبق وعملوا في الحكومة الفيدرالية على زمن أوباما، كما أن بها أيضاً 58 موظفاً يحتلون مراكز ومناصب في واشنطن، حسب مؤسسة Campaign for Accountability الحكومية غير الربحية التي تراقب تطبيق الأخلاقيات والمهنية ومحاسبة المسؤولين في الولايات المتحدة.


علامات تجارية مؤثرة


رغم كل قوتها وسطوتها النافذة فإن هذه الشركات تمكنت بطريقة ما من صنع علاماتها التجارية بتؤدة ودقة، بحيث تركز هالتها على دفء هذه الشركات وصورتها الفارهة المريحة، مثل الشعار الذي ترفعه جوجل "don’t be evil" (لا تكن شريراً)، أو ذاك الذي يرفعه فيسبوك "we’re bringing the world closer together" (نقرب العالم معاً).

يقول جيف هاوزر، المدير التنفيذي لمشروع the Revolving Door Project "ثمة جهود على صعيد العلاقات العامة من أجل جعل الناس لا تظن بالتكنولوجيا مثلما تظن بوول ستريت، وهكذا تحافظ شركات التكنولوجيا على الزيف الخادع الذي توهمنا به أنها كوكبة عباقرة رواد في عالم التقنية الحديثة يبذلون قصارى جهدهم من أجل خير الإنسانية".

أما الواقع فهو أن هذه الشركات يديرها أعتى رجال الأعمال في أميركا.

يقول تابلين في إشارة منه إلى ممارسات الشركات الكبرى من نسخ وتقليد مزايا صغار المنافسين لدرجة تدفع هؤلاء المنافسين إلى حافة الضوائق المالية "سلوا جماعة سناب تشات عن قصة Kumbaya في فيسبوك. سترون أنهم عندما يريدون قتل أحد ما، فإنهم يقتلونه فعلاً".

قد تكون لهذه الشركات آراء ومواقف متحررة اجتماعياً في مسألة حقوق المثليين وتنوع ثقافات المجتمع والهجرة، لكن العديد من قادتها ومستثمريها هم متحررون يؤمنون بحرية الفرد وتقليل تدخل الحكومة، ويشككون كثيراً بدور ونفوذ الدولة والحكومة، حسبما قال تابلين، ومضى يقول: "إن نظريتهم تقول إن الديمقراطية حجر عثرة في وجه الرأسمالية، لذا هم بحاجة لأقل قدر ممكن من التقنين".


جذور وادي السيليكون


في فترة التسعينيات، باكورة أيام الدوت كوم، ازدهرت شركات الإنترنت وانتعشت في وادي السيليكون بمراوغتها القانون والتحرك بسرعة وخفة وارتكاب تجاوزات بتحطيمها الأطر وحدود الآفاق، لقد تأسست هذه الحركة التحررية التقنية على مبدأ أن فضاء الإنترنت اللامحدود هو منفصلٌ عن العالم الفيزيائي المحسوس، وبالتالي لا تنطبق عليه نفس القوانين، وهذه الروح التحررية هي التي نصت عليها مؤسسة الجبهة الإلكترونية (the Electronic Frontier Foundation EFF) في ميثاقها الذي أصدرته عام 1996 بعنوان "إعلان استقلال فضاء الإنترنت" الذي عادى كل أشكال التدخل الحكومي، فقد كتب فيه جون بيري بارلو، العضو المؤسس لـEFF "يا حكومات دول العالم الصناعية، يا عمالقة اللحم والحديد المنهكين، آتيكم أنا من عالم فضاء الإنترنت، الموطن الجديد للعقل والفكر. إنني بالنيابة عن المستقبل أطلب منكم يا من عفى عليكم الزمن أن تتركونا وشأننا، فلا مرحباً ولا أهلاً ولا سهلاً بكم بيننا، إذ لا شرعية لكم في مكان تجمعنا".

لقد كان لأيديولوجية السوق الحرة التي جاء بها بيل كلينتون الفضل في مساعدة شركات التكنولوجيا على النمو، ما أدى إلى نشأة منطقة تجارة حرة رقمية نظراً لتخفيف قبضة قوانين الضرائب على شركات الإنترنت.

وهكذا وفي ظل غياب التدخل الحكومي، ولد نوع جديد من الرأسمالية الرقمية أفسح المجال أمام صعود شركات "الفائز فيها يحصد كل شيء"، فأحكمت هذه سيطرتها على قارات بأسرها في إطار الاقتصاد الرقمي، فتفردت جوجل بمحرك بحثها، واستأثر فيسبوك بالشبكات الاجتماعية، وتميز أمازون في مجال مبيعات المفرق على الإنترنت.

وفيما امتلأت جيوبها العامرة بالمال، أمكن لهذه الشركات أن تستثمر أكثر فأكثر في البنى التحتية التي تملكها من مثل مراكز البيانات لكي تجمع المزيد من المعلومات عن الزبائن المستخدمين، وتطور لوغاريتمات عملها، وتشتري أو تستنسخ الشركات المنافسة لها. كل هذا بدوره منح هذه الشركات ثقلاً وميزة تنافسية لدرجة نأت بها عن أي منافسة تُذكر، فما عاد للآخرين طاقة للمواكبة.

لكن شركات التكنولوجيا ترفض التسليم بكونها شركات احتكارية، على أساس أن للزبائن مطلق الحرية في الجيئة والذهاب كيف يشاؤون.

يقول مايكل بيكرمان من مؤسسة رابطة الإنترنت the Internet Association التي تمثل كلاً من جوجل وأمازون وفيسبوك وتويتر "إن كان المرء لا تروقه خدمة ما، فإن التغيير سهلٌ عليه كسهولة الذهاب إلى موقع آخر أو تطبيق آخر".

وإدراكاً منهم لدور وقدرات الشركات التقنية في التأثير في السوق وأرجحة أكف ميزانه، انهمك المنظمون والمراقبون المقننون الأوروبيون في ملاحقة هذه الشركات والتضييق عليها، رغم أنه معروف تاريخياً عن هؤلاء المشرّعين أنه لا سبيل لمجموعات ضغط ولوبي الشركات الكبرى إلى التأثير فيهم كثيراً، ففرض المشرعون مجموعات من الإجراءات القضائية مثل التحقيق في أوراق وإجراءات آبل وأمازون الضريبية، ما انتهى بتوجيه فاتورة ضريبية إلى آبل قيمتها 13 مليار يورو (14.5 مليار دولار) وتغريم فيسبوك لخرقه قوانين حماية البيانات لانتهاجه طريقة في التعامل مع بيانات الزبائن المستخدمين في أعقاب شرائه لشركة واتساب.

وكذلك في قضية كبرى لمكافحة الاحتكار التنافسي، تكللت أحداثها في شهر يونيو/حزيران الماضي، عندما تلقت جوجل صفعة عندما غرمتها أوروبا بمبلغ 2.7 مليار دولار لإعطائها الأفضلية لخدماتها هي في نتائج بحث محركها.

أما في الولايات المتحدة فقد أسفر تحقيق أجرته مفوضية التجارة الفيدرالية FTC عن الاستنتاجات نفسها التي خلصت إليها أوروبا، فنصَّ تقرير المفوضية الذي يقع في 160 صفحة على أن سلوك شركة جوجل قد نجم عنه "ضرر حقيقي على المستهلكين، وأضرَّ بالإبداع في أسواق الإعلانات ومحركات البحث على الإنترنت".

هنا أهاب المستثمرون برجال السياسة كي يرفعوا قضية احتكار تنافسي، لكن السياسيين غضوا الطرف عن التوصيات المقدمة إليهم متجاهلينها، فسمحوا لجوجل بإجراء تعديلات من تلقاء نفسها على نتائج محرك بحثها، متجاوزة في الوقت نفسه الوقوع في عقوبات جد وخيمة. كيف حدث كل ذلك؟ أمرٌ يكتنفه الغموض، ولكن من الصعب لنا التعامي عن أن شركة جوجل كانت قد أنفقت 25 مليون دولار على اللوبي في واشنطن.


مبارزة التقنين في مواجهة الإبداع


كثيرون هم من يعارضون تابلين في رأيه، فيرون أن تضييق أوروبا الخناق على وادي السيليكون هو مثال على التحيز المعادي لأميركا وعلى البيروقراطية المفرطة التي عششت في أوروبا، ونخرت قدرتها على الإبداع وإنتاج عمالقة تكنولوجيا خاصين بها.

بيكرمان على سبيل المثال يعزو النجاح الفلكي لشركات وادي السيليكون، إلى خفة تنظيمات وتقنينات أميركا، فيقول "إن هذا سببٌ يجعلنا نرى أن تقريباً كل شركات الإنترنت الناجحة التي نراها اليوم هي شركات نشأت ونمت في الولايات المتحدة".

لقد تأصلت هذه الرواية، حتى إن بيل غيتس نفسه قال عن أجهزة الحاسوب عام 1998 "إن المدهش في الأمر هو أن كل هذا حدث دون أي تدخل حكومي".

لكن يبدو أن الذاكرة تخون زعماء شركات وادي السيليكون التقنية، فلقد قامت شركاتهم على أساس من التدخل الحكومي والأموال العامة، فلا جوجل ولا سواها كانت ستقوم لها قائمة لولا تدخل الدولة.

منذ الستينيات دأبت في وقتها وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة Arpa، التي تغير اسمها الآن لتصبح وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية Darpa، على توجيه الأموال صوب مشاريع الأبحاث طويلة الأمد وتطوير تقنيات جديدة كلياً، يعتمد عليها عمالقة التكنولوجيا، من ضمنها كان تمويل معهد أبحاث ستانفورد بصفته مركز الإبداع والتطوير الاقتصادي في المنطقة، حيث تنسب إليه ابتكارات مثل أول كومبيوتر رقمي مغناطيسي كلياً، فضلاً عن الفأرة (الماوس) وأول نسخة من الإنترنت.

لقد جاءت كل واحدة من التقنيات الأساسية التي في لب الآيفون -من تقنية الـGPS والاتصالات الخلوية والإنترنت والرقاقات المصغرة "الميكروتشيبس" وسيري وشاشات اللمس- كلها جاءت من مساع وجهود بحثية ودعم تمويلي من الحكومة الأميركية والجيش، وحتى تطوير لوغاريتمية محرك البحث جوجل كان وراءها مؤسسة العلوم الوطنية National Science Foundation.

كذلك كان للحكومة دور بارز مهم في تفكيك طوق الاحتكار في دنيا صناعة التكنولوجيا، وذلك من خلال 3 قضايا احتكار تنافسي كان لها تأثير بالغ هز الوسط وغيَّر مجرى كل شيء.

فعندما كانت IBM تحتكر صناعة الحواسيب في السبعينيات مثلاً، حرَّكت الحكومة دعوى قضائية ضدها، بغية فصل أجزاء صناعة البرمجيات الناعمة عن صناعة الهياكل والمعدات الصلبة في تجارة الحواسيب. رضخت IBM في النهاية وسمحت لشركات أخرى بصنع برامج يمكن تشغيلها على حواسيب IBM، وهنا انبثقت مايكروسوفت التي بدورها واجهت قضية احتكار تنافسي هي الأخرى، فتمخض ذلك عن ولادة جوجل، وهو ما يعيدنا من جديد إلى إيريك شميت.


نقطة التحول


بالرغم من أن معظم محاولات واشنطن لترويض الجيل الحالي من عمالقة التكنولوجيا كانت هزيلة، إلا أن ذلك قد يتغير عما قريب، فقد اعتمد الديمقراطيون منهج قضايا الاحتكار التنافسي، ووضعوها في قلب أجندتهم المعتمدة للسنوات الـ4 القادمة، ففي خطاب ألقته، في مايو/أيار، قالت عضو مجلس الشيوخ السيناتور إليزابيث وورين: "لقد حان الوقت لنقوم بما قام به تيدي روزفلت: الإمساك بعصا ردع الاحتكار التنافسي من جديد".

كلماتها هذه جاءت على نسق خطاب كانت وورين قد ألقته، في يونيو/حزيران، من العام الذي قبله في مناسبة أقامها باري لين من معهد New America للأبحاث، وصفت فيه كلاً من جوجل وأمازون وفيسبوك بأنها منصات قد تصبح أدوات "لوأد المنافسة" في مهدها.

وحتى الجمهوريون طرحوا فكرة تقنين فيسبوك وجوجل، بصفتها مرافق غدت من ضرورات الحياة اليومية.

ولكن مع تنامي نهم واشنطن وشراهتها للتضييق القانوني على وادي السيليكون فإن البعض يتساءل عن الإنجاز الذي تحققه هذه الإجراءات القانونية، فالغرامة الباهظة التي تكبدها جوجل من أوروبا لم تزحزحه قيد أنملة عن صدارة موقعه.

يقول أحد المطلعين على أجواء وأروقة واشنطن الداخلية: "ريثما يتم التوصل إلى أسلوب أحادي تجاه تقنين الإنترنت، فإن كل هذه الإجراءات تظل شكلية لا طعم لها ولا أثر. هل تعرقل جوجل؟ نعم. هل تدر الكثير من المال على المحامين؟ نعم. لكنها لا تحدث أثراً في السوق".

مع ذلك، فإن ثمة مداً وجزراً آخذاً في التغير والتحول على صعيد الرأي العام، خصوصاً في ظل الوعي العام المتنامي أكثر من أي وقت مضى بقضايا ومشكلات كانتشار الأخبار الزائفة واستغلال البيانات الشخصية والعلاقة بين الأتمتة وخسارة الوظائف وتجنب الضرائب.