سوريون يفضِّلون الحصار مع داعش عن الاحتجاز بمعسكرات الأكراد.. هكذا أصبح التنظيم يعامل النساء في أيامه الأخيرة

تم النشر: تم التحديث:
RAQQA
Zohra Bensemra / Reuters

أوضاع تفوق تصور البشر يعيشها سكان الرقة عاصمة داعش المحاصرة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، فيما يعاني اللاجئون الذين فروا من داعش من الاحتجاز في معسكرات اعتقال تسمى معسكرات نزوح، تسيطر عليها قوات قَسد التي يسيطر عليها الأكراد.

لم يعد مشهد الدمار أو الجثث التي تنهشها الكلاب يلفت الأنظار في الرقة، بل ما قد يجذب الانتباه هو وجود شجرة ما زالت تحتفظ بأوراقها وسط هذا الخراب، حسب وصف تقرير لمجلة التايمز البريطانية نشرته بي بي سي.


ماذا يأكلون؟


المدنيون في الرقة يأكلون العشب، ولا أحد ينتشل الجثث المنتشرة"، بينما "تنظيم الدولة لديه مخازن خاصة للطعام ممنوعة على المدنيين"، حسب التايمز.

التنظيم أبلغ من أول يوم للمعركة المدنيين بأنه "لا يجب أن يتوقع أي شخص بأن يشارك عناصر التنظيم الطعام، لأنها للمجاهدين الذين يدافعون عن المدينة بأرواحهم"، حسبما نقل تقرير التايمز عن تيم رمضان، الناشط الذي بقي في المدينة منذ بداية الثورة السورية.

ونقل كاتب التقرير عن تيم رمضان، قوله "ما من أحد يدفن القتلى والجثث ملقاة في الشوارع"، مضيفاً أن "منظر الجثث الملقاة أضحى أمراً اعتيادياً للعين، حتى لا أحد يعطيها أي اهتمام".

وأضاف أن ما يلفت انتباهه عندما يرى شجرة صامدة مغطاة بأوراق الأشجار.

وقال التقرير إن "عدد المدنيين الذين قُتلوا في الرقة يعد كبيراً نسبياً، وهو أعلى من 700 شخص مع نهاية الأسبوع الماضي"، بحسب المرصد السوري ومركزه بريطانيا.

ويعتقد رمضان أن سبب سقوط الكثير من القتلى المدنيين هو أن العديد من العائلات فروا من الخطوط الأمامية للقتال، وقرّروا البقاء معاً، لذا فإن ضربة جوية واحدة تحصد العشرات من هذه العائلات.

ويقول رمضان إن "الأدوية نفدت من الرقة منذ 34 يوماً، كما نفد الطعام منذ 10 أيام"، مضيفاً أنهم يقتاتون على العشب، ويغلون أوراق الأشجار ويضيفون إليها الخبز الجاف ليستطيعوا تناولها".

ويضيف أن العديد من الأشخاص يبحثون عن الطعام في أي مكان، حتى في المطابخ التي هجرها تنظيم داعش، إلا أن الكثيرين منهم تعرضوا للاعتقال، وقيل لهم إنهم "لصوص".


فواتير كهرباء الخلافة


ولم يكتفِ مسلحو داعش بمنع الطعام عن السكان الذين يتضورون جوعاً، بل هم ينتقلون من بابٍ إلى باب، طالبين من السكان دفع فواتير المياه والكهرباء، بعد أن أصبح يركز على بقائه، وفقاً لما ذكر تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

وفي السابق كانت الميادين العامة للرقة عاصمة داعش ممتلئة بالجثث المُتحلِّلة لأولئك الذين خالفوا القوانين الدينية أو البيروقراطية لداعش.

ولكن الآن، وبدلاً من الفرض الصارِم لمراسيم منع التدخين وقوانين الزي، أصبح مقاتلو التنظيم الآن يفعلون ما باستطاعتهم للمحافظة على المناطق التي لا يزالون يسيطرون عليها، وجمع العائدات الضرورية للحفاظ على استمرار التنظيم مالياً.

كانت الحياة في الرقة وأماكن أخرى تخضع للكثير من القوانين المتعلقة بالحياة اليومية التي كان السكان يعانون من أجل الالتزام بها كلها.

وتراوحت المحظورات بين بناطيل الجينز الضيقة للرجال (لكونها غربية أكثر من اللازم وشديدة الاستفزاز)، إلى مُعلَّبات فطر عش الغراب (لإضافة المواد الحافظة لها)، إلى السجق (لأنَّ التنظيم قال إنَّه يحتوي على لحم الخنزير).

ولكن وهنت عملية فرض القوانين مع محاصرة قوات سوريا الديمقراطية المدينة، وذلك وفقاً لما قاله سكان فرُّوا من المدينة حديثاً.

وبحسب السكان، فقد تناقص عدد نقاط التفتيش مع هجر قادة التنظيم والكثير من المقاتلين للمدينة، وتوجههم إلى محافظة دير الزور الشرقية.


المال بدل الأخلاق


ويقول الأشخاص الذين فرُّوا من الرقة، إنَّ المقاتلين قد بدأوا فجأةً في الاهتمام بالمال أكثر من الأخلاق.

وبحسب تقديرات مركز آي إتش إس لمراقبة الصراع، فقد تناقصت إيرادات التنظيم من إنتاج النفط، والتهريب، والضرائب، والمصادرة، والفدى المدفوعة مقابل المختطفين، بمقدار 80% في العامين الأخيرين.

وقال مطران، سائق التاكسي، إنَّ تنظيم داعش قد أجبره على دفع 30 دولاراً مقابل المياه والكهرباء وفاتورة خط الهاتف الأرضي، قبل أسابيع فقط من فرار أسرته.

وقال عبد المجيد عمر، 27 عاماً، إنَّ مسلحي التنظيم بدأوا في تغريم أولئك الذين يلقون القبض عليهم من المخالفين للحظر الذي فرضه التنظيم على التدخين، بدلاً من سجنهم أو جلدهم. وكان ضبط الشخص مع علبة من السجائر يؤدي إلى غرامة تقدر بـ25 دولاراً.

أما الغرامة الموقعة على من يضبط بصندوق من السجائر فكانت 150 دولاراً.


تحرير المرأة


ويقول سكان سابقون وحاليون من الرقة، إنَّ مقاتلي التنظيم قد أصبحوا شديدي الانشغال، إلى درجة أنَّ بعض النساء في الرقة قد جرؤن على الخروج إلى الشارع دون تغطية وجوههن، وأظهر بعض الرجال تمردهم من خلال التدخين في الشارع وحلاقة لحاهم.

وفي شهر مايو/أيار 2017، أطلق المسلحون سراح امرأتين دون إيذائهما، بعد أن أُجبِرتا على شراء فساتين ونُقُب جديدة تبيعها الشرطة الدينية مقابل عشرة آلاف ليرة سورية لكل قطعة، أو ما يساوي حوالي 40 دولاراً، وذلك بحسب دلال محمد، أخت إحدى المرأتين وخالة الأخرى.


مَن ذبحنا الصيني أم الباكستاني؟


وعندما واجه مسلحو التنظيم قوات أكثر عدداً وأقوى تسليحاً، حوَّلوا وحشيتهم ناحية مدنيي الرقة الذين حاولوا أخيراً الهرب من التنظيم، حيث يتم إعدام المهربين.

وقد قال طفل بعمر الـ12، يُدعى عبد الله، في أوائل الشهر الجاري، إنَّ أسرته حاولت الهرب مرتين لكنَّ مقاتلي داعش أمسكوا بهم.

وفي المرة الأولى، قال مقاتلٌ شيشاني لدى التنظيم إنَّه سيلقي القبض عليهم إذا لم يعودوا إلى منزلهم. أما في المرة الثانية، فقد قِيل لهم: "لو حاولتم الهرب مرةً أخرى فسنذبحكم جميعاً".

وقال عبد الله إنَّ التهديد بالقتل قد جاءهم من مقاتل صيني. فقاطعه أخوه الأصغر، عبد الرحمن، قائلاً: "كان المقاتل باكستانياً".

وتجادل الأخَوَان حول العِرقيات المتعددة لمقاتلي التنظيم الذين ساعدوا على تحويل مدينتهم إلى ساحة معركة مليئة بالأنقاض، وتملأ العربات المتفحِّمة والأسطح المحترقة شوارعها.

وقد منع بعض المسلحين الأسرة من الشرب من بئر الحي، زاعمين أنَّهم لم يدفعوا فاتورة المياه.

وبعد أن نجحوا في الهرب، قضوا ليلةً جائعين عطشى يتفادون المسلحين، ولما اقتربوا من الأمان، داس المهرب الذي كان يساعدهم على الفرار، على لغمٍ و"تمزق إلى أشلاء"، بحسب عبد الله.


المعاناة في الجانب الآخر


في الجانب الآخر من ميدان الصراع، لا تقلُّ معاناة اللاجئين الذين فرُّوا من داعش كثيراً عن الخاضعين لحكمه.

زكريا شحادة ( 39 عاماً) أب لثلاثة أطفال، أحدهم بُترت ساقه جراء انفجار لغم أثناء المعارك بين الفصائل الثورية وتنظيم داعش، وهي المعارك التي انتهت بسيطرة تنظيم داعش على المدينة، في فبراير/شباط 2014.

نجح شحادة في الفرار من حكم داعش في الرقة، وبمعجزة نجا من الضربات الجوية للتحالف الدولي ومن قذائف المدفعية لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" ومن حقول الألغام التي تفنن تنظيم داعش بزرعها.

ولكن بعد هذه الرحلة الشاقة قرَّر زكريا شحادة ألا يسلم نفسه لإدارة مخيم عين عيسى، الخاضع لسيطرة قوات قسد التي يسيطر عليها الأكراد.

يفسر الرجل قراره قائلاً إن سلمت نفسي لمخيم عين عيسى سيتم احتجازي حتى طرد تنظيم داعش من المدينة، والمخيم سيئ الصيت، وبسبب ما كان يصل لمسامعنا أثناء وجودنا داخل الرقة، فضّل الكثير البقاء داخل الأحياء المحاصرة، على أن يتم احتجازه داخل المخيم.

دفع شحادة مبلغاً قدره 400 دولار أميركي لمهرب يتبع لقوات قسد لكي لا يتم احتجازه في مخيم عين عيسى.

وبحسب منظمة إغاثية يوجد 10 آلاف مدني داخل مخيم عين عيسى، يعيشون أوضاعاً سيئة جراء ضعف بالخدمات المقدمة من قبل إدارة المخيم، التي تفرض قيوداً على عمل المنظمات الإغاثية داخل المخيم.


لماذا يمنعون خروج أهالي دير الزُّور؟!


تمنع إدارة المخيم خروج أبناء محافظة دير الزور، التي تسيطر داعش على أجزاء كبيرة منها، وكذلك الأمر مع من لم "تُحرر" مناطقهم من التنظيم المتطرف.

تحوَّل مخيم عين عيسى بحسب محمد العلي (29 عاماً)، سائق ميكروباص صغير في الشمال السوري لمصدر رزق للمهربين، وخاصة المدنيين من أهالي محافظة دير الزور الذين سحبت إدارة المخيم منهم الأوراق الثبوتية، ومنعتهم من الخروج خارج المخيم بحجة الانتظار "لتحرير" مناطقهم من تنظيم الدولة "داعش" في الأيام القادمة.

يقول محمد الذي تحوَّلت مهنة تهريب الناس من داخل المخيم لمصدر رزق وفير له، بالشراكة مع مجموعة من مقاتلي قسد: قرار المنع لكل مدني من دير الزور والرقة بالخروج من المخيم لم يعلن عنه، ولكن هدفه تجنيد أكبر قدر ممكن من شباب محافظة دير الزور، بهدف إشراكهم بمعركة دير الزور القادمة.

رضوان السعد من أبناء مدينة دير الزور دفع مبلغ 500 دولار للخروج، إضافة لإيجار النقل لريف حلب الشمالي التي تسيطر عليه الفصائل الثورية.

وتفتقر قوات سوريا الديمقراطية -مجموعة من فصائل كردية وعربية وسريانية وتعتبر قوات الـypg (وحدات حماية الشعب الكردية)عمودها الفقري- لمقاتلين من أبناء محافظة دير الزور، مما دفعهم لاحتجاز شباب هذه المحافظة بمخيم عين عيسى، بهدف تجنيدهم لحين بدء معركة السيطرة على المحافظة التي يتسابق على سيطرتها القوى الكبرى بالمنطقة.

ومن ينضم إلى هذه القوات يصبح لديه حرية التنقل خارج وداخل المخيم، ويحظى بمزايا كثيرة، من ضمنها استخدام شبكات الاتصال كما يقول رضوان، الذي فرَّ منهم لريف حلب الشمالي.

ويضيف بعض ممن لا يملكون المال للخروج من المخيم، قرَّروا الانضمام بعد ذلك لقوات قسد، التي قدمت لهم فوراً المزيد من الخدمات، وحرية التنقل داخل المناطق التي تسيطر عليها قسد، والتبضع من الأسواق.


لماذا يحتجزون سكان الرقة؟


وينطبق هذا الوضع على لاجئي مدينة الرقة، رغم سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" على القسم الأكبر منها.

وبينما تُواصل مجموعات قسد على مواقع التواصل الاجتماعي نشر أخبار السيطرة على شارع أو حي من المدينة، فإن ابن الرقة يظل محتجزاً داخل المخيم لحين السيطرة الكاملة لها على المدينة.

كما لا يسمح للمدنيين من أبناء المناطق التي تُسيطر عليها قسد في الرقة حالياً من العودة بسبب وجود ألغام، حسب ما تعلن قسد، الأمر الذي يمنع المدنيين المحاصرين داخل الأحياء المتبقية، تحت سيطرة تنظيم داعش من الخروج أيضاً، وهكذا تتشابه مأساة من بقي بالمدينة ومن خرج منها.