حياتهن تساوي 10 دولارات.. معاناة وتحرش يومي تعيشه النساء المهربات على الحدود ما بين المغرب وإسبانيا

تم النشر: تم التحديث:
CEUTA MOROCCO
Women load bundles onto their back for transporting them across the El Tarajal border, separating Morocco and Spain's North African enclave of Ceuta, in Ceuta on October 27, 2016. / AFP / JORGE GUERRERO (Photo credit should read JORGE GUERRERO/AFP/Getty Images) | JORGE GUERRERO via Getty Images

في الساعات الأولى من صباح يوم الإثنين، 28 أغسطس/آب، في معبر "تاراخال" الحدودي بين مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية ومدينة الفنيدق المغربية كان كل شيء عادياً، صفوف من النساء على الضفة المغربية المنتظرات أن تفتح الحدود، حتى يعبرن إلى الضفة الأخرى.

ما إن تم الإعلان عن فتح المعبر حتى تحول المشهد إلى فوضى عارمة، واشتد التدافع بين المنتظرات حول من تسبق أولاً إلى الدخول، في ذلك الصباح كانت ثورية البقالي، وكريمة الرميلي من بين الحاضرات، غير أن الحظ لم يسعف المرأتين، سقطتا أرضاً نتيجة التدافع، قبل أن تدوسهما عشرات الأقدام، مما أدى إلى وفاتهما اختناقاً.

ثورية وكريمة ضحيتان من بين آلاف النساء، ممن يصرفن على عائلاتهن من نشاط تهريب وحمل السلع القادمة من إسبانيا إلى الداخل المغربي، يعملن في ظروف قاسية، ويتعرضن لشتى الإهانات من أجل دراهم معدودات.


نساء "بغلات"


حوادث الدهس والاختناق التي تتعرض لها النساء المشتغلات في تحميل وتهريب السلع الإسبانية تتكرر كل مدة، آخرها سنة 2009، وخلفت ضحيتين هما بشرى وزهور، وقبلهما بسنة ماتت صفية سعيد في نفس الظروف.

ورغم خطر الموت فإن زهرة كشان تواصل عملها كحمالة، ففي كل يوم تصحو مع الفجر لتنتقل إلى المعبر الحدودي، منتظرة فتحه لتنال نصيبها من السلع التي يرغب التاجر صاحبها في نقلها إلى الضفة الأخرى. في كل نقلة عليها أن تحمل ما بين 50 و90 كيلوغراماً، مقابل أقل من 100 درهم (12 دولاراً).

عدد النساء الحمَّالات أو "البغلات" كما يطلق عليهن محلياً، وهو التوصيف الذي ترفضه الجمعيات الحقوقية، يتراوح ما بين 9 آلاف و12 ألف امرأة، حسب المواسم وازدهار المبادلات بين الضفتين، ينقل أكثر من 300 طن من البضائع يومياً على ظهورهن.

كل سيدة من هؤلاء تقوم بخمس رحلات يومياً على الأقل، يتم تحميلها السلع الثقيلة على الظهر وباقي الأغراض الخفيفة على الرقبة واليدين، ويتم لف جسدها بقطع من الثياب والكثير من الملابس التي يتم إعادة بيعها.

بهذا الشكل تتحول كل "حمّالة" إلى بضاعة متنقلة، عليها أن تقطع نصف كيلومتر في 45 دقيقة. هذه الطرق التي تمر عليها الحمالات لا تقطعها السيارات ولا الشاحنات، هي فقط ممرات صعبة اكتشفها المهربون الكبار، عن طريقها يتم تفادي دوريات الحرس المدني والجمارك المغربية، ولهذا السبب بالضبط يتم اختيار النساء الحمالات، بدلاً من استعمال وسائل النقل المعتادة.


حياة مقابل ملاليم


المهربون الكبار الذين يستخدمون النساء الحمالات يختاروهن بناء على سببين رئيسيين، الأول مادي ويتعلق بضعف تكلفتهن مقابل الشاحنات والسيارات وعدم اضطرارهم لدفع الرسوم الجمركية التي تفرضها السلطات المغربية على السلع القادمة من إسبانيا.

والسبب الثاني يتعلق بالثقة التي تميز هؤلاء الحمالات عكس الرجال، إذ إن عناصر الحرس المدني الإسباني تتساهل معهن في التفتيش، عكس الرجال الذين ضبطوا في أكثر من مرة وهم يخفون داخل السلع المنقولة قطع أسلحة نارية أو شحنات مخدرات، مما جعل الأمن يتعامل معهم بإجراءات صارمة، ويخضعهم كل مرة لعمليات تفتيش دقيق، يضيع معها الكثير من الوقت الثمين بالنسبة للمهربين الكبار.

فقطاع التهريب بين البلدين يشغل أكثر من 45 ألف شخص بشكل مباشر، ويستفيد منه حوالي 400 ألف شخص بشكل غير مباشر، برقم معاملات يفوق 400 مليون دولار سنوياً، وهو ما يمثل ثلث الأنشطة التجارية لمدينة سبتة، ويتم فيه نقل جميع أنواع البضائع ابتداء من ورق الحمام وحتى الأجهزة الإلكترونية وقطع غيار السيارات، المرتفع ثمنها داخل المغرب مقارنة بما هو عليه الحال في جارته الشمالية.

إلا أن هذه الأرقام الضخمة لا تعني شيئاً بالنسبة لزهرة وزميلاتها من الحمالات، اللواتي يُلقى إليهن بالفتات رغم أنهن محور العملية كلها، فأقصى مبلغ يمكن أن تحصل عليه الواحدة منهن هو 10 دولارات، لتعيل به أسرة كاملة، كما هو حال زهرة المسؤولة عن أسرة فيها ثمانية أبناء إلى جانب زوجها الضرير.


تحرش ولا حقوق


إلى جانب المقابل المالي الزهيد الذي تناله النساء الحمالات لقاء كل تلك المجازفة والتعب، فإنهن يعانين كذلك من تحرش رجال الأمن الإسبان والمغاربة على السواء، خاصة الشابات منهن، والتي ترفض الانصياع لرغباتهم يكون المنع من نصيبها، أو المضايقات اللفظية في أحسن الأحوال.

الحمالات يشتغلن طوال حياتهن بلا تأمين ولا تقاعد أيضاً، فزهرة التي قضت كل شبابها في هذه المهنة إلى اليوم لم تستطع جمع مدخرات تحميها من غدر الزمان، خاصة أنها تعاني، شأنها في ذلك شأن زميلاتها، من تبعات المهنة الصحية، بما فيها اضطرابات الهيكل العظمي والعضلات، بسبب المجهود اليومي وضعف التغذية وساعات النوم.

هذه الأعراض سجَّلتها جمعية الأندلس لحقوق الإنسان، بالتعاون مع جمعيات حقوقية مغربية، ورفعت تقريراً إلى السلطات المغربية والإسبانية وهيئات الاتحاد الأوربي، من أجل تنبيهها لخطورة وضع هؤلاء النساء وضرورة التدخل من أجل تحسين أوضاعهن.

من أجل تحقيق هذا الهدف اقترحت الجمعية برنامجاً من ست خطوات، الأولى إغلاق معبر بيوتز، الذي لا يتوفر على حد أدنى من شروط السلامة والكرامة، والثانية فتح معبر تارخال 2 الجديد، ثالثاً تحديد الوزن المسموح للحمالات في حدود حزمات من 20 كيلوغراماً فقط.

الجمعية اقترحت أيضاً كخطوة رابعة أن يتم تقليص بعض صلاحيات الشرطة والحرس المدني الإسبانيين، والدرك الملكي المغربي في التعامل مع الحمالات؛ أما خامسة الخطوات فتتمثل في ضرورة تأسيس مدونة جمركية بين المغرب وإسبانيا تحترم حقوق الإنسان، وأخيراً إعطاء صفات العاملات إلى الحمالات بما يساعدهن على التوفر على تأمين صحي وتقاعد مريح.

غير أن تنزيل هذه الخطوات على الأرض يصطدم بمصالح المهربين الكبار، وكذلك بعدم توفر الإرادة سواء لدى السلطات الإسبانية أو المغربية، ويستمر تهديد حياة زهرة وزميلاتها، كما يؤكد سعيد السوسي عضو مركز حقوق الإنسان بشمال المغرب "الموت، الذي ينضاف إلى القهر والإذلال والإهانة، سيستمر إذا لم يتم إيجاد حل عاجل لملف التهريب المنظم بمعبر باب سبتة".