واشنطن بوست: حالات القتل خارج إطار القانون تضاعفت في مصر بعد زيارة ترامب للشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
PRINCE OF KUWAIT
ي

بعد شهرين من اختفاء صبري محمد سعيد، ظهرت جثته في المشرحة. وقالت أسرته إنَّه تعرَّض لإطلاق النار 3 مرات بالإضافة إلى ضربٍ ُمبرِح.

كان المحاسب، البالغ من العمر 46 عاماً والأب العائل لخمسة أطفال، عضواً عادياً في جماعة الإخوان المسلمين الإسلاميين. وزعمت السلطات المصرية أنَّه إرهابيّ قُتِل في معركةٍ مسلحة مع الشرطة في يونيو/حزيران.

لكنَّ ابنته سارة صبرى قالت إنَّه ترك النشاط السياسي منذ 3 سنوات، ولم يُعتقَل مُطلقاً. وحين ذهب أقاربه للحصول على تقرير الشرطة، لم يكن لدى القسم أي سجلٍ عن الحادث، وفق ما ذكرت صحيفة واسنطن بوست الأميركية.

وحالياً، سارة مقتنعةٌ بأنَّ والدها توفي في أثناء احتجازه لدى قوات جهاز الأمن الوطني سيئ السمعة.

وقالت سارة، وعلامات الحزن تكسو وجهها المُحاط بحجابٍ لونه ليموني: "لقد قتلوه لأنَّه عارَض الحكومة. وأي شخصٍ في المعارضة مُعرَّض لخطر حدوث ذلك في هذه الايام".

وقال ناشطون وبعض الضحايا وأسرهم إنَّ وفاة سعيد تأتي في إطار ارتفاع حالات القتل غير القانوني وغيرها من صور الانتهاكات التي ترتكبها الدولة في الأشهر الأخيرة في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وأضافوا أن هذه الزيادة الكبيرة بدأت منذ زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط في مايو/أيار الماضي، التي حثَّ فيها رؤساء بعض الدول العربية على اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد المتطرفين الإسلاميين، وأوضَح أن حقوق الإنسان لن تُمثِّل أولويةً كبيرة بالنسبة لإدارته في تعاملاتها مع الحلفاء الإقليميين.

وكانت قوات الأمن الوطني قد اعتقلت العشرات من أعضاء أحزاب المعارضة. وحُجِب أكثر من 100 موقع إلكتروني اعتبرها النظام تنتقد حكومة السيسي. واحتُجِزَ محامون ونشطاء حقوقيون بسبب تنظيم احتجاجات، وجُمِّدت أموالهم وممتلكاتهم. وقال محامون وقضاة إنَّ السلطة القضائية مكتظة بموظفين مؤيدين للسيسي، وفق الصحيفة الأميركية.


تضاعف حالات القتل


وفي يوليو/تموز فقط، أُبلِغَ عن 61 حالة قتل غير قانوني، أي ضعف عدد القتلى على مدار الأشهر الستة التي سبقت هذا الشهر، وفقاً لما ذكرته المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

وقالت أسماء نعيم، البالغة من العمر 27 عاماً وهي محاميةٌ حقوقية في مدينة الإسكندرية الشمالية: "صارت حملات الاعتقال أكثر وحشية، وأصبحت أعداد الأشخاص المستهدفين والجماعات المستهدفة مُخيفة. بل إنَّ ذلك يطول الأشخاص غير المنشغلين بالسياسة كذلك، وليس الناشطين السياسيين فقط".

ولم ترُد الحكومة المصرية على طلباتٍ متكررة للتعليق على هذه المسألة.

وكانت إدارات أميركية سابقة قد أدانت رؤساء مصريين بسبب انتهاكاتهم في مجال حقوق الإنسان، وضغطت عليهم من أجل تحقيق إصلاحاتٍ ديمقراطية، وغالباً ما كانت تستخدم المساعدات الأميركية العسكرية التي تتلقاها مصر بقيمة 1.3 مليار دولار أميركي، والتي تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد قيمة المساعدات الأميركية لإسرائيل، كوسيلة ضغط.

وكان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد جمَّد جزءاً من هذه المساعدات لمدة عامين بعدما أطاح الجيش المصري بقيادة السيسي حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي المنتخبة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين من الحكم.

لكنَّ ترامب احتضن السيسي، حتى أنَّه دعاه إلى البيت الأبيض، وهو شيءٌ لم يفعله أوباما مُطلقاً. واعتبر الكثيرون زيارة ترامب إلى السعودية ترسيخاً لعلاقةٍ جديدة تُركز على مكافحة الإرهاب.

وقال جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: "شجَّعَت الزيارة الحكام العرب لأنَّ إدارة ترامب ستقبل أي انتهاكات يرتكبونها ضد شعوبهم. وهو ما أعطى السيسي الضوء الأخضر لزيادة القمع. لقد مُنِحَ تفويضاً".

وفي مطلع الأسبوع الماضي، أعلنت الولايات المتحدة بأنَّها ستقطع أكثر من 290 مليون دولار من المساعدات العسكرية والاقتصادية، وذلك جزئياً للرد على قانونٍ مصري جديد يُقوِّض عمل المنظمات غير الحكومية. وقال مسؤولٌ في وزارة الخارجية الأميركية طلب عدم الإفصاح عن هويته وفقاً للبروتوكول الدبلوماسي: "لا نزال قلقين حيال عدم إحراز أي تقدم في مجالاتٍ رئيسيةٍ، من بينها حقوق الإنسان والقانون الجديد للمنظمات غير الحكومية".

وفاجأت التخفيضات العديد من المراقبين وأغضبت حكومة السيسي. ولكن في يوم الخميس الماضي، 24 أغسطس/آب، التقى جاريد كوشنر، صهر ترامب وكبير مستشاريه، السيسي في العاصمة المصرية القاهرة. وقال مكتب السيسي إنَّ ترامب اتصل به هاتفياً للتأكيد على "قوة الصداقة بين البلدين"، وإنَّ محادثتهما "أظهرت حرص ترامب على تجاوز أي عقباتٍ تواجه هذه الصداقة"، وأكَّد مسؤولٌ أميركي إجراء هذه المكالمة.

وقال مسؤول وزارة الخارجية الأميركية إنَّ الإدارة الأميركية "ستواصل دعم مصر في القضاء على المتطرفين والإرهاب". وقال مسؤولون أميركيون إنَّه ينبغي حصول مصر في نهاية المطاف على 195 مليون دولار من المساعدات المشروطة المُخصصة لمكافحة التهديدات الأمنية الداخلية والإرهاب".

ولكن تحت ستار مكافحة الإرهاب، تقمع قوات الأمن كذلك إسلاميين معتدلين ومُعارضين علمانيين، فضلاً عن وسائل إعلام مستقلة. ومنذ توليه منصبه في عام 2014، سَجَن السيسي الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت محظورةً حالياً.

ومع انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها العام القادم يواجه السيسي انتقاداتٍ متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار وانخفاض الدعم الحكومى. ويقول نقادٌ إنَّه يُحكم قبضته على المعارضة لمنع تكرار الثورة التي أطاحت بالرئيس المصري الاسبق حسني مبارك أثناء الربيع العربي قبل سنوات.


"لقد قتلوه"


كان سعيد يزور الإسكندرية حين اختفى. وسافر أحد أصدقائه إلى هناك للعثور عليه، فاختفى أيضاً. وقالت سارة إنَّ عملاء تابعين للأمن الوطني داهموا شقة أسرتها فى القاهرة. ورفعت الأسرة دعوى قضائية إلى الحكومة ووكَّلت محامياً حقوقياً.

وعلى مدار الشهر التالي، بحثت هي وأسرتها عن والدها في أقسام الشرطة والسجون. وبعد ذلك، في أواخر يونيو/حزيران، ذكرت وزارة الداخلية المصرية في بيانٍ على صفحتها على موقع فيسبوك أنَّ سعيد قُتِل في اشتباكٍ مع الشرطة.

وقالت سارة: "رميتُ هاتفي وصرخت: "لقد قتلوه. لقد قتلوه"".

وبعد يومين، أصدرت الوزارة بياناً آخر تقول فيه إنَّ صديق سعيد قُتِل أيضاً في اشتباكٍ مُسلَّح مع الشرطة.

بعد 4 أيامٍ من زيارة ترامب إلى السعودية، حُجِبَ الموقع الإلكتروني لصحيفة "مدى مصر" المصرية المستقلة. وقالت لينا عطا الله، رئيسة تحرير الصحيفة، إنَّها اعتقدت في البداية أن هناك عطلاً في شبكة الإنترنت. وأضافت لينا: "لم تكن مصر أبداً دولةً معتادة على حجب المواقع الإلكترونية. ولم تكن أبداً مثل الصين أو سوريا".

كانت تلك هي بداية حملة حكومية لفرض الرقابة على الإنترنت. ومع مطلع أغسطس/آب، وصل عدد المواقع الإلكترونية المحجوبة إلى 133 موقعاً، من بينها وسائل إعلام مملوكة للقطاع الخاص، ومنظمات غير حكومية، وجماعات حقوقية وفقاً لما ذكره ناشطون.

وتنشر صحيفة "مدى مصر" حالياً مقالاتٍ عبر موقعي فيسبوك وتويتر. ولكنَّ ذلك أيضاً عُرضةً للتهديد في ظل مشروع قانون مُقترَح باسم مكافحة الإرهاب كذلك يسعى لتقييد وصول الشعب إلى مواقع الشبكات الاجتماعية.

وأضافت لينا: "قبل الثورة، كان هناك هامشٌ ضئيلٌ يمكننا العمل فيه بصفتنا صحفيين مستقلين، أو مدافعين عن حقوق الإنسان، أو ناشطين في مجال حقوق المرأة. والآن، صار هذا الهامش أضيق من أي وقتٍ مضى".

وكان البرلمان المصري قد أقرَّ قانون المنظمات غير الحكومية في 2016، لكنَّه أُرجِئ بعد استنكاره دولياً. وبعد 8 أيامٍ من زيارة ترامب للمنطقة، صدَّقت الحكومة على قانونٍ مماثل يُصعِّب على المنظمات جمع التبرعات، ويمنعها من الاشتراك في أنشطةٍ سياسية "تضُر بالأمن القومي". وقد يواجه مُخالفوه أحكاماً بالسجن تصل إلى 5 سنوات.

وقال نور خليل، وهو ناشطٌ حقوقي مصري: "يعني ذلك وفاة المجتمع المدني".

وفي عهد السيسي، اختفى آلاف الأشخاص في غياهب جهاز الأمن الوطني، ولم يُعثَر على معظمهم إلا مؤخراً في مراكز الشرطة في نهاية المطاف، وغالباً ما يكون ذلك بعد تعرُّضِهم للتعذيب، وتوجيه الاتهامات إليهم. وقال خليل، وهو شخصٌ نحيف يبلغ من العمر 24 عاماً وتكسو وجهه لحيةٌ خفيفة، وكان محتجزاً وسجيناً سابقاً ويتعقب حاليّاً حالات "الإخفاء القسري": "الآن أكبر آمالنا هو أن نجد الشخص المختفي على قيد الحياة".


"يبعثون رسالةً"


كان خالد علي، وهو محامٍ حقوقي وسياسي مُعارض، قد اعتُقِل بتهمة "انتهاك الآداب العامة" بعد يومٍ من مغادرة ترامب السعودية.

واستندت هذه الاتهامات إلى صورةٍ يعود تاريخها إلى يناير/كانون الثاني، تُظهِر خالد علي أثناء احتفاله خارج إحدى المحاكم بعد رفض قرارٍ حكومي بتسليم جزيرتين في البحر الأحمر إلى السعودية.

وتزعُم النيابة العام أنَّ خالد علي ظهر في الصورة رافعاً إصبعه الوسطى.

لكنَّ بعض الناشطين المؤيدين للديمقراطية رأوا دافعاً مختلفاً وراء هذه الاتهامات، التي جاءت بعد 4 أشهر من وقوع الحادث. إذ إنَّ خالد علي هو مؤسس حزب العيش والحرية، وأعلن مؤخراً نيته الترشُّح للرئاسة. وفي حال إدانته، سيواجه السجن لمدة سنة وغرامة.

وسيُحرم قانوناً من الترشح للرئاسة.

وقال علي: "إنَّهم يبعثون رسالةً لتخويف المجتمع".

وكان العشرات من عدة أحزابٍ سياسية قد اعتُقلوا في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران الماضيين بمداهماتٍ في وقتٍ متأخر من الليل، من بينهم 30 عضواً من حزب العيش والحرية. ولا يزال 5 منهم في السجن.

وأضاف علي: "يستخدم السيسي الإرهاب ذريعةً لفعل كل ما يريده. وهو يحاول الآن السيطرة على المشهد السياسي باسم مكافحة الارهاب".

ويُحتَجَز الأعضاء على خلفية ما وصفته منظمة العفو الدولية بأنَّه "سلسلةٌ من اتهاماتٍ ذات صياغةٍ غامضة متعلقة بالإرهاب". وإذا ثبتت إدانتهم، قد يُحكَم عليهم بالسجن لمُددٍ تتراوح بين 5 أعوامٍ و25 عاماً.

وقالت أسماء نعيم، المحامية الحقوقية في محافظة الإسكندرية التي تحمل كذلك عضوية حزب العيش والحرية: "عادةً ما نتعرض لمضايقات، ولكن حالياً، صارت المضايقات أعنف وأوضح".

وفي منتصف يونيو/حزيران، اعتُقلت أسماء و5 محامين آخرين بتهمة الاحتجاج على قرار البرلمان بتسليم الجزيرتين إلى السعودية رغم قرار المحكمة ببطلان قرار التسليم. ووُجِهَت إليهم تهمة التظاهر دون تصريح، وفُرِضت غرامةٌ قدرها 2700 دولار أميركي على كلٍّ منهم. بالإضافة إلى سَجن أحد المحامين.

وقال ناشطون إنَّ هناك قانوناً صُدِّقَ عليه في مارس/آذار يسمح للسيسي بتعيين القضاة، وأنَّه أقال مؤخراً قاضيين بارزين وعيَّن بدلاً منهما قاضيين مواليين للحكومة. وجديرٌ بالذكر أنَّ أحد القاضيين المُقالين هو يحيى الدكروري، القاضي الذي حَكَم ببطلان قرار تسليم الجزيرتين في العام الماضي.

وأكد المحامي الحقوقي جمال عيد: "لم أعُد أثق بالنظام القضائي".

وأضاف أنَّه لا يؤمن على الإطلاق بأنَّ العقوبات الأميركية ستضغط على السيسي لاحترام الحريات الأساسية أو تحسين حقوق الإنسان.

وعلى نحوٍ متزايد، تضيق الأرض بما رحبت على عيد، وذلك في ظل منعه من السفر خارج البلاد وتجميد أصوله وممتلكاته. وفي هذا الشهر، حُجِب الموقع الإلكتروني لمُنظَّمته غير الحكومية.