لماذا لا يفهم العرب لهجة المغاربة؟ تعلم كيف تفهم محدثك المغربي بسلاسة

تم النشر: تم التحديث:
MORROCCO
Beautiful young woman wearing a fez in Grand Bazaar, Istanbul, Turkey with charming smile. | petekarici via Getty Images

بعد إحدى مباريات كرة القدم التي جمعت المنتخب المصري بالمنتخب المغربي، قام أحد المراسلين المصريين بجولة على المتفرجين لسؤالهم حول رأيهم في المباراة، وقد تحدث إلى شخصين مصريين قبل أن يصل إلى متفرج مغربي سائلاً إياه: "إيه رأيك في النتيجة؟"، يجيب الشاب بعفوية "الصراحة الدراري لعبو مزيان بلحق.."، ثم يتوقف بعد أن قاطعه الصحفي قائلاً "أنا مش فاهم حاجة" منتقلاً ببساطة بعد ذلك إلى شخص آخر.

لم تكن هذه الحادثة الصغيرة سوى مثالٍ بسيطٍ جداً عما يعانيه المغاربة بسبب لهجتهم التي تعد منبوذة بشكل أو بآخر، فالعرب بشكل عام -باستثناء دول المغرب العربي بالطبع- يرون أن هذه اللهجة غير مفهومة بشكل قد يجعلهم يستصعبون جهود محاولة فهمها، فما هي العوامل التي أدت إلى هذا التعامل مع هذه اللهجة؟

هذا ما سنتعرف إليه في هذا التقرير.


الحدود الجغرافية الضيقة للهجة


تعود المغاربة على نعت لهجتهم بالمعقدة وغير المفهومة إلى درجة جعلتهم يضطرون إلى إتقان اللهجات الأخرى.

يجد المغربي نفسه دائماً متنازلاً عن لهجته أمام محدثه العربي، ليتحدث بلهجة الآخر حتى يتم التواصل بسلاسة دون أن يسمع كلمة "ماذا؟"، إلا أن هذا "التنازل" وإن كان مميزاً لهم، ولقدرتهم على التحدث بأغلب اللهجات العربية، وعلى رأسها الشامية والمصرية والخليجية، إلا أنه يقلل من لهجتهم وقيمتها وأهميتها.

إذا كان الآخر يعلم أنك ستحدثه مستخدماً لهجته، لماذا إذن سيكلف نفسه عناء تعلم لهجتك وفهمها؟ بالإضافة إلى ذلك، إذا كنت تتحدث اللهجة المصرية أو اللبنانية مثلاً، فبإمكانك السفر بأريحية داخل الوطن العربي دون أن تواجه أي مشكلة في التواصل، أما تعلمك لللهجة المغربية فلن يساعدك ولن ينفعك إلا في المغرب (وربما الجزائر وتونس بحد أقصى)، وبالتالي فإن الحدود الجغرافية الضيقة التي تنتشر فيها هذه اللهجة تجعل منها غير مغرية للتعلم.


لأن اللهجة المغربية ليست واحدة


التعدد اللغوي أحد أكبر وأجمل مميزات الثقافة المغربية، إلا أن الأمر ينقلب إلى حيرة وارتباك حقيقيين عند الأجانب الذين يحاولون تعلم اللهجة المغربية، وذلك لأن الأمر لا يتعلق بلهجة واحدة، بل بلهجات كثيرة ومتعددة ومختلفة، ونحن هنا لا نقصد اختلافاً في النطق أو اللكنة فقط، بل فروقات جذرية تجعل المغاربة نفسهم غير قادرين على فهم بعضهم البعض في مناسبات كثيرة.

يتحدث سكان المناطق المتواجدة في وسط المغرب لهجات متعددة إلا أنها متقاربة فيما بينها، لأنها تستخدم خليطاً من الكلمات العربية والفرنسية بشكل خاص، مع قليل من الكلمات الإنكليزية التي تمت "مغربتها"، إلا أنها مثلما ذكرنا، تبقى لهجات مختلفة عن بعضها البعض.

نجد اللهجة الرباطية (في مدينة الرباط) خفيفة لكنها تحتوي على عدد كبير جداً من الكلمات الفرنسية، بينما نجد اللهجة الكازاوية (في كازا بلانكا أو الدار البيضاء) قوية النبرة ويبدو متحدثها في كثير من الأحيان وكأنه يتشاجر، إلا أنه في الحقيقة يتحدث بشكل هادئ وطبيعي جداً؛ وذلك لأن طريقة نطق الكلمات تؤثر في مظهر المتحدث بها.

بينما في فاس، نجد أن اللهجة يطبع عليها نوع من البورجوازية والرقي -بالنسبة للمغاربة على الأقل- فنجد أنهم لا ينطقون حرف القاف "G" مثل باقي المناطق السابقة، وإنما يتم نطقه مثل حرف الألف، فيقولون مثلاً "آلي" بمعنى "قالي" أي قال لي، وبالطبع، فإن الاختلاط بين سكان مختلف المناطق يعني إمكانية وجود مختلف اللهجات في مكان واحد.

في أقصى الشرق، يتحدث السكان لهجة مطابقة للهجة الجزائرية، بينما في أقصى الجنوب يتحدثون لهجة مشابهة جداً للهجة الموريتانية، أما في المناطق الأمازيغية، مثل منطقة الريف والأطلس، يتحدث الساكنة اللغة الأمازيغية التي تنقسم بدورها إلى ثلاثة أقسام: الريفية، السوسية، والشلحة.

ننتقل إلى الشمال، حيث توجد أصعب اللهجات بالنسبة لكثيرين، وهو ما يجعل الشماليين قادرين على فهم بقية لهجات المغرب، لكن العكس غير صحيح تماماً.

يتحدث الشماليون لهجات مختلفة أيضاً، إلا أنها لهجات تتشابه فيما بينها باستعمالها المبالغ فيه للكلمات الإسبانية، ولكلمات لا تمت بصلة للهجات المغربية الأخرى، فمثلا، يسمى الجزر في أغلب المناطق "خيزو" بينما يسمى في الشمال "الجعدا"، وتسمى الثلاجة "ثلاجة أو ريفريجيراتور أو فريجيدير" بينما تسمى في الشمال "نيبيرا".

وللتوضيح أكثر، فإننا إذا أردنا أن نسأل أحداً: "ما الذي تريد أن تفعله؟"، سيكون ذلك في المناطق المتواجدة وسط المغرب "شنو بغيتي تدير؟" مع اختلاف بسيط في مدينة مراكش "شنو بيتي تدير؟"، أما في الشمال فسيكون السؤال في طنجة: "شني خصك تعمل؟" وفي تطوان "شني خصك دعمل (بحرف الدال)؟" ويصبح الأمر أكثر راديكالية كلما تعمقنا في الشمال لتتحول الجملة إلى: "شني لخصك تْقي؟".


خليط اللغات


مثلما ذكرنا سابقاً، تحتوي اللهجات المغربية على قدر كبير من الكلمات الغربية، وعلى رأسها الفرنسية والإسبانية في الشمال، ما يجعل فهمها أمراً عسيراً جداً بالنسبة لأي شخص لا يفهم هاتين اللغتين، وهو ما يجعل المتحدث المغربي أمام حلين اثنين، إما أن يتوقف للشرح بعد كل جملتين، وإما أن يريح نفسه ومن معه ويتحدث بلهجة أخرى أو بلهجة مغربية مهجنة غريبة يتم استبدال الكلمات الأجنبية فيها بكلمات عربية فصحى أو من لهجات عربية أخرى.

من ناحية أخرى، نجد أن الأمازيغية لغة قائمة بذاتها، لها قواعدها الخاصة وحروفها الخاصة، وبالتالي فإن التحاور مع شخص يتحدث هذه اللغة دون تعلمها يعد ضرباً من المستحيل.


ماذا عن الكلمات العربية؟


سنبالغ إذا قلنا أنه لا يمكن فهم الكلمات العربية أيضاً، بل أن هذا الجانب بالضبط هو ما يثير غيظ المغاربة لأن هذا هو الجزء الوحيد المشترك مع باقي اللهجات العربية، والذي يتمنون أن يحاول العرب فهمه، إلا أنه مع ذلك يحمل صعوبة تتمثل على عدة أصعدة:

التحدث بصيغة المستقبل: يجب إضافة كلمة "غادي" وحرف النون في بداية الفعل، مثلاً: فعل مشى يصبح "غادي نمشي" بمعنى سأمشي.

حذف الألف من بداية الكلمات: مثلاً، أنت تصبح "نتا"، أنتِ تصبح "نتي"، أو "نتينا" في الشمال للذكر والأنثى.

تغيير في نطق الكلمات: مثلاً، نجد أن رقم تسعة يصبح "تسعود"، النظارات تصبح "نظاظر"، ومخدة تصبح "خدية" إلخ..

الحب الشديد للسكون: إذا قلت كلمة "كلب"، فستقرؤها حتماً " كَلْبٌ"، إلا أنها في المغرب تنطق "كْلْبْ"، أي بالسكون على جميع الحروف بدون استثناء، وهو ما يتكرر في عدد كبير جداً من الكلمات التي يتم نطقها بوضع السكون على جميع حروفها أو على الغالبية الكبرى منها (أمثلة: اْجْلْسْ بمعنى إجلس، أْهْدْرْ بمعنى تحدث أو تكلم، رْجْلْ بمعنى قدم، إلخ..) ، مما يجعل نطقها صعباً جداً بالنسبة لغير المغاربة.