"من مكة إلى لاس فيغاس".. كيف استطاعت القيم المادية التوغل على الروحية؟

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

"و كانت قبيلة قريش، التي ينتسب إليها محمد، مسؤولة عن نجاح التجارة في مكة. وكان أفرادها يعلمون أن قدراً كبيراً من مكانتهم بين الأعراب الآخرين، يعود إلى تمتعهم بامتياز عظيم؛ ألا وهو حماية البناء الغرانيتي المقدس الضخم، والعمل على التأكد من الحفاظ على قدسيته".

كارين أرمسترونغ كتاب (محمد)
الفصل الثاني (محمد رجل الله)
الصفحة 71

إذا كانت أولى زيارتك لإحدى المدن وكان في مدى بصرك مبنيان؛ أولهما بارتفاع 13 متراً، والآخر ارتفاعه 600 متر تعلوه أكبر ساعة في العالم وتحيط به أبراج شاهقة تقرب من طول برج خليفة في دبي (الأطول في العالم)- فأيُّ المبنيَين تعتقد أنه يجذب انتباهك ويستحوذ على كل مجالك البصري: ناطحة السحاب أم ذلك المبنى الذي لا يتجاوز ارتفاعه 4 طوابق؟

تعتقد أن المبنى ذا الـ600 متر، الذي تعلوه الساعة، سوف يجذب انتباهك بالتأكيد، ولكن إن أطلعتك على تفاصيل وشكل البناء الثاني وموقعه، وإذا أخبرتك بأن المبنى ذا الـ13 متراً يقع منتصف مكة ويكتسي بقماش أسود مُطرَّز وفي ركنه الجنوبي الشرقي حجر أسود.. نعم، إنها الكعبة المُشرفة، بيت الله الحرام.


عولمة المظهر وقداسة المضمون


في كتابه بعنوان "من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة"، الصادر في يناير/كانون الثاني 2014 ونشرته "مدارات للأبحاث والنشر" بمصر، يناقش الأستاذ الدكتور علي عبد الرؤوف، أستاذ النقد المعماري ونظريات العمران، مشاريع توسعة الحرم المكي الشريف في مكة المكرمة، وأثرها على القداسة وروحانية المكان.

كما يركز الكتاب على الاهتمام بالتاريخ المعماري والعمراني لمكة، وبيان منزلة الحج والكعبة المشرفة لدى المسلمين، ثم يوجه النقد لمشاريع التوسعة، وإيضاح مثالبها، مع ذكر مزاياها التي تساعد على تيسير الحج والعمرة للمسلمين، ويحاول إيجاد بديل يُبقي على المزايا ويحافظ على قدسية المدينة وروحانية الحرم.



mecca

قدَّم الكتابَ البروفيسور ناصر الرباط، المؤرخ المعماري وأستاذ العمارة الإسلامية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في جامعة كمبردج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى المقدمة والتصدير الذي تحدث فيه عبد الرؤوف عن قدسية مكة ومكانتها الروحية والتاريخية؛ لكونها أقدس بقعة في الإسلام، وقبلة المسلمين، ومقصدهم لأداء الحج ركن الإسلام الخامس، وبها أحد 3 مساجد تُشد إليها الرحال.

ويشتمل الكتاب على 5 فصول؛ في الفصل الأول يتحدث عبد الرؤوف عن تاريخ مكة ومكانتها عند المسلمين والعرب قبل الإسلام، ويربط الموقع والطبيعة الجغرافية بالإطار الروحي للمدينة، وينتهي بالكعبة المشرفة وتأثيرها على المدينة والسياق العمراني للمدينة.

ويعرض في الفصل الثاني العلاقة بين العمارة وروحانية وقداسة المعمار. أما الفصل الثالث، فيسلط الضوء على تأثير تطور النسق المعماري في المملكة ودول الخليج وما تبعه ذلك من صراع بين قيم المجتمع الأصيلة، وتراثه، والقيم الرأسمالية المادية، على حد قوله. وفي الفصل ما قبل الأخير، يعقد المؤلف مقارنة بين لاس فيغاس ومكة المكرمة، وكيف استطاعت القيم المادية أن تتغول على القيم الروحية، لتتحول "مدينة الله" إلى صورة مشابهة من "مدينة الخطيئة" في الشكل والطابع المعماري، وكيف صار ركن الإسلام الخامس -الحج- مقصوراً على الأغنياء في مدينة تتربع أسعار العقارات بها على قمة أسعار العقارات عالمياً.

في الفصل الخامس والأخير، يؤكد الكاتب أن التوسعة والتطور الحادث بمكة وفي محيط الحرم تتجاوز سلبياتها محاسنها، وأن ذلك التأثير السلبي الواقع على واحدة من أعرق وأقدس بقاع الأرض يمكن تجاوزه، وأن تطوير المدينة وتوسعة الحرم يمكن أن يحدثا دون هدم تراث المدينة، والتأثير على قداسة المكان وطبيعته المعمارية.


صدمات متعددة


"كانت في زيارتي لدولة الفاتيكان، والمقرّ البابوي وكنيسة سان بيتر الشهيرة، حيث يكتنف المحيط كله جو روحاني فريد. كلما تتضاءل كل السياقات المحيطة لتصبح الكنيسة وملحقاتها وساحاتها الأمامية الكبرى هي العلامات الفارقة في المحيط البصري للمكان".

قبل أن يشرع الكاتب في فصله الأول، عرض الدوافع التي دفعته لكتابة ذلك الكتاب، وقد صاغ الدوافع تلك في 4 صدمات.

الصدمة الأولي (مكة): في أولى زياراته لمكة في أثناء زيارته الأولى للمسجد الحرام، حاول الكاتب أن يركز بصره وجوارحه على الكعبة؛ من أجل أن يصل إلى الحالة الروحانية والذهنية التي سمع عنها من كل من زار مكة وشاهد الكعبة لأول مرة، لكن ناطحات السحاب، والروافع المحيطة بالحرم جعلته يشعر"بالضآلة والقلة؛ بل بالمهانة الإنسانية والعقائدية"، على حد قوله؛ فقد حطمت أبراج البيت والكتل الخرسانية الصورة التي كان يتطلع إلى رؤيتها، حتى الكعبة شعر بضآلتها مقارنةً بتلك الأبراج التي "يتراجع معها كل شيء ويصغر ويتضاءل ويُهمّش، بما في ذلك الكعبة ذاتها".

الصدمة التالية -بحسب المؤلف- كانت في زيارته لدولة الفاتيكان وملاحظته الجو الروحاني الفريد، وكيف أن الكنيسة وملحقاتها متناسقة مع العمارة المحيطة، وانعكاس ذلك على المحيط البصري والشكل العام للمبني وحفاظه على الهوية المعمارية والتاريخية للفاتيكان.

وصدمته الأخيرة كانت في زيارته لمدينة لاس فيغاس، وكيف أثرت عليه المدينة وجعلته يسترجع مشاهد العمارة المكية الحديثة، ويعقد مقارنات بين لاس فيغاس ومكة، بين مدينتين من المفترض ألا يلتقيا في أي شيء.


الحج للأغنياء فقط!


تتفاوت درجات الرفاهية والمتعة في المناطق السياحية، فكل شخص على حسب مقدرته المالية، والقدرة على الإنفاق، لكن من المفترض أن الأمر مختلف في الحج؛ ففلسفة الحج في الإسلام تقوم على المساواة بين كل القادمين من مختلف بقاع الأرض، الجميع سواسية في ذلك المشهد الذي يجعلنا نستشعر يوم القيامة، حيث لا فرق بين أعجمي أو عربي، كما يشير القرآن والسنة.

لكن الوضع في مكة قد اختلف، كيف تتحقق المساواة حين يقارن المعتمر أو الحاج بين إقامته في أحد شعاب مكة والمقيم في أحد أبراج الحرم المطلة على الكعبة، والتي يتراوح سعر الغرفة أو الاستوديو بها من 650 ألفاً إلى مليون دولار.


مكة.. المحمية الروحانية


نعم، نحن في حاجة إلى توسعات لاستيعاب تلك الأعداد المهولة والمتزايدة سنوياً من الحجاج والمعتمرين، لكنها مكة، المحمية الروحانية المقدسة، المحمية التي تستحق منا الحفاظ على مكانتها، وقدسيتها، ومقاماتها العمرانية والمعمارية، إنها تستحق منا هدم كل ما يسيء إلى تاريخها وقدسيتها.

أما عن التوسعة، فيوجه الكاتب إلى إمكانية القيام بتلك التوسعات خارج الجوهر المركزي المقدس للمدينة، ونقل تلك التوسعات خارج المدينة، وتوفير آليات التنقل والحركة؛ لتسهيل وصول الزائرين في انسيابية، لكن الإبقاء على الوضع الحالي والصمت إزاء ذلك التجريف والتحطيم لتراث المدينة المقدس قد يصل بنا يوماً إلى حالة لا ينفع معها الندم.