لماذا سيؤول مصير رؤية 2030 إلى الفشل؟ 10 خطط للتنمية تبنتها السعودية منذ 40 عاماً لاقت هذه النهاية

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يعتمد اقتصاد المملكة العربية السعودية الحديثة على مصدرٍ واحد للدخل منذ اكتشاف الذهب الأسود في عام 1938. وقدمت الحكومات السعودية المتعاقبة 10 خطط تنموية حتى الآن، كان أولها عام 1970 وآخرها في 2015، وفق تقرير لموقع ميدل إيست آي.

وما هو الهدف الاستراتيجي الوحيد لهذه الخطط؟ الهدف يكمن في تحقيق التنوع الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد المفرط للمملكة على النفط.

لكن 9 من هذه الخطط على الأقل وفق ميدل إيست آي قد فشلت على نحوٍ بائس في تحقيق هذا الهدف. وما زالت المملكة تحتاج إلى تشييد بنيةٍ تحتية حقيقية بخلاف تلك الموجودة في بعض صناعات البتروكيماويات الأساسية، ومصانع معالجة الأغذية والبلاستيك.

ما زالت نتائج الخطة التنموية العاشرة الأخيرة "برنامج التحوّل الوطني" قيد الانتظار. وهي رؤيةٌ لخمس سنوات تمتد من 2015 إلى 2020، وتُشكّل المرحلة الأولى من "رؤية 2030" الأكبر حجماً بكثير، والتي تُمثّل استراتيجية الحكومة السعودية طويلة الأجل لتنويع الموارد الاقتصادية.


مازالت المملكة مدمنةً للنفط


تنص رؤية 2030 على أنَّ الحكومة ستُحقق هدفها عن طريق بيع الأصول العامة وإعادة استثمار الأموال التي ستجمعها، وجمع الإيرادات عن طريق قنواتٍ "جديدة" بخلاف النفط. لكنَّ هذا ليس صحيحاً: إذ تستمد هذه الأصول قيمتها من الاقتصاد المعتمد على النفط.

وفي يوليو/تموز الماضي 2017، أعلنت الحكومة عن خططٍ لبيع حصصٍ كبيرة غير حاكمة (تصل إلى 49%) من مطار الملك خالد الدولي، والذي بلغ عدد المسافرين خلاله حوالي 22.5 مليون راكب في 2016 وفقاً للتقارير.

لكن حركة الناس وفق التقرير الذي أخفى الموقع اسم كاتبه حفاظا على سلامته هذه هي مجرد نتيجة للنشاط الاقتصادي المعتمد على الإنفاق الحكومي من إيرادات النفط، وهي قيمةٌ غير حقيقية مبنية على الاقتصاد المعتمد على النفط غير الدائم. ورغم مزاعم الحكومة، فإنَّ ما يحدث حالياً ليس تنويعاً لمصادر الدخل الاقتصادي، بل مجرد تحويل إيرادات نفس المصدر، وهو النفط، إلى رؤوس أموال.

وقد يكون مستقبل المملكة مظلماً بالنسبة للمستثمرين، بناءً على مدى تذبذب أسعار النفط وقدرة الحكومة على مواصلة تمويل ميزانيتها. ولا يُمثل هذا الوضع أساساً اقتصادياً قوياً يمكن للمستثمرين الكبار اتخاذ قراراتهم استناداً إليه.

تخطط الرياض أيضاً لبيع حصةٍ في شركة أرامكو، أكبر شركات النفط في العالم، ضمن جهودها لتحصيل حوالي مئتي مليار دولار خلال السنوات العديدة المقبلة. وتتوقع الحكومة عالماً تسوده الاقتصادات الخضراء إلى حدٍ كبير، وتريد أن تُعِد السعودية للتعامل مع هذا الكوكب في عصر ما بعد استخدام الوقود الحفري.

وفي نهاية المطاف، تأمل المملكة في إنشاء أكبر صندوق للاستثمار العام في العالم، تُقدر قيمته بنحو 2 تريليون دولار. وتتمنى المملكة أن يصبح هذا الصندوق بمثابة نفطها الجديد، عن طريق إعادة استثمار أمواله وتحقيق أرباح مستمرةٍ لتمويل ميزانيتها، التي يتزايد بها حجم الإنفاق على الاستهلاك طوال الوقت.

غير أن قرارات بيع الحصص في المطارات، والأهم من هذا، بيع الحصص في شركة أرامكو، والتي تُشكّل مصدر الدخل الوحيد للدولة، تُعد خطواتٍ هامة ستُحدد مصير السعودية. وينبغي أن تحظى مثل هذه الخطط بموافقةٍ شعبية، إذ أنَّ هذه مسؤولية هذه القرارات لا ينبغي أن يتحملها أي شخصٍ بمفرده، بمن فيهم الملك وابنه.

يمكن تنفيذ هذه الخطط فقط عن طريق الحوار الشعبي الحر، الذي ينبغي أن يعقبه استفتاءٌ مفتوح. لكنَّ السعودية تفتقر للإرادة السياسية والقدرة المؤسسية اللازمة لتحقيق هذا. وعلى النقيض من هذا، يسود المملكة مناخٌ متطرف، تتلقى الحكومة فيه كل الثناء أو اللوم.

وليس ضرورياً أن يكون الأمر على هذا النحو: تحتاج الحكومة للسماح بالمشاركة الشعبية لتفادي الصدمات السياسية.


هل يعرف أي شخصٍ ما يفعله؟


الحكومة السعودية، التي ظلّت تعتمد طوال الوقت على المال السهل من المبيعات النفطية، ليست مهيأةً بما يكفي لقيادة عصر ما بعد النفط. تفتقر الرياض للقدرة الثقافية الضرورية للحكم في عالمٍ مختلف، إذ تُولِّد المبيعات النفطية تدفقاتٍ مالية سريعة ومستمرة، على النقيض من المنهج المعتمد على الاستثمار، والذي يحتاج إلى آليةٍ طويلة الأجل أكثر مشقَّة لتحقيق الأرباح.

ولدى الحكومة السعودية تاريخٌ من عدم الانضباط عندما يتعلّق الأمر بتحقيق الأرباحٍ من الاستثمارات. ففي أوقات انتعاش أسعار النفط، كانت الرياض تستثمر عادةً فائضها المالي في الخارج. وعندما تنخفض أسعاره، تُسارع الحكومة لتسييل أصولها.

يفشل هذا النهج في الصمود أمام اختبار الوقت، ما جعل الحكومة السعودية تحظى بسجلٍ كارثي لاستثمار المال العام عبر السنوات. ويظهر فشل هذا النهج بوضوح في المساهمة المحدودة لهذه الاستثمارات في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة.

الأكثر من هذا، تُفيد رؤية 2030 بأنَّ الأموال الناتجة عن بيع الأصول العامة سيُعاد استثمارها لتحقيق "عوائد مرتفعة". لكنَّ الخبراء الماليين المخضرمين يحذرون دائماً من أنَّ البرامج الاستثمارية التي يمكن أن تحقق عوائد مالية مرتفعة تكون محفوفة بالمخاطر، لأنَّها غالباً تكون عرضةً لتذبذبات حركة السوق الحادة وتقلبات قيم السلع.


هل تعي الحكومة والشعب السعودي كيف اتُخِذَت هذه القرارات؟


ندرك بالفعل من التجربة أنَّ الحكومة السعودية يعوزها الانضباط الذاتي (أو ما يُطلق عليه كبار المستثمرين الذكاء العاطفي). وتُعد هذه سمةً أساسية لتحقيق عائد على الاستثمار، بغض النظر عن أي ضغوطٍ يتعرض لها صُناع القرار مثل انخفاض أسعار النفط.

وينبغي أن نتساءل أيضاً بشأن ما إذا كانت الرياض لديها القدرة الإدارية التي تمكنها من اتخاذ قراراتٍ حيوية بكفاءةٍ وفعالية، مثل متى تتخلى عن موقعها في السوق للحد من خسائرها؟ ومتى تنتظر لحين ارتفاع الأسعار مرةً أخرى، إذا حدث هذا مطلقاً.

من يتحمل مسؤولية المقامرة بكنز السعودية الوحيد، وهو شركة أرامكو، في مقابل أملٍ ما؟ هل السُلطات عاجزة عن التفكير في أية بدائل أفضل لجني المال بغرض الاستثمار بخلاف بيع أرامكو أو أية شركة عامة أخرى؟ لماذا تتعامل السُلطات مع رؤية 2030 وكأنَّها قرأنٌ مقدس لا يمكن المساس به أو تعديله؟

تُعد هذه بعضاً من الأسئلة التي يطرحها الشعب السعودي، مثلما يبدو من النقاشات الدائرة على الشبكات الاجتماعية، والتي تفشل الحكومة في الرد عليها.


قدر كبير من السلطة في مكانٍ واحد


لكن الملكية السعودية قائمةٌ على نظام سُلّطةٍ مركزي، لا يُعيق فقط أية محاولاتٍ حقيقية للنقاش، بل أيضاً يعرقل الجهود الحقيقية الرامية إلى خلق اقتصادٍ متنوع معتمد على رأس المال البشري.

فلتنظر إلى نظام التعليم السعودي. في ظل اقتصادٍ منفتح على العالم، ينبغي على جميع الأنظمة التعليمية أن تزوّد خريجيها بمهاراتٍ أساسية. في أيرلندا على سبيل المثال: حددت مؤسسةٌ تُدعى "مجموعة الخبراء لتحديد المهارات المستقبلية الضرورية"، والتي تُقدم خدمات استشارية للحكومة هناك، مجموعةً واسعةً من القدرات التي ينبغي أن تحظى بها القوى العاملة لضمان توظيفها في الاقتصادات الحديثة.

هذه هي المهارات الأساسية الضرورية للالتحاق بسوق التوظيف، وتشمل القدرة على القراءة والكتابة، والحساب، واستخدام تقنيات الاتصالات والمعلومات الأساسية، ثم تأتي المهارات الاجتماعية مثل القدرة على التواصل. وأخيراً، هناك المهارات الفكرية والمفاهيمية، مثل البحث، والتحليل، وحل المشكلات، والتخطيط، والتفكير النقدي، والقدرات الإبداعية.

لكنَّ نظام التعليم السعودي يوفّر لطلابه بالكاد المهارات الأساسية، كالقدرة على القراءة والكتابة بالعربية، والحساب، بالرغم من موازنته الفلكية، التي بلغت أكثر من 53 مليار دولار في عام 2017.

ويعد هذا الرقم الضخم مثيراً للسخرية نظراً لنتائجه الضعيفة الجلية في انتشار البطالة بين خريجي نظام التعليم السعودي. وهو ما ذكره كاتب رأي لدى موقع "ميدل إيست بوست" في 2012:

"ربما كانت المشكلة الأكثر خبثاً هو أنَّ هؤلاء الخريجين يميلون إلى رؤية العالم من منظور مجال دراستهم، لأنَّهم تلقوا تعليمهم في مجالٍ محددٍ ضيق. ويمكن اعتبار أنَّهم تلقوا "تعليماً جيداً" إذا ما نظرنا إلى الشهادات الرسمية التي يحملونها حالياً، لكن مستوى تعليمهم يعتبر رديئاً للغاية، لأنَّ معرفتهم بالعالم والبشرية أقل مما كان سينتجه أي مجالٍ دراسي آخر. وتعد الوظائف الوحيدة المؤهلين لشغلها هي تلك الوظائف الاصطناعية، التي أتاحتها الحكومة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

ووجد تقريرٌ لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنَّ "نسبة الشباب السعوديين المتوقع حصولهم على شهادة ماجستير أو ما يعادلها من الشهادات الأخرى خلال حياتهم هي من أدنى المستويات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاقتصادات الشريكة لها، وفقاً للبيانات المتاحة. ووضع التقرير السعودية في المرتبة الـ37 بين 38 عضواً في المنظمة والدول الشريكة لها.

ولا تكمن المشكلة حتى في كون عدد الخريجين محدوداً. إذ كان محمد الحسن، نائب الشؤون التعليمية والأكاديمية في جامعة الملك سعود، قد سأل منذ عقدٍ تقريباً وقال: "لماذا لا يُحرِز اساتذتنا أي تقدمٍ لافت رغم أنَّهم تخرجوا من جامعات ييل، وهارفارد، وستانفورد؟ لا يوجد لدينا نظامٌ لتوظيف الأساتذة الجامعيين، ولا ننفق المال على الأبحاث. ليست هذه هي البيئة الملائمة لتشجيع الإبداع".

ولم يتغيّر الكثير منذ ذلك الحين.

تتسم طبيعة المهارات التحليلية بأنّها قابلةٌ للانتقال من شخصٍ لآخر، دون التقيد بمجالات التخصص مثل القانون أو الاقتصاد. وتسمح هذه المهارات بالتدقيق في كل مجالٍ اجتماعي، ما يؤدي إلى ظهور مواطنين قادرين على التفكير بشكلٍ مستقل بعيداً عن الدعاية الحكومية. لكنَّ العائلة الحاكمة السعودية تخشى ظهور مثل هؤلاء المواطنين - وقد صُمّمم النظام التعليمي بحرصٍ لإعاقة تطور هذه القدرات.

وبدلاً من هذا، يهدف نظام التعليم السعودي إلى تحقيق نتائج محددة، إذ يُنفذ مهمة السيطرة على عقول المواطنين عبر التركيز المُفرِط على تعاليم الطاعة غير المشروطة للحكام - وهو ما يعرف بفقه طاعة ولي الأمر. إنَّه نظامٌ منهجيٌ لغسيل أدمغة المواطنين طوال 12 عاماً، متعمداً خلق مواطنين غير قادرين على تغيير آرائهم والخروج عما يسمى بـ"الإجماع الوطني" على الطاعة غير المشروطة للملك.

ورغم أنَّ "الإجماع الوطني" خرافةٌ، ما زال قطاعٌ عريض من السعوديين عاجزين عن رؤية هذا للأسباب المذكورة هنا. ولا يزال يُروّج لهذه الفكرة عبر المنصات الحكومية التي تشمل خطب صلاة يوم الجمعة، والبرامج التلفزيونية الدينية.

ولايمكن أن يؤدي ضعف الرقابة وتركّز السلطة في يد جماعةٍ محددة إلى أية نتيجة سوى إعاقة التنمية الاقتصادية الحقيقية. فلتُفكّر في قطاع الصناعات التكنولوجية وأهمية الإبداع المستمر لتطوير منتجاتٍ وأسواقٍ جديدة. إنَّه ببساطةٍ أمرٌ لا يمكن تحقيقه في السياق السعودي، الذي يقوّض عجزه المؤسّسي أية آمالٍ لتنويع الاقتصاد.


أين يذهب المال؟


أحد أسباب فشل هذه الحكومة هو نقص الرقابة المفروضة عليه. على سبيل المثال، عام 2014، أعلنت السعودية عما سُمِّيَ بمشروع الملك عبدالله لإصلاح قطاع التعليم العام، و"هي خطةٌ مدتها أربع سنوات وتبلغ تكلفتها أكثر من 80 مليار ريال سعودي (21.33 مليار دولار) لتطوير قطاع التعليم بالبلاد".

تُوفِّيَ الملك عبدالله بعدها في يناير/كانون الثاني عام 2015، وصعد حاكمٌ جديد إلى عرش المملكة. أعلن الملك سلمان منذ ذلك الحين عن استراتيجياتٍ جديدة، تلغي في معظمها الخطط القديمة. لكن يمكن للمرء أن يطرح تساؤلاً وهو: ماذا حدث لخطط إصلاح التعليم، التي أُعلن عنها قبل عامٍ واحد فقط من تنصيب الملك الجديد؟ أو ما مصير الموازنة الضخمة التي خُصِّصَت لها؟

أعلن الأمير خالد الفيصل، الذي كان وزيراً للتعليم حينها، عن المشروع في مؤتمرٍ صحفي عام 2014، على الرغم من أنَّ المشروع كان ممولاً بالفعل بمليارات الدولارات في الموازنات الحكومية المتعاقبة منذ عام 2008 وحتى 2015.

وخلال المؤتمر، حدد الأمير فيصل مبالغ مالية ضخمة لكل بندٍ في المشروع، لكن لم تتضح الكيفية التي توصّلوا بها إلى هذه الأرقام ومن سيُراقب الكيفية التي ستُنفَق بها هذه الأموال؟

وتُعد الكيفية التي أُسنِدَت بها عقود المشروعات والطريقة التي توصّلوا بها إلى هذه الأرقام أمراً مبهماً نظراً لغياب هيئةٍ رقابية مستقلة وفعّالة، وفي ضوء المنهج الحكومي الذي يهدف إلى إسكات المدافعين عن حقوق الإنسان.

وقد يتوقع المرء الحصول على ردٍ من الأمير فيصل، الذي يشغل حالياً منصب أمير منطقة مكة. لكن ليس لدى أحد القدرة على محاسبته: لقد مُنِحَ ببساطة منصباً جديداً، تاركاً وراءه أسئلةً لم يُجَب عليها.

تلقت وزارة التعليم تحت إدارته تمويلاتٍ هائلةً كان يُفترض أنَّها مخصصةٌ لإصلاح نظام التعليم العام. لكن لم يتحقق الهدف من المشروع مطلقاً: وبتعيينه أميراً لمكة، منحت الحكومة لفيصل حصانةً ضد أية تداعيات محتملة.

وربما يتوقع أحدهم أن تُحقّق الهيئة الوطنية السعودية لمكافحة الفساد (نزاهة) فيما حدث. فمن المفترض أنَّها تتمتع باستقلاليةٍ سياسيةٍ ومالية ولا تخضع إلا لمحاسبة ممثلي الشعب. لكنَّ هذه الهيئة بلا أي نفوذ، تُعيِّن الحكومة أعضاءها ولا يتمتعون بأي صلاحياتٍ واضحة. وليس لديها أية سُلّطةٍ للتحقيق مع المتهمين المحتملين أو أي قضايا، ووجودها لا معنى له دون حصولها على استقلاليةٍ كاملةٍ.

وعلى النقيض من دورها المُعلن، تُوّهِم الهيئة عامة الشعب كي يُصدّقوا أنَّ الحكومة جادة بعض الشيء في مكافحة الفساد. ويجعل هذا الهيئة، كما يبدو، جزءاً من المشكلة نفسها.

ولهذا كان لابد من فرض رقابة على خطة عام 2014. وينبغي أن يحضر الوزراء الذين كانوا جزءً من هذه الإستراتيجية جلسات استماعٍ علنيةً، حيث يمكن استجوابهم من قبل ممثلي الشعب، بدلاً من النواب المُعينين من قبل الحكومة في مجلس الشورى.

وعلى أرض الواقع، لم ينعم المعلمون والطلاب سوى بفوائد قليلة من هذه الخطط، في ظل ما يردده الكثير من السعوديين عن فشل المشروعات التعليمية فشلاً ذريعاً. وعندما غرَّد وزير التعليم السعودي أحمد العيسى معبراً عن امتنانه للدعم الذي توفره الحكومة للتعليم، لم يُقابَل سوى بالسخرية واللعنات.


مشكلة الحلول السريعة


لطالما لجأت السعودية، نظراً لطبيعة نظامها السياسي، لحلولٍ ترى فيها خياراتٍ سهلة.

فعلى سبيل المثال، يجبر برنامج "نطاقات" التابع لوزارة العمل السعودية القطاع الخاص على توظيف المواطنين السعوديين. وتواجه الشركات الخاصة عواقب وخيمة إذا لم توظّف عدداً كافياً من السعوديين، قد تصل إلى تجميد عمليات الشركة وسحب رخصتها.

وهذا مثالٌ تقليدي تُلقِي فيه الحكومة السعودية بمسؤولية فشلها على المجتمع نفسه. فبطالة الطلّاب السعوديون ترجع مباشرةً لنظام التعليم السعودي غير المؤهَّل: ويُمنَع السعوديون حتى من ارتياد المدارس الدولية الخاصة التي تدرّس مناهجاً غربية بالإضافة للمواد العربية والإسلامية.

لا تشكّل هذه المدارس تهديداً ضد الهُوية العربية والإسلامية إذ، أنَّها تُدرِّس مواداً متّصلة بتلك الهوية بالفعل: ولكنَّ المشكلة، من وجهة نظر السلطات الحكومية، هي مشكلةٌ سياسية، مفادها الخوف من أنَّ تلك المناهج الدراسية ستنمّي فكراً مستقلاً لدى طلّابها.

ونتيجة ذلك هوَ وجود قطاع خاص يدفع ثمن فشل الرياض في إيجاد توازنٍ بين حاجة الاقتصاد الحديث لقوى عاملة مؤهلة، وبين مصالحها المركزية السياسية.

ويعني هذا أنَّ العديد من المشاريع التجارية توظّف شباباً سعوديين في وظائف لا معنى لها، حيث يتلقّون أجراً مقابل لا شيء حرفياً. وبعضهم يظهر فقط في مكان عمله في نهاية كل شهر ليقبض راتبه ثم يختفي مجدداً.

وكما قال ولي العهد محمد بن سلمان نفسه، فإنَّ الحكومة السعودية دائماً ما تسيّر أمورها على طريقة "الحلول السريعة".


الملاذ الأخير


أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي في أغسطس/آب عام 2017 مشروع منتجع البحر الأحمر، ومن المقرر أن يكون ذلك وجهةً ترفيهية دولية على الساحل الغربيّ من الأرض المقدّسة (نعم، استخدام هذا الوصف مقصود).

ومن هنا، جرى إعلام مجتمعٍ محافظٍ وتقليديّ أنَّ حكومته تنتوي بناء منتجعٍ لا تسري فيه قوانين البلاد، ومن بينها الفصل بين الجنسين والالتزام بالرداء "الإسلامي"- يبعُد بضعة مئاتٍ من الكيلومترات فقط عن أكثر المواقع قداسةً في الإسلام.

في النشرة الترويجية للمنتجع، زُعِم أنَّ المشروع سيخلق 35 ألف فرصة عمل، ويولّد دخلاً سنوياً بقيمة 15 مليار ريال سعودي (4 مليار دولار). لكنَّه لا يأتي على ذكر ما سيُنفَق لتحقيق كُل هذا، وبهذا لا يمكننا معرفة ما إنَّ كان المشروع مربحاً بالمقارنة مع تكلفته أم لا.

وثانياً، هذا المشروع يمثّل مشكلةً أخلاقية وسياسية، إذ أنَّ فيه فرضٌ من الجهات العليا لقيمٍ غريبة عن المجتمع السعودي.

وعليه، فلم يأتِ هذا نتيجةً لتطوّرٍ ثقافيّ طبيعي من داخل المجتمع، بل هوَ قرارٌ ملكيّ يتنكّر، بين ليلةٍ وضحاها، لتعصّبه الديني الصارم والأعمى. وهذا يهين قدراً كبيراً من المجتمع السعودي الذي صدَّق ما قالته له الدعاية الدينية الرسمية على مدار عشرات الأعوام.


دعونا نتحدث عن مستقبل السعودية


لا يمكننا سوى استنتاج أنَّ تحقيق تنوّع اقتصاديّ حقيقي لن يكون ممكناً تحت نهج الحكم السعوديّ الحالي، فما بالك أن يحدث في عصر ما بعد النفط. وهنا فإنَّ فشل الرياض في تليين قبضتها على السلطة هو أمرٌ يتعارض ببساطة مع أهدافها.

يؤدي الفساد لتضخّم تكاليف كل المشروعات التجارية، ويبتلع كُلَّ فوائض ربحها. والوسيلة الوحيدة للتقدّم هي القضاء على المركزية السياسية، واتخاذ إجراءاتٍ ضد الفساد، إذا ما كانت حكومة محمد بن سلمان الجديدة جادّةً في سعيها نحو تغييرٍ حقيقيّ.

لكنَّ التغيير الحقيقي أيضاً لا يمكن تحقيقه دون تعليمٍ جيد المستوى وحرية في الفِكر والتعبير. إذ لا يضيف النظام التعليمي السعودي القائم إلّا لمعدّلات البطالة في البلاد.

وبهذا يجب استبداله بنظامٍ يطوّر الفكر العقلاني، وغيره من المهارات التحليلية والمفاهيمية لدى الطلّاب: وإن لم يحدث هذا، فإنَّ الحكومة ستواجه تحدياتٍ صعبة في الأعوام المقبلة.

وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لحماية حريّة الفكر والتعبير أن تُقدِّم، على المدى الطويل، سياقاً لتغييرٍ ليبراليّ في البلاد. وقد يؤسس هذا إطاراً لتغيّر الأفكار، ولإمكانية ظهورٍ مجتمعٍ متسامح.

من مصلحة السعودية والسعوديين أن يُسمَح بإجراء حوارٍ عام مسبقاً، وألّا يُؤخَذ المجتمع على حين غرة كما يحدث الآن.