"أُجهز حملة الإفراج عني وأكتب الهاشتاغ بنفسي".. مطرب الثورة المصرية يستعد للرجوع بعد 3 سنوات في "المنفى"

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

جالساً على مقعدٍ خشبي بحانةٍ مزدحمة في الهواء الطلق في ليلةٍ دافئة بمدينة إدنبرة، إسكتلندا، تجد رامي عصام مبتهجاً، وكثير التحدّث، ومتحرراً. وخلال الأعوام الثلاثة التي مرَّت منذ غادر مصر، إلى فنلندا أولاً ثم إلى مدينة مالمو السويدية، تعاون الموسيقيّ البالغ من العمر 30 عاماً مع فنّانين دوليين، وجال بموسيقاه عبر أوروبا وأميركا الشمالية، وكتب ألبومه الأول باللغة الإنكليزية، وإن كان لم يصدر بعد.

لكن عندما تحدَّثت مجلة نيوزويك الأميركية مع عصام على هامش مهرجان إدنبرة للفنون - حيث يوثِّق عرضه المنفرد بعنوان "على خط الجبهة In the Frontline" تجربته أثناء الثورة المصرية عام 2011 وما أعقبها - لم يكن تركيزه على نجاحه الدولي المتزايد. بل كان على شيء أقرب للوطن. إذ كانت تلك رغبةً مُتَّقِدة في صدره على مدار 3 أعوام. هي، كما يسمّيها رامي، العودة.

وبهذا سيسافر الموسيقيّ المصري لمدينة دنفر ليقوم بجولةٍ أميركية أخيرة. ومن ثَمَّ إلى دبي، ليرى أمه وأخته ثم يعود إلى السويد حيث ابنه. وهناك سيتّجه عصام إلى الاستوديو لتسجيل عشرات الأغاني التي كتبها أو كتبها ولم ينهها، والتي يعتقد أنَّها تكفي لملء ألبومين أو ثلاثة. وأخيراً، في مقتبل عام 2018، سيشد رحاله إلى مصر. وهناك، في وقتٍ ما- قد يأتي بعد أسابيعٍ أو أيامٍ أو ساعاتٍ من العودة- سيجري اعتقاله.

ولا يملك عصام أي فكرة عما سيحدث بعد ذلك.

ويقول عصام: "أعلم بنسبة 100% أنَّهم سيعتقلونني، هذا مؤكَّد الحدوث. لكن لا أحد بمقدوره تخمين المدة التي سيستغرقها الأمر. هل يكون يوماً واحداً؟ أسبوعاً؟ شهراً؟ هل سأمثل أمام محاكمة أم يبقونني عندهم للأبد؟".

وقد غادر عصام مصر عام 2015 ليتجنّب الخدمة العسكرية، وهيّ خدمة إجبارية للذكور المصريين بين سن 18 و30 عاماً. لكنّ الرحيل لم يكن قراراً أخلاقياً فقط، بل كان ذا بُعدٍ عمليّ أيضاً. فمنذ صعد رامي على المسرح المُقام بميدان التحرير أثناء الاحتجاجات المشتعلة ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك في بداية فبراير/شباط عام 2011 وغنّى "ارحل"، وهي الأغنية التي صنعت شهرته، لم تهزأ موسيقى عصام من رؤساء مصر فقط، بل ومن الجيش الذي ساندهم.

وبعد الإطاحة بمبارك في فبراير/شباط 2011 ذاته، غنَّى عصام "ارحل" مجدداً، مُخاطِباً وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك المشير محمد حسين طنطاوي، الذي حلَّ محله في الحُكم. وبعد أن صعدت جماعة الإخوان المسلمين للسلطة بعد انتخابات عام 2012، أعاد عصام كتابة الأغنية لتهاجم الرئيس محمد مرسي. وبعد ذلك، عندما أُطيح بمرسي في انقلابٍ عسكري عام 2013، انتقد عصام عبدالفتاح السيسي، الذي انتُخِب رئيساً بعد عامٍ واحد من الانقلاب بنسبةٍ مشكوك فيها بلغت 97% من الأصوات.

لكن، وللمرة الأولى منذ عام 2011، وجد عصام رسالته دون صدى في القاهرة. فعندما أدّى أغانيه المناهضة للجيش، وجد نفسه مثاراً للانتقاد من قِبل مصريين رأوا أنَّ الانقلاب العسكري قد حرَّر البلاد من الإخوان المسلمين، وليس أنَّه قد أطاح بأول رئيسٍ ديمقراطيّ انتخبته البلاد منذ 50 عاماً. ومع تراجع الدعوات الموجّهة له لتأدية أغانيه -حتى في أماكن موسيقى الأندرجراوند ذات التوجّهات المتمرّدة- وجد عصام نفسه مقصياً، ومنبوذاً، ووحيداً.

y

انتقل عصام آنذاك من القاهرة إلى مسقط رأسه في المنصورة شمالي العاصمة، واحتُجز وخضع للاستجواب من قِبل الجيش عام 2014 بعدما جرى توقيفه في نقطة تفتيش. وغنّى أحد الضبّاط الذين اعتقلوه ساخراً أغنيته المناهضة للجيش "طاطي طاطي" ("لما حاميها يكون حراميها، وبلاده ورا ضهره راميها/ طالع نازل واكل فيها، مسنود بالبدلة الضبّاطي"). وعلى مدار الأسابيع والأشهر التي سبقت اعتقاله، تلقّى عصام عشرات التهديدات من جنودٍ في الخدمة، حذَّروه أن حياته توشِك أن تُصبِح بشعة عندما يُصبِح مُجنَّداً في الجيش.

ولذا، فعندما تلقّى دعوةً للغناء في فنلندا خريف عام 2014 - وتمكّن من الحصول على تأشيرةٍ لمغادرة البلاد - رأى عصام في تلك الدعوة فرصةً له. ومن هلسنكي، انتقل عصام إلى مالمو، حيث مُنِح تأشيرة الملاذ الآمن لمدة عامين. وبعد فترة وجيزة من وصوله إلى السويد، أصدر عصام أغنيته الأكثر إثارةً للجدل حتى الآن، "عهد ..."، الموجَّهة للسيسي ومؤيديه.

وفي عام 2017، بلغ عصام عامه الثلاثين، وكان هذا يعني أنَّه أصبح مُعفى من أداء الخدمة العسكرية بموجب القانون المصري (شرط أن يدفع غرامة قدرها بضع مئات من الدولارات). وبعد قضاء 3 أعوام في أوروبا، بإمكانه الآن العودة لوطنه. لكن ما يستعصي على فهم أصدقائه، ورفاقه من الموسيقيين، وعائلته، هو سبب رغبته في العودة من الأساس.

عندما غادر عصام مصر، كان نظام السيسي قد بدأ بالفعل في شنِّ حملةٍ لقمع حرية التعبير بدت بحلول أواخر عام 2017 الجاري أكثر شراسةً من أيٍّ من مثيلاتها تحت حكم مبارك. ويقبع بعض أبرز الكتّاب المصريين -من بينهم علاء عبدالفتاح- وراء القضبان على خلفية تهمٍ ملفَّقة، (وهي التظاهر دون ترخيص)، رفقة آلاف من النشطاء والنقّاد السياسيين، وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

بينما يحظى عصام في أوروبا بشبكةٍ من المعارف واستحساناً متنامياً من جانب النقّاد. كما أنَّ له فيها بيتاً وابناً صغيراً. ويمتلك عصام ما يسعى مئات الآلاف من اللاجئين للحصول عليه عندما يهاجرون في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر عبر البحر المتوسط: ملاذاً. ومع ذلك، ها هو يجلس خارج مسرحٍ بمدينة إدنبرة، وكل ما يمكنه التفكير فيه هو العودة.

يقول عصام: "إنَّ العودة هيَ أقوى بيانٍ سياسي بإمكاني التعبير عنه كفنان. سينقل هذا كل أغانيّ ورسالاتي لمستوى مختلف كلياً. وإذا بقيتُ في الخارج طوال حياتي أحاول الوصول لهذا المستوى، لن أصله أبداً".


نضال وندوب


هناك أسبابٌ أخرى لذلك أيضاً. فعندما بدأ عصام مسيرته في ميدان التحرير، استلهم الموسيقيّ الشاب ما غنَّاه آنذاك من هتافات المتظاهرين. وتأثَّر لاحقاً بأعمال أحمد فؤاد نجم، الشاعر المصري الثوري المُخضرم الذي توفّي عام 2013 وكتب بلهجة الشارع المصري العاميّة المشاكسة. وكانت أغانيه تدور عن مصر. وفي أوروبا، يشعر عصام بفقدان اتصاله أكثر فأكثر مع ذلك العالم.

يقول: "أنا فنّان. أُغنِّي متحدثاً عن مصاعب حقيقية. لكنَّني الآن أعيش في دولةٍ اسكندنافية، وهي منطقة مسالمة وآمنة لأبعد حد. تركتُ مصر وبحوزتي شغفٌ هائل يمكنني غناؤه حتى اليوم من أجل الحركة الثورية. لكن إذا ما بقيت هنا سنةً أو اثنتين أو ثلاثة أخرى، سأفقد اتصالي بهذا الشغف. ولا أرغب في الشعور بذلك".

ويفتقد عصام المنصورة أيضاً، مسقط رأسه المطلّ على النيل. ويفتقد الحياة، والموسيقى، والطعام، وعائلته وأصدقاءه. ولا يحبِّذ عصام استخدام كلمة "منفى" في وصف سنواته التي قضاها بأوروبا. فلم يرد عصام أكثر من تجنُّب أداء الخدمة العسكرية، والآن وقد تسنَّى له ذلك، لا يوجد سبب يمنعه من العودة. فيقول: "أريد العودة لوطني. لا أريد أن أشعر كما لو كنت منفياً".

ولن يكون الأمر سهلاً، وبالإضافة لقضائه الأشهر القادمة في تسجيل الموسيقى، فإنَّه أيضاً يستعد حالياً لحدوث الأسوأ. إذ كان عصام على اتصالٍ مع منظماتٍ غير حكومية ومجموعاتٍ أخرى بإمكانها مساعدته في حال اختفائه داخل أحد سجون مصر. فهو يعلم أنَّ ذاكرة العالم قصيرة المدى. ويريد التأكُّد من أنَّ العالم لن ينساه بدوره كما نسي العديدين من المصريين قبله ممَّن يقبعون في سجون السيسي.

يقول عصام: "أُحضِّر الآن حملة الإفراج عني. سأختار أيّ صورةٍ تُنشر. وسأكتب الهاشتاغ بنفسي. وسأجهِّز كل شيءٍ بنسبة 99.9% كي يُنشَر في أي لحظة. ويجب أن يكون لديّ قدر ما أستطيع من الأغاني المسجَّلة قبل الذهاب إلى هناك، في حال احتجزوني لفترةٍ طويلة. فأنا لا أريد أن أبقى صامتاً طوال تلك الفترة".

y

ويقول عصام إنَّه قد نضج على مدار السنوات الست الماضية منذ قامت الثورة، عندما كان يقضي نصف وقته في الاشتباك مع الجيش والشرطة على المتاريس، والنصف الآخر في وضع الموسيقى التصويرية لعشرات الآلاف، إن لم يكن المئات من الآلاف، من المصريين ممَّن يشتبكون هم الآخرين ليلاً ونهاراً مع الجيش والشرطة. ولا زال يعزف الأغاني التي أجَّجت نيران المظاهرات عام 2011، لكنَّ موسيقاه تتجّه شيئاً فشيئاً لمخاطبة تحدِّياتٍ أخرى في مصر، مثل التفرقة على أساس الجنس، والعنصرية، والفساد، والفقر.

ويقول: "هذا الألبوم الجديد أخفّ سياسياً واجتماعياً على حدٍ سواء. لقد كان الألبوم الأخير هوَ الصفحة الأخيرة من بين الألبومات الممتلئة بالغضب التي كانت تعبِّر عن روح الثورة. لكن تلك الروح انتهت. أعلم هذا الآن. علينا أن نكون واقعيين: إذا لم يكن باستطاعتنا الإطاحة بالنظام، هل ننتظر للأبد؟ لا، علينا محاولة إحداث تغييراتٍ صغيرة. إنَّ الجيش أضعف كثيراً الآن. ولدينا المجال للعمل على الشعب نفسه".

وفيما يشعر عصام بفقدان الصلة هناك، فإنَّ الحياة في أوروبا قد أثَّرت عليه وعلى فنِّه. فقد نشأ عصام في أسرة ليبرالية متسامحة. وعندما كان شاباً في مصر، كان يحمل القيم التي أثارت إعجابه في أوروبا: المساواة بين الجنسين، والحرية الجنسية، والتسامح الديني. لكن سنحت له الفرصة في اسكندنافيا ليشهد هذه القيم منصوصاً عليها بموجب القانون، وليشهد مجتمعاً قائماً عليها، بمواطن نجاحها وفشلها على حدٍ سواء.

ولا يظن عصام أنَّ أوروبا مثالية، لكنَّه يشعر بأنَّها قد جعلته أكثر تفاؤلاً بشأن مستقبل وطنه، وإن كان من يشاركونه ذاك التفاؤل في مصر هم قِلَّةٌ اليوم. ويقول: "يمكنني إخبار الناس هناك أنَّ أوروبا لم تكن هكذا للأبد؛ فبعض الدول الأفضل حالاً كثيراً من مصر الآن كانت في حالٍ شديدة السوء منذ 50 أو 70 عاماً. التغيير ليس مستحيلاً".

وعلى مدار السنوات الست منذ أصبح مشهوراً باعتباره الشاب الذي كتب الموسيقى التصويرية للثورة المصرية، حكى عصام قصته مراراً. وأشار إليه البعض في الغرب ملقبين إياه، على نهج المستشرقين، بـ"بوب ديلان المصري"، إلا أنَّ عشرات الملايين من المشاهدات لأغانيه على موقع يوتيوب - بجانب سيلٍ يومي من الرسائل التي يرسلها له شبابٌ مصريون عبر الشبكات الاجتماعية - تُظهِر لنا كيف تلقى أغانيه صدى حقيقياً وصادقاً في العالم العربي.


قصص الكثيرين


كل ليلة في إدنبرة، عندما يُنهي وصلته الغنائية وتخفت أصوات التصفيق، يقترب منه أناسٌ من وسط الحضور ليصافحوه ويتبادلوا معه بضع كلماتٍ عن الحفل. ويتكون الحشد في معظمه من الغربيين، لكن أحياناً يظهر طلابٌ أو مغتربون عرب أيضاً. وأصعب الحفلات، كما يقول عصام، هي تلك التي يرى فيها مصريين بين الحاضرين.

ويقول: "حدث ذلك مرتين، وقد جعل هذا الأمر أصعب عليّ كثيراً. إحداهما كانت امرأة عرفتُها أيام الثورة. والآخر كان بإمكاني سماع صوت أنفاسه في أثناء الحفل. كان يبكي. إذ فَقَد هو الآخر أصدقاءً له في الثورة".

ويقول عصام إنَّ الأمر يصبح صعباً لأنَّ عروضه ليست موجَّهة للمصريين: فالمصريون يعرفون القصة بأكملها - قصة ثورةٍ وُلِدَت ثم سُحِقَت في مهدها - بصورةٍ جيدة للغاية، فقد عاشوها، وما زالت تصحبهم الآن في حياتهم، كُل يوم، تماماً مثل عصام.

ويقول: "أنا أحكي قصَّتهم. حسناً، أنا أحكي قصّتي الشخصية. لكنَّها في نهاية الأمر تُمثِّل قصص الكثيرين".