ديلي بيست: لهذه الأسباب تقدم النساء الأرامل على تفجير أنفسهن في روسيا.. هن الجاني أم الضحية؟

تم النشر: تم التحديث:
YYY
Age Fotostock

الاضطهاد الذي يتعرض له بعض المسلمين المحافظين في روسيا جراء حملة القمع التي تمارسها الحكومة الاتحادية، والذين تصفهم بالمتشددين والإرهابيين في بعض الوقت، دفع البعض منهم على الإقدام على الانتحار، بحسب ما رصد موقع ديلي بيست الأميركي لعدد من هذه الحالات.

ويقول الموقع الأميركي، في 4 يناير/كانون الثاني من العام الماضي، قدم المسؤولون من داغستان إلى زليخة كارناييفا البالغة من العمر 42 عاماً صورة لأكبر حب في حياتها، وهو ابنها خان، الذي أرسلته في العام السابق إلى القاهرة لدراسة اللغة العربية. وكانت الصورة تظهر وجنتي خان الممتلئتين التي كانت تحب أن تقبلهما وابتسامته الطفولية، ولكنه كان يرتدي أيضاً زياً مموهاً ويحمل مدفع كلاشينكوف. وأخبرها المسؤولون أن خان لم يكن في الواقع طالباً للعلم في مصر، بل مجاهداً يقاتل ضد الاتحاد الروسي، وتسعى الأجهزة الأمنية الفيدرالية وراء اعتقاله.

وحينذاك شعرت كارناييفا بالاضطراب والقلق الشديدين، وقالت "فقدت في ذلك اليوم إحساسي بالحياة تماماً". وبينما كانت ترتدي من قبل ملابس شبه عارية تكشف عن بطنها وساقيها، أصبحت حالياً ترتدي جونلة طويلة وحجاباً أسود اللون وانضمت إلى طائفة المسلمين السلفيين المحافظين والمعرضين للاضطهاد الشديد في روسيا.

وبحثت عن خان على كافة المواقع الإلكترونية المحظورة للمقاتلين المسلمين. وذات يوم وجدته ضمن مقطع فيديو يطالب المسلمين الروس بالامتناع عن الحصول على قروض مصرفية وسداد الضرائب التي تفرضها الدولة. وشاهدت ذلك المقطع مئات المرات حتى اختفى من على شبكة الإنترنت. وكانت الشرطة تأتي لتفتيش منزلها بحثاً عن المتفجرات كل أسبوعين.

وفي 6 مايو/أيار من نفس العام، قام رجال مقنعون بإخلاء جميع المنازل الكائنة بشارع دستويفيسكي، حيث تقطن كارناييفا، وإلقاء القبض على زوجها الذي عاد إلى البيت بعد غياب سنوات قضاها بالسجن. وبعد انقضاء ساعة واحدة، سمعت صوت انفجار. فقد أحرق المسؤولون الجزء الأمامي من منزلها (بما في ذلك ورشة كانت تستغلها في صنع الحصالات المعدنية وبيعها بالأسواق)، كجزء من إحدى عمليات مناهضة الإرهاب. وتم تفجير منزلين آخرين بالجوار خلال ذلك الأسبوع. ولم يتبق لدى كارناييفا سوى نصف المنزل، حيث أصبحت تعيش وسط أنقاض حياتها البائسة، بحسب الموقع الأميركي.

وفي بلاد القوقاز يرحل الرجال إلى الغابات خلال السنوات الأخيرة للانضمام إلى المقاتلين الذين يطالبون بالاستقلال من روسيا الاتحادية، وقد اختفى بعضهم أو لقوا حتفهم، تاركين أمهات وزوجات محطمات القلوب.

قائمة الأرامل

واعتبرت الشرطة الروسية مئات من النساء السلفيات "إرهابيات" يتعاطفن مع المقاتلين ويساعدنهم، فخلال الـ12 عاماً الماضية تحولت 46 امرأة إلى عناصر انتحارية في روسيا، واقترفن 26 اعتداءً إرهابياً (تضمنت بعض الاعتداءات العديد من النساء في آن واحد). وكان معظم الانتحاريات من الشيشان وداغستان، بحسب الموقع الأميركي.

وفي عام 2010، بعد أن فجَّر اثنان من نساء داغستان نفسيهما بإحدى محطات المترو في موسكو عام، نشرت الشرطة صور وأسماء 22 سيدة، اتهمتهن السلطات الروسية بالتواطؤ مع من سموهم "الإرهابيين". وبعد أن ظهرت أسماؤهن ضمن القائمة، أصبحت حياتهن أكثر بؤساً، حيث كان الناس يشيرون إليهن بالأسواق، وأصحاب العمل يرفضون توظيفهن، والمعلمون يمقتون أطفالهن.

واستمر بعض النساء في تفجير أنفسهن، وغالباً ما كن يستهدفن المسؤولين. وقبيل أولمبياد الشتاء التي أقيمت في سوتشي، تزايدت بشدة حملات اعتقال المتطرفين الإسلاميين. وفي خطوة استباقية هذا الربيع، فجر المسؤولون منازل العديد من الأرامل، على غرار ما فعلوه بمنزل كارناييفا، بحسب الموقع الأميركي.

وبينما تظل دوافع اللاتي يقمن بعمليات "إرهابية" غير مفهومة إلى حد كبير، إلا أن السمة المشتركة التي تجمع بينهن تتمثل في الشعور بالوحدة وفقدان أحد الأحباء.

وبحسب ديلي بيست فإن في منطقة القوقاز، تعد موضوعات الحب والإحباط الجنسي من المحظورات التي لا يمكن مناقشتها حتى مع الأصدقاء المقربين. فمن المفترض أن تكبت النساء رغباتهن. وقد أجرت خيدا ساراتوفا، إحدى نشطاء حقوق الإنسان، حواراً مع بعض النساء سعياً وراء استكشاف المشكلات الداخلية التي يمكن أن تدفع المرأة المسلمة إلى الانضمام للحركات المتطرفة.

وقالت ساراتوفا "إنهن يتحدثن عن المشكلات الروتينية بالمنزل فقط، دون التطرق للعلاقات العاطفية والحياة الجنسية، فهن يخشين الشعور بالذل". ولا تجد النساء اللاتي تم اعتقال أزواجهن، أو فقدن هؤلاء الأزواج، أو نبذهن المجتمع أي منفذ للتنفيس عن أحزانهن.

ولم يخطر ببال كارناييفا مطلقاً أن تصبح منبوذة من المجتمع. فعلى غرار الكثير من الفتيات بمنطقة القوقاز، فقد زوّجتها عائلتها من رجل يدعى أسد الله. وكان طويل اللحية، ولكنه سمح لها بارتداء الملابس الغربية، بدلاً من الجونلة الطويلة التقليدية والأوشحة.

وانفصل الزوجان بعد أن أنجبت كارناييفا ثلاثة أطفال. وكانت كارناييفا تبذل قصارى جهدها في العمل بالمنزل وإعداد الحلوى التي يحبها أبناؤها، إلى جانب صنع الحصالات البلاستيكية لبيعها بالأسواق، وكان ذلك هو مصدر الدخل الوحيد للأسرة. وكانت تخشى من بطش زوجها بها وبأولادها، بحسب الموقع الأميركي.

وفي عام 2003، اختفى أسد الله تماماً. وسرعان ما تلقت أخباراً بإدانته بإحدى محاكم موسكو بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وعلمت لاحقاً أنه مصاب بانفصام في الشخصية. وندم والداها على زواجها من أسد الله، وفقدت كارناييفا الكثير من وزنها. وقالت: "إنها تحولت إلى إنسان آلي" يواجه الكثير من الصعوبات في العمل. وكانت تعمل ليلاً نادلة في حفلات زفاف الآخرين.

وفي قرية كارناييفا، كانت الفتيات المسلمات المحافظات يعتبرن شهادة الرجال في حربهم ضد روسيا بمثابة بصيص أمل. وذكرت أنزيلا دولجاتوفا وهي تبتسم خلال حوار أجرته، في 19 مايو/أيار من العام الماضي، بعد يوم واحد من مقتل زوجها منصور منصور خلال عملية خاصة "مات وهو يدافع عن الإسلام في وجه أعدائه وأصبح شهيداً في الليلة الماضية. هذا هو أسعد نبأ وصلني".

حب المقاتلين

وبحسب الموقع الأميركي تحلم الفتيات المسلمات المراهقات بحب المقاتلين الإسلاميين. ويحتاج المجاهدون الذين يعيشون مختبئين إلى حب نسائهم من أجل تشجيعهم على القتال لإقامة دولة قائمة على تعاليم الشريعة ومستقلة عن روسيا. وترى تلك الفتيات أن حلم الشهادة أكثر جاذبية من الزواج من رجال القرية العلمانيين، الذين غالباً ما يشربون الخمر ويتسمون بالعنف في التعامل ويقطنون القرى. وحينما يلقى أحد الأزواج المقاتلين حتفه، غالباً ما تتزوج أرملته ثانية من أحد شهداء المستقبل، وفي بعض الحالات، تصبح المرأة الداغستانية أرملة لمرتين أو ثلاث مرات جراء الحرب قبل أن تبلغ 25 عاماً من العمر.

وقالت الصحفية نادرة إيساييفا، البالغة من العمر 33 عاماً لموقع ديلي بيست "لا أرى رجالاً جذابين هناك بخلاف السجناء والمقاتلين بالغابات". وتتحدث إيساييفا من خلال خبرتها –وقد حصلت على الجائزة الدولية لحرية الصحافة عام 2010– حيث تورطت هي نفسها في علاقة حب فعلية. وتركت منزلها في داغستان بعد أن قام مدون مجهول الهوية بنشر رسائلها الإلكترونية الشخصية والمثيرة ومراسلاتها مع زوجها عبد الحكيم عبد الحكيم، السجين بسجن سيبيريا المعروف باسم "البجعة البيضاء". وتعيش إيساييفا حالياً في مصر وتقول إن الروس لا يزالون يرفضون وجودها في المجتمع".

ورغم أن الزواج من "شهيد" قد يبدو رومانسياً في البداية، إلا أنه غالباً ما تجد الأرامل الانتحاريات مهمشات بعد وفاة الزوج، ما يدفعهن لاعتناق الإسلام المتطرف. وأجرت يكاترينا سوكيريانسكايا، مديرة مشروع مجموعة الأزمات الدولية، حواراً مع عدد من الشابات من داغستان بعد أن فجرت مدينا إلييفا نفسها خارج مركز شرطة مخاشكالا وأصابت 15 شرطياً. وبحلول عيد ميلادها الـ25، كانت ألييفا قد تزوجت مرتين وأصبحت أرملة مرتين أيضاً خلال عمليات مناهضة الإرهاب التي تم شنها ضد زوجيها، بحسب ديلي بيست.

وبعد أن تفقد النساء الدعم الذي يحصلن عليه من خلال أزواجهن أو خلال الدولة، غالباً ما يتحدثن معاً في مثل تلك الأزمة. وبالعودة إلى شارع ديستويفسكي، تعيش كارناييفا –المعروفة بلقب "الأم الإرهابية"– وسط أنقاض منزلها بمفردها. وتأتي صديقاتها الجدد من الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن في الغابات للبكاء معاً. وتقول إحداهن وتدعى كلمات زكرياييفا "كل حبي وحناني منحته لابني البالغ من العمر 18 عاماً". وواجهت المجموعة مؤخراً كابوساً آخر حينما تمت دعوتهن للذهاب إلى المشرحة للتعرف على جثة شاب صغير. واتضح أنه إيسا كاديروف، ابن إحدى الأرامل البالغ من العمر 21 عاماً.

ويقول ماجوميد شاميلوف، الناشط الحقوقي وزعيم اتحاد الشرطة المهنية "يأس النساء هو السبب في كل ما نعانيه اليوم. وبسبب المشكلات تتحول النساء إلى ذئاب فتاكة أكثر خطورة من الذئاب من الذكور". واقترح شاميلوف منذ أربعة سنوات ضرورة أن تجمع الحكومة بين جميع الأرامل في داغستان لتكوين شكل من أشكال المجتمع المدني، حيث يمكنهن اختيار زعمائهن وبرامجهن. ومع ذلك، اختفت تلك الفكرة ولم يرحب بها الكثير من الرجال في منطقة القوقاز.

وبحسب الموقع الأميركي، مع ذلك، اجتذبت إحدى الأحداث الهستيرية التي قامت بها إحدى النساء من داغستان انتباه العالم هذا العام. فقد سردت زبيدة تسارناييفا، والدة الشقيقين المتهمين باعتداءات ماراثون بوسطن الإرهابية، قصتها للعشرات من الصحفيين الأجانب. وألقت اللوم على محققي مكتب التحقيقات الفيدرالية متهمة إياهم "بترويع" الأسرة من خلال استجواب أفرادها باستمرار أثناء وجودهم في بوسطن. وألقت اللوم على الأميركيين الذين يشعرونها بالإذلال بسبب ارتداء الحجاب، وعلى زوجها لعدم فهم السبب وراء اليأس الذي يكتنفها. واعترفت خلال اللقاء الذي أجري بغرفة نومها في مالهاكالا، خلال شهر مايو/أيار الماضي، قائلة "كنت أكرهه بالفعل في الولايات المتحدة". ووصفت تسارناييفا خلال مؤتمر صحفي انعقد، في أبريل/نيسان الماضي، ابنها المتوفي تامرلان باعتباره "حب حياتها"، وقالت إنها يسعدها حالياً أن تموت وهي تنطق عبارة "الله أكبر".