المصالح أهم من ريجيني.. لهذه الأسباب أعادت إيطاليا سفيرها إلى مصر

تم النشر: تم التحديث:
GIULIO REGENI
Stefano Montesi via Getty Images

بعد أكثر من عام على سحب سفيرها، شكّل قرار إيطاليا المفاجئ أن تطلب من مصر الموافقة على تعيين سفير جديد في القاهرة، خطوة نحو "تقارب" بين البلدين، ربما يتجاوز تدريجياً أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني والقيود الأوروبية التي تلته، مع توجه نحو مزيد من التنسيق في ملفي ليبيا والهجرة غير الشرعية، وفق خبراء.

قرار روما، الذي رحبت به القاهرة وتمنّت تنفيذه قريباً، جاء بعد أيام من إعلان مصر احتجاز ليوناردو إيفان باسكال، وهو سائح إيطالي، مشتبه في ضلوعه بمقتل مواطن مصري، إثر شجار بينهما في مدينة مرسى عَلم، على ساحل البحر الأحمر (شرقي مصر).

احتجاز هذا السائح، استبعد خبراء، في أحاديث منفصلة مع وكالة الأناضول، أن يكون سبباً للتقارب الإيطالي-المصري، مرجِّحين 4 أسباب؛ منها: "رضا روما عن تحقيقات أزمة ريجيني"، و"الأزمة الليبية"، و"الرغبة في حماية المصالح الأوروبية بالبحر المتوسط".

وهي خطوة ربما، وفق هؤلاء الخبراء، تحقق 4 مكاسب، وهي: توطيد العلاقات مع أوروبا بصورة أكبر، وانفراجة أزمة ريجيني، وتنمية التعاون المصري-الإيطالي في الملف الليبي والهجرة غير الشرعية، وكذلك التبادل الاقتصادي.


4 أسباب


مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، اعتبر أن "هناك 3 أسباب وراء التقارب المصري-الإيطالي، أولها رضا الجانب الإيطالي عن نتائج وسير التحقيقات في مقتل ريجيني".

والسبب الثاني، وفق هريدي، هو "تطور الأوضاع في شرق وجنوب البحر المتوسط، وتعاظم خطر الإرهاب والجماعات المتطرفة في ليبيا، وضرورة التنسيق والتعاون (في هذا المجال) بين مصر وإيطاليا من جانب مصر ودول الاتحاد الأوربي بصفة عامة"، في إشارة إلى نفوذ مصر في جارتها الغربية ليبيا.

ويتطرق السبب الثالث إلى "حماية المصالح الإيطالية، وعلى رأسها مكافحة الهجرة غير الشرعية إلى السواحل الإيطالية، والتي تمثل هاجساً كبيراً لأوروبا، فضلاً عن تنمية الاستثمارات في البحر المتوسط"، وفق الدبلوماسي المصري السابق.

وحالياً، تتصارع حكومتان على الحكم والشرعية في ليبيا، إحداهما في العاصمة طرابلس (غرب)، وهي حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، والأخرى هي "الحكومة المؤقتة" في مدينة البيضاء (شرق)، وتتبع مجلس النواب المنعقد بمدينة طبرق، والتابعة له القوات التي يقودها خليفة حفتر شرق ليبيا.

هريدي شدد على أن "عودة العلاقات بين مصر وإيطاليا تخدم البلدين بصفة خاصة، والمنطقة والاتحاد الأوروبي عامة؛ لاحتواء وحل الأزمة الليبية؛ ومن ثم فإن المصالح (بين الطرفين) أكبر من أي أزمة".

الأسباب الثلاثة، يقف على مسافة قريبة منها الأكاديمي المصري طارق فهمي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة، ويضيف إليها سبباً رابعاً متعلقاً بزيارة بابا الفاتيكان لمصر.

فهمي اعتبر، في حديث مع "الأناضول"، أن أهم أسباب عودة العلاقات هي زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس، لمصر، والتي وصفها بالناجحة بكل المقاييس.

وفي أبريل/نيسان الماضي، زار بابا الفاتيكان مصر، وأعلن أنه طرح قضية ريجيني، خلال محادثاته مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بقوله: "عبرت عن قلقي إزاء هذه القضية، والكرسي الرسولي (حكومة الفاتيكان) قد تحرك بشأنها".

واتفق فهمي مع هريدي على أن "الملف الليبي أيضاً هو أحد القواسم المشتركة لعودة العلاقات، على اعتبار أن إيطاليا طرف رئيس في الملف الليبي، شأنها شأن الجانب التونسي والجزائري، كدول جوار".

وقال إن "لغة المصالح هي التي فرضت على الطرفين تجاوز الأزمة، خاصة أنه كانت هناك مساعٍ مصرية لتقريب وجهات النظر تقابلها لغة دبلوماسية إيطالية هادئة".

وتابع بقوله: "الإيطاليون، ورغم أزمة ريجيني وتداعياتها، كانوا حريصين على العلاقات مع مصر، حيث كانت لغتهم هادئة في تقديم وجهات نظرهم، وهناك أصوات عاقلة من القوى السياسية، خاصة مع الاستجابة المصرية للمطالب كافة في تحقيقات ريجيني".

واستبعد هريدي أن يكون التقارب جاء بعد ضغط مصري جراء اتهام إيطالي بقتل مصري، قائلاً إنه "لا علاقة".


4 مكاسب


توطيد العلاقات مع أوروبا بصورة أكبر، وانفراجة أزمة ريجيني، وتنمية التعاون المصري-الإيطالي في الملف الليبي والهجرة غير الشرعية، وكذلك التبادل الاقتصادي، تمثل 4 مكاسب محتملة لعودة العلاقات إلى طبيعتها، وفق خبراء.

أول المكاسب، وفق فهمي، هو أن "هناك انفراجة لا تقتصر فحسب على عودة السفير، وإنما من الواضح أن هناك إرادة سياسية بين البلدين لتجاوز أزمة ريجيني".

ورجح أن قضية ريجيني ستأخذ مسارها الأمني كما هو: "إيطاليا ارتأت أنه من الأفضل فض الاشتباك بين المسار السياسي والدبلوماسي مع مصر والمسار الأمني الذي كان يعرقل العلاقات بين البلدين".

والمكسب الثاني، بحسب الأكاديمي المصري، "سينعكس في ملف العلاقات الثنائية، فإيطاليا دولة مهمة ذات حضور كبير في مؤسسات الاتحاد الأوروبي والحوار المتوسطي، وكلما تحسنت العلاقات معها توطدت مع أوروبا".

كما أن "إيطاليا، لها ارتباطات إقليمية واستراتيجية في ملفات معينة بالشرق المتوسط، كاستثمارات الغاز، والأزمة الليبية، واستراتيجيات مكافحة الإرهاب وهي إحدى أولويات الاتحاد الأوروبي"، وفق فهمي.

والمكسب الثالث، حسب كامل عبد الله، الخبير في الشأن الليبي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (حكومي) في القاهرة، هو "تنامي توافق الموقف المصري-الإيطالي في الملف الليبي والهجرة غير الشرعية".

وفي 27 يوليو/تموز الماضي، بحث رئيس أركان الجيش المصري محمود حجازي، ونظيره الإيطالي كلاوديو جراتسيانو، في القاهرة، سبل مكافحة "الهجرة غير الشرعية" و"الإرهاب، حيث تعتبر سواحل مصر إحدى المحطات الرئيسة للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

واعتبر عبد الله أن السبب الرئيس لعودة العلاقات الإيطالية-المصرية هو الأزمة الليبية، قائلاً: "تدخُّل فرنسا على خط الأزمة أزعج الإيطاليين، الذين ارتأوا أن مصر لها موقف قوي ووجود على الأرض في ليبيا، وهم بحاجة إلى تواصل أكثر فاعلية مع القاهرة؛ لتدعيم موقفهم والحفاظ على مصالحهم".

ومضى قائلاً إن "إيطاليا تشغلها 3 ملفات؛ وهي: الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الإرهاب، والمصالح الاقتصادية في الدولة النفطية (ليبيا)".

ويمثل المكسب الرابع والأخير، في "تنمية الاستثمارات الثنائية"، وفق السفير جمال بيومي، الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب، التابع للجامعة العربية.

وقال بيومي لـ"الأناضول" إن "روما تعد الشريك التجاري الأول لمصر في الاتحاد الأوروبي، ويمثل السائحون الإيطاليون عنصراً مهماً في المكوّن السياحي المصري، الذي تسعى القاهرة إلى استعادة عافيته بعد سنوات من التراجع".

ولفت إلى أن إيطاليا تسعى إلى تنمية استثماراتها بمصر في الغاز ومحور تنمية قناة السويس (شمال شرق) والمثلث الذهبى (جنوب)، مشدداً على أن "مصر وإيطاليا لديهما ميزات نسبية في التجارة يمكن أن تدعم العلاقات الثنائية".

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وإيطاليا 3.779 مليار دولار، في العام المالي 2016/2015، مقابل 4.462 مليار دولار في العام المالي السابق عليه، بحسب بيانات رسمية مصرية.

ووفق وزير التجارة المصري، طارق قابيل، في تصريحات صحفية نهاية يونيو/حزيران الماضي، فإن معدلات التبادل التجارى بين مصر وإيطاليا شهدت زيادة كبيرة خلال الربع الأول من العام الجاري، بنسبة بلغت 30%، حيث ارتفع حجم التجارة البينية بين البلدين إلى 1.3 مليار يورو مقابل مليار يورو خلال الفترة نفسها من العام الماضى.

وتوترت العلاقات بين إيطاليا ومصر، إثر مقتل ريجيني (28 عاماً)، الذي كان موجوداً في القاهرة منذ سبتمبر/أيلول 2015، وعُثر عليه مقتولاً، على أحد الطرق غرب القاهرة، في فبراير/شباط 2016، وعلى جثته آثار تعذيب.

وتتهم وسائل إعلام إيطالية أجهزة الأمن المصرية بالضلوع في تعذيب وقتل ريجيني، وهو ما تنفي السلطات المصرية صحته.

وبدعوى عدم تعاونها في التحقيقات، اتخذت روما خطوات تصعيدية ضد القاهرة؛ منها سحب سفيرها آنذاك، ماوريتسيو ماساري (بعد شهر من سحبه، عيَّنت جامباولو كانتيني بدلاً منه، لكنه لم يتوجه إلى القاهرة حتى الآن)، ودعت البرلمان الأوروبي، في مارس/آذار 2016، إلى وقف مساعدات عسكرية لمصر.

فيما أوفدت القاهرة مسؤولين مصريين إلى روما، بينهم النائب العام المصري نبيل صادق؛ لمتابعة التحقيقات في القضية، إضافة إلى إرسال نواب مصريين إلى البرلمان الأوروبي، بهدف "توضيح الحقائق حول أزمة ريجيني".

ورحبت مصر بإعلان إيطاليا اعتزامها إعادة السفير، مشددةً على "أهمية الإسراع بالإعلان عن الموافقة على تعيين السفيرين (الإيطالي والمصري) بشكل يضمن إعادة الزخم وقوة الدفع للعلاقات المصرية-الإيطالية في أسرع وقت".

وهو ما رفضته أسرة ريجيني، معتبرةً إياه، في بيان، بمثابة "استسلام" إيطالي للجانب المصري.