عاد من ألمانيا لعلاج ضحايا داعش.. طبيب نفسي رجع للعراق لتأهيل الفارّين من تنظيم الدولة.. وهذه خطته

تم النشر: تم التحديث:
THTH
Age Fotostock

الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، ولا سيما العراق وسوريا، خلّفت عدداً من الضحايا النفسيين الذين نجوا من ويلات الحرب جسدياً، لكنهم لم يفلتوا نفسيا، مما استلزم علاج هؤلاء الضحايا؛ بسبب ما شاهدوه من عنف على يد داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة الأخرى.

ومن بين الأطباء الذين اهتموا بالجانب النفسي للضحايا الطبيب النفسي الكردي-الألماني يان إلهان كيزيلهان، الذي عالج أكثر من 1000 شخص هربوا من جحيم داعش، عاد من ألمانيا إلى شمال العراق بخطة لإنقاذ العديد من الضحايا النفسيين، بحسب تقرير لموقع "ديلي بيست" الأميركي الأربعاء 30 أغسطس/آب 2017.

الخطة التي جاء بها الطبيب الكردي والمدعومة من ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية، بدأت بتدريب جيلٍ جديد من أخصائيي علم النفس والصدمات النفسية، والذين يعتقد أنَّهم سيكونون من ضمن الأطباء الأكثر جاهزية في الشرق الأوسط.

وسعت مُختلف المنظمات غير الحكومية والمبادرات الحكومية لسد العجز، بما في ذلك برنامج اللجوء الخاص بولاية بادن فورتمبيرغ، والذي نقل بعض النساء والأطفال الأكثر تضرراً من الناحية النفسية في شمال العراق إلى جزءٍ من العالم يمكنهم فيه الوصول بسهولة أكبر إلى الرعاية الصحية النفسية المناسبة.

ويتباهى الطبيب الكردي بأنَّه من بين 1100 مستفيد من البرنامج، معظمهم من النساء اللاتي احتُجِزنَ مع أطفالهن كسبايا لدى تنظيم داعش، لم يقتل أحدهم نفسه، عكس بعض الناجين الآخرين من داعش الذين لم يحصلوا على مكانٍ في البرنامج، بحسب الموقع الأميركي.

sss

واستثمرت ولاية بادن فورتمبيرغ 1.3 مليون يورو، وهو جزء صغير من ميزانيتها السنوية، في معهد كيزيلهان الجديد، الذي يهدف إلى تدريب الخبراء في مكانٍ يحتاج إليهم.

ويقع معهد علم النفس والصدمات النفسية فوق تلةٍ مُشذبة بعناية في جامعة دهوك ب بشمال العراق.

وعلى بُعد مسافةٍ قصيرة بالسيارة، يعيش مئات الآلاف من النازحين في مخيماتٍ مترامية الأطراف، كل واحدٍ منهم أتى في أعقاب هجرةٍ جماعية إثر تقدم تنظيم داعش، أو بسبب التفجيرات والاشتباكات. وعلى بُعد 40 ميلاً إلى الجنوب، تجد أجزاءً من مدينة الموصل، التي دُمِّرَت في معركةٍ استمرت عدة أشهر لطرد تنظيم داعش من المدينة المُكتظة بالسكان. وعلى بُعد 40 ميلاً إلى الغرب، يوجد المستنقع السوري. وعلى الرغم من الحرم الجامعي الذي لا تشوب مظهره شائبة، يظهر على جميع من في الجامعة تأثرهم بالحرب.

قصص للفارّين من جحيم داعش

ونجت هيوان آفسان عمر، السكرتيرة بالمعهد والتي تبلغ من العمر 26 عاماً، من هجومٍ لداعش عام 2014 على قريتها؛ فقط لأنَّها كانت في الجامعة! واختطف المُسلحون أفراداً آخرين من أسرتها، فرّ بعضهم منذ شهور. وقد قضى ابن عم هيوان، والذي يبلغ من العمر 7 سنوات، عامين ونصف العام في الَأسر، وعاد إلى المجتمع غير قادر على التحدث بلغته الكردية الأصلية، وحائراً بشأن هوية والديه وموطنه الأصلي.

ويتعرض البرنامج الألماني لموجة من الانتقادات لأنه يُعرض ضحايا الصدمات لضغوطٍ إضافية متمثلة في الصدمة الثقافية التي يواجهونها بعد نقلهم إلى مكانٍ أجنبي.

وقال كيزيلهان إنَّ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت من بين المنتقدين، الذين أثاروا هذا القلق حيال إبعاد الضحايا "عن جذورهم". وردَّ الفريق الألماني بأنَّه ثمنٌ هم على استعداد لدفعه في ذلك الوقت غير المستقر من أجل إنقاذ أرواحهم. وقال كيزيلهان: "في العراق يعيشون في المخيمات، وآباؤهم قُتلوا، ليس لديهم جذور! إنَّه أمرٌ سخيف، هم بحاجة إلى الاستقرار والأمن قبل أنَّ يتمكنوا من التحدث عن شعورهم بالاغتصاب والعجز. كيف يمكن القيام بذلك في خيمة؟"، بحسب "الديلي بيست".

عملية طوارئ وليست حلاً دائماً

وكان كيزيلهان ومديرو البرامج حريصين دائماً على توصيف البرنامج كعملية طوارئ وليس حلاً مستديماً لأزمة الصحة النفسية الأكبر في العراق. وهم فخورون بأنَّ برنامجهم قد ألهم منذ ذلك الحين برامج لجوء مماثلة طارئة بولايات ألمانية أخرى وفي كندا، ولكنَّهم يدركون أنَّ مجرد تصدير ضحايا الصدمات بالعراق إلى البلدان المتقدمة لا يُعد، في نهاية المطاف، حلاً طويل الأجل، بحسب الموقع الأميركي.

وجنَّد معهد دهوك دفعته الأولى المكونة من 30 طالباً من طلاب الدراسات العليا من السكان المحليين فقط. ومعظمهم ممرضات وعاملون اجتماعوين مُدربون، وأكثر من نصفهم حاصلون على درجة البكالوريوس في علم النفس. وهم ملتزمون جميعاً بالبقاء في العراق.

ويتطلب البرنامج الذي يلتزم بمعايير ألمانيا الصارمة من الطلاب إكمال 4200 ساعة من التعليم و1800 ساعة من العمل الميداني، والذي يتوافر الكثير منه في العراق.

وبينما يواصل داعش فقدان آخر أراضيه في العراق، فإنَّ المدنيين الذين عانوا تحت سيطرة التنظيم سنوات يعودون إلى المجتمع متأثرين بجروحٍ نفسية عميقة. من بين هؤلاء صبي يبلغ من العمر 9 أعوام يُدعى أكرم، اختطفه داعش من أسرته في سن السادسة، وأدخله التنظيم في معسكر تدريب قتالي، شُجَّع فيه على التطوع كانتحاري.

وعندما هرب من خاطفيه واجتمع مع أفراد عائلته الباقين على قيد الحياة في وقتٍ سابق من هذا العام، فوجئوا بشدة تغيره. فعلى الرغم من كونه يزيدي وليس مسلماً، كان يتلو آياتٍ من القرآن الكريم. وكان يشكو كذلك من الكوابيس، وكان عنيفاً تجاه الأطفال الآخرين. وأحياناً، كان يمسكه عمه وهو يؤدي تمارين تعلمها في معسكر تدريب داعش، وكان يقول له عمه بلطف: "هذه الأشياء لا نؤديها هنا".

الآن، يُعالَج أكرم تحت رعاية فريق من الطلاب والمشرفين من معهد كيزيلهان. ويلتقي ناجي حاجي، وهو أحد طلاب الدراسات العليا الذين يعملون على حالته، مع الصبي وعائلته مرة في الأسبوع.

وقبل أنَّ يبدأ حاجي وزملاؤه في علاج جذور صدمة أكرم، يعملون أولاً على اكتساب ثقته وإعادة أقلمته على أمور حياته اليومية، والتي تتمثل في الذهاب إلى المدرسة واللعب مع الأطفال الآخرين، بحسب "الديلي بيست".

حاجي متفائل بشأن أكرم، ويقول إنَّه "ذكي وقادر على تكوين علاقاتٍ مع البالغين والأطفال". ويوافقه كيزيلهان، الذي تعرَّف أيضاً على أكرم، ويقول: "مهارات التواصل هذه ساعدته على البقاء على قيد الحياة عامين ونصف العام في داعش. والآن، يستخدم هذه المهارات نفسها من أجل النجاة".

سيواصل الفريق العمل مع أكرم؛ حتى لا يحتاج إلى دعمٍ إضافي، ويقولون إنَّه من الممكن أن يحتاج إلى عامين آخرين. وفي تلك المرحلة، سيكون تمويل ولاية بادن فورتمبيرغ للمعهد قد نفد تقريباً، وسوف يكون كيزيلهان، الذي يعمل فقط عميداً للمعهد حتى عام 2020، في طريقه للخروج. ولكن في الوقت نفسه، هو وزملاؤه مُصممون على جعل المعهد مكتفياً ذاتياً.

وهم يُدربون بالفعل بعض الطلاب من الدفعة الأولى ليأخذوا زمام المبادرة، بل وليكرروها في مدنٍ عراقية أخرى. ويقول كيزيلهان: "هدفنا هو الحصول على المزيد والمزيد من المعالجين النفسيين في العراق. وإذا فعلنا الشيء نفسه في جامعات أربيل والسليمانية، فربما في غضون السنوات العشر القادمة سيكون لدينا 1000، و2000، و6000 طبيب نفسي. ولكن علينا أنَّ نكون واقعيين، فبعض الأطباء النفسيين الإضافيين لن يكونوا كافيين للعراق أو للمنطقة. لكن هذه هي الخطوة الأولى".