أحدهم ساعد سيدة تسير بكرسي متحرك والآخر حرفي يصلح التلفيات بالمجان.. اللاجئون السوريون يحاولون ردَّ الجميل لضحايا إعصار "هارفي"

تم النشر: تم التحديث:
SS
Age Fotostock

على مدار الأسبوع الماضي، وإعصار "هارفي" يضرب ولاية تكساس الأميركية ومدنها، ومنها مدينة نيوهيوستن، التي فتحت أحضانها للاجئين السوريين الذين يحاولون الآن رد الجميل للمكان الذي استقبلهم.

ورصد تقرير للنسخة الأميركية من موقع "هاف بوست" الأربعاء 30 أغسطس/آب ،2017 ما قام به اللاجئون السوريون تجاه المدينة الأميركية المنكوبة.

في البداية، كان أطفال ديانا حالاو، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات، يعتقدون أنَّ صوت إعصار "هارفي" كان أمراً مألوفاً أكثر بالنسبة لهم؛ القنابل.

جاءت ديانا، التي تبلغ من العمر 28 عاماً، برفقة عائلتها إلى هيوستن من سوريا كلاجئين في أغسطس/آب الماضي، وحتى وقتٍ قريب، كانت تُخطِّط لإقامة حفلٍ بغرض الاحتفال بقضائهم عاماً واحداً في الولايات المتحدة. لكن في الأيام التي سبقت الإعصار، ذهبت بدلاً من ذلك 5 مرات إلى محل البقالة، وعادت في كل مرة تذكرت فيها عنصراً آخر قد تحتاجه عائلتها استعداداً للعاصفة. ومرت على منازل جيرانها؛ للتأكد من أنَّ لديهم ما يكفي من الغذاء والماء. وبحلول يوم الأحد، غمرت المياه الطرق المحيطة بمنزلها؛ الأمر الذي أجبرها على البقاء في المنزل.

تُعد ولاية تكساس الأميركية ثاني أعلى الولايات في استقبالها للاجئين، وينتهي الحال بكثيرٍ منهم في نهاية المطاف بهيوستن. وفي عام 2015، حاول غريغ أبوت، عمدة ولاية تكساس، منع اللاجئين السوريين من دخولها، وعندما فشل في ذلك، قرر الانسحاب من برنامج إعادة التوطين تماماً. (لا تزال الحكومة الفيدرالية تُعيد توطين الناس في ولاية تكساس دون مساعدةٍ من حكومة الولاية). وكان أحد أول الأعمال التي قام بها الرئيس دونالد ترامب بعد الفوز بمنصبه هو توقيع أمرٍ تنفيذي يُوقف قبول اللاجئين مؤقتاً، ورغم أنَّ بعض أجزاء هذا القرار قد تم وقف العمل بها في المحاكم، فقد انخفضت نسبة إعادة توطين الوافدين الجدد بصورةٍ ملحوظة.

الرغبة في رد الجميل

sss

لكن، على الرغم من وجودهم في بيئةٍ معادية سياسياً، يقول لاجئو هيوستن إنَّهم يشعرون بأنَّهم مرتبطون بوطنهم الجديد، ويبحثون عن طرقٍ لدعم مجتمعهم إلى أن تنتهي العاصفة الاستوائية التي تجتاح المدينة.

قالت ديانا في مقابلةٍ هاتفية يوم الثلاثاء 29 أغسطس/آب: "أنا حزينةٌ جداً لأنِّي أحبُ هيوستن، وأحبُ جميع الناس هنا، فهم شديدو اللطف. كل ما آمله أن يكون كل شيء على ما يرام. لا تنسوا أن تصلّوا من أجلنا، وبعد انتهاء العاصفة، من الممكن أن تزورونا يوماً ما، لنعدُ لكم طعاماً عربياً".

تعمل ديانا، وهي مدرّسة سابقة للغة الإنكليزية في سوريا، مدرّسةً بمؤسسة أمانة غير الربحية لخدمات اللاجئين في هيوستن. فيما يعمل زوجها، الذي كان يعمل محاسباً في سوريا، حِرَفياً. وبمجرد توقف المطر، يخطط لتقديم خدمات إصلاح مجانية لضحايا الفيضان، وفقاً لقول زوجته.

وتُعد الرغبة في رد الجميل إلى البلاد التي احتضنتهم أمراً شائعاً بين اللاجئين في هيوستن.

إذ قال نزار أحمد موماند، وهو لاجئ سابق يعيش الآن في هيوستن: "يرحب هؤلاء الناس بنا هنا في الولايات المتحدة، ويقبلوننا؛ لذا نشعر بالفخر؛ لأنَّنا ساعدنا شخصاً ما. ولأنَّنا جميعاً بشر، نساعدهم".

وفي يوم السبت، ساعد موماند وغيره من المتطوعين من المركز الثقافي الأفغاني (مجموعة مجتمعية يعمل موماند كأحد مديريها) رجال الإطفاء الذين علقت شاحنتهم بالشارع في استخدام خراطيمهم؛ حتى يتمكنوا من إخماد نيران المنازل. وكان لدى المجموعة نحو 20 متطوعاً عُنوا بتوزيع اللوازم، وساعدوا الناس على وضع ممتلكاتهم في مستوياتٍ أعلى، ونقلوا الأسر إلى أماكن آمنة.

sss

لكن خلال العاصفة، تُركز المجموعة على مساعدة أي شخصٍ في المجتمع بحاجة إلى المساعدة. وقال موماند إنَّ هيوستن استقبلته هو وأسرته عندما جاءوا إلى الولايات المتحدة من أفغانستان؛ لذا يريدون مساعدة الناس قدر الإمكان.

محمد بيشوال هو أحد المتطوعين بالمركز الثقافي الأفغاني، والذي يعيش في هيوستن منذ عامٍ تقريباً مع زوجته وأطفاله الثلاثة. مثل موماند، جاء بيشوال إلى الولايات المتحدة بتأشيرة خاصة للمهاجرين، مخصَّصة للأشخاص الذين عملوا مع الجيش أو الحكومة الأميركية في العراق وأفغانستان. لم يتعرَّف بيشوال على جيرانه إلا لماماً؛ بسبب انشغاله، فهو يغادر كل صباح في نحو الساعة 6:30 صباحاً للذهاب إلى وظيفته كمدير محل لغسل السيارات. ولم يتطوع في المركز الثقافي الأفغاني إلا بحلول العاصفة.

لكن في يوم الجمعة، وبمجرد أن استقرت عائلته بأمان في شقةٍ بالطابق الثاني من بنايتهم، ذهب إلى المركز الثقافي الأفغاني لرؤية ما يمكن أن يفعله. وبالإضافة إلى مساعدة الناس في المركز، خرج بيشوال وابن عمه صباح يوم الثلاثاء 29 أغسطس/آب؛ لمساعدة الناس على شحن بطاريات السيارات الفارغة. وقد أمضى بيشوال وقتاً آخر في الاتصال بموظفيه في محل غسل السيارات (بعضهم لاجئون أيضاً)؛ ليطمئن على أحوالهم في التعامل مع العاصفة.

وقال بيشوال: "كبشر، يجب أن يساعد بعضنا بعضاً".

استقبال الأسر المتضررة

sss

يعيش باسل مسلي في شقةٍ بحي ميرلاند في هيوستن، وهو لاجئ سوري وأحد المشرفين على إعادة التوطين بمؤسسة خدمات اللاجئين في هيوستن بولاية تكساس. وقد أمضى الأيام القليلة الماضية في الاطمئنان على العائلات التي يقدمون لها الدعم، وعلى زملائه، إلى جانب القيام بما يمكن عمله لمساعدة الحي.

وقد استقبل هو وزوجته وابنه، البالغ من العمر عامين تقريباً، عائلةً سورية أخرى ليلة السبت 19 أغسطس/آب، في الليلة ذاتها التي انقطعت فيها الكهرباء عن مبناهم السكني يومين. وقال مسلى إنَّه وزوجته السورية كانا معتادين انقطاع التيار الكهربائي في وطنهما، إلا أنَّها كانت تجربةً جديدة لابنهما الصغير المولود بهيوستن، والذي أصبح يسير في المنزل، قائلاً "انقطعت الكهرباء" منذ ذلك الحين.

وقال مسلي إنَّ شقتهم لم يُصبها أى ضرر، ولكن يوم الأحد 20 أغسطس/آب، بلغت مياه الفيضان خارج المجمع السكني مستوى الركبة وأكثر. كان هناك أشخاص في الزوارق والقوارب يساعدون جيرانهم على إخلاء منازلهم، بمن فيهم امرأة على كرسي متحرك نُقلت إلى مجمع مسلي السكني، حيث ساعدها على الوصول لمنزل صديقتها.

كان كل اللاجئين السابقين الذين اتصل بهم موسلي بخير، لكن لحقت بعض الأضرار بمنازل أو سيارات بعضهم واضطروا إلى المغادرة. وقال إنَّ بعض الوافدين الجدد فوجئوا بمدى سوء الأمور، وذلك رغم بذل مؤسسة خدمات اللاجئين في تكساس قصارى جهدها لتجهيزهم.

وقال مسلي: "لم يتوقعوا أنَّ الأمر سيكون بهذه الصعوبة".

ويشعر عمال إعادة توطين اللاجئين بالقلق تجاه الخسائر النفسية التي سيتسبب فيها الإعصار في نفوس الأشخاص الذين اقتُلِعُوا من حياتهم السابقة وشرعوا في رحلةٍ استمرت سنوات بغرض إيجاد منزلٍ آمن، ليجدوا أنفسهم مرةً أخرى في طريق الأذى. وقالت سيلين إسكاليرا، مديرة العلاقات المجتمعية في التحالف من أجل الخدمات المجتمعية متعددة الثقافات (وهي منظمة غير ربحية تُقدِّم خدمات إعادة التوطين للاجئين): "يمكن لإعادة التوطين في مدينة مثل هيوستن أن تكون تجربة مربكة في حد ذاتها، وإذا أضفتَ إلى ذلك حدوث أزمة، وحادثة كارثية، فستكون النتيجة عواقب وخيمة على الصحة النفسية".

يعمل أولئك الذين عاشوا في هيوستن عدة سنوات على إنشاء نظام دعم ليُشعروا القادمين الجدد بمزيدٍ من الأمان. وجاءت غادة باياتي، التي تبلغ من العمر 49 عاماً، إلى هيوستن قبل 8 أعوام من العراق، عن طريق الأردن. وقد قُتل زوجها على يد مجموعة متجمهرين بالعراق عام 2003 بينما كانت حاملاً في طفلها الثالث. وبعد أن كافحت للتكيُّف مع الحياة في هيوستن، التحقت غادة ببرنامج في مؤسسة أمانة للأمهات الوحيدات، وقالت عنه: "لقد جعلوني ما أنا عليه الآن". الآن، تدير غادة البرنامج، الذي يساعد 32 امرأة لاجئة من الأمهات الوحيدات على تعلُّم اللغة الإنكليزية، والعثور على العمل، وإدارة شؤونهن المالية، والتكيف مع ثقافةٍ جديدة.

كانت غادة في اتصالٍ مستمر مع 32 امرأة من البرنامج، وكانت تقدم لهن المشورة وكلمات التشجيع لتهدئة روعهن حتى ينتهي الإعصار. وتقول: "قلتُ لهن إنَّ بإمكانهن الاتصال بي في أي وقت، ليلاً أو صباحاً، في أي وقت؛ لأنَّ هاتفي معي دائماً. لا أتركه أبداً".

وكانت غادة، التي راقبت تيار المياه من مرآبها، تُبقي عينيها على جيرانها. وتقول إنَّهم في حال غادروا، فستتبعهم. إنَّها قلقة على نفسها وسلامة أطفالها، لكنَّها حريصة على عدم السماح لعملائها باستشعار خوفها، وشغلت نفسها بدلاً من ذلك بالتركيز على احتياجاتهم. وقد أسدت المشورة إلى امرأةٍ في أثناء انقطاع التيار الكهربائي، وهي تبحث بالفعل عن سبل تُمكِّن النساء اللاتي غُمرت سياراتهن من تعويض الضرر. وقالت: "أقول لهنَّ أن يكنَّ قويات. أعرف أنَّه من الصعب جداً على أي أم عزباء أن تتكيف مع حياتها كلاجئة. على الأقل لديهن شخصٌ يستطعن الاتصال به في أي وقت".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هاف بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.