كيف تورّطت مصر بالخلاف الخليجي مع قطر؟ واشنطن بوست: القاهرة ألقت بنفسها وسط موقف محفوف بالمخاطر

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

منذ قامت ثورات الربيع العربي عام 2011 ومصر في مقدمة الإصلاحات السياسية والاقتصادية في المشهد الأوسع للشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ كذلك هي نقطة رئيسية تتركز فيها الجهود التجريبية لدول الخليج كي تمارس فيها سياسات التدخل الاقتصادي والسياسي.

ومراقبة ما ستتكشف عنه أزمة الخليج الراهنة في الساحة المصرية من شأنها أن تكشف لنا الكثير عن واقع الأعراف الجديدة في التدخلات الأجنبية الاقتصادية منها أو السياسية أو العسكرية في المنطقة، وفق مقال لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


كيف ولماذا تدعم دول الخليج مصر؟


تقول كارين يانغ، وهي خبيرة في معهد دول الخليج العربي بواشنطن، في مقالها بالصحيفة إن مصر كانت ساحة معركة هامة بين دول الخليج الطامحة لتوسيع نفوذها الدولي وذلك قبل وقت طويل من بدء مقاطعة وحصار قطر في يونيو/حزيران، ففي حين قدمت قطر دعمها للإخوان المسلمين، عمدت السعودية والإمارات إلى دعم العسكر والنظام الحالي للرئيس عبدالفتاح السيسي.

وفي إطار جهودها لدعم الاستقرار السياسي المصري منذ انقلاب عام 2013، لجأت السعودية والإمارات إلى استخدام عدة أدوات اقتصادية، منها الإيداعات المالية في بنك مصر المركزي، والقروض الميسرة، والتبرعات العينية من شحنات النفط والغاز، ووعود باستثمارات أجنبية مباشرة في قطاعات كالعقارات والزراعة.

تؤكد يانغ أن تدفق هذا الدعم الاقتصادي الخليجي لمصر تذبذب على مدى السنوات الأربع الأخيرة، لكن السنة الماضية بالذات كانت عصيبة على مصر التي طرقت الأبواب التقليدية لمصادر التمويل متعدد الأطراف كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بغية معالجة أزمتها المالية ومنح عملتها الاستقرار. الآن عادت السعودية والإمارات من جديد إلى ضخ الدعم لمصر على صيغة استثمار أجنبي مباشر من جهات ذات صلة بالدولة، خصوصاً في مجال العقارات.

لكن هذا الدعم والاستثمار الأجنبي ليس صدقة وإحساناً، حتى لو كان الهدف منه تحقيق أولوية سياسة خارجية رئيسية. إن فن الحنكة والإدارة الاقتصادية، خصوصاً في الإمارات تموله عادة "قنوات استثمارية" مكونة من المصادر الخاصة بالشخصيات العامة، ما قد يعود بالنفع على الدولة وجهاتها التجارية ذات الصلة.

ورغم حيازة مصر لموقع سياسي وجغرافي مفيد إلا أن مصالحها الاقتصادية تظل موزعة بشكل محفوف بالمخاطر بين طرفي الخلاف الخليجي. صحيحٌ أن مصر ما عادت مديونة لقطر بديونها الممددة بعد عام 2011 (ذلك لأنها سددت ما عليها عامي 2014 و2016) إلا أن دفعات القروض المستحقة التسديد لبقية دول الخليج ستلقي بثقلها كثيراً على التزامات مصر الإنفاقية في الأعوام المقبلة.

y


كيف يعقد الغاز الطبيعي القطري من وضع مصر؟


تظل مصر معتمدة على قطر للحصول على إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال، فمصر من أكبر زبائن الغاز الطبيعي القطري المسال من بعد أسواق قطر التصديرية في آسيا والهند؛ لكن قدرة مصر على تلبية احتياجات نفسها من الطاقة تضعف تدريجياً نظراً للمعوقات الاقتصادية وعقبات الإمداد. اعتمادها على الغاز الطبيعي تسبب لها بمشكلة عام 2014 عندما انخفض إنتاج الغاز الطبيعي في مصر بنسبة 22.3% عن معدلاته عام 2009، كما أوقف العمل بعقود التنقيب الجديدة بعد ثورات عامي 2011 و2013 فيما ازداد طلبُ أعداد السكان المتزايدة على إنتاج الكهرباء.

قامت قطر بتصدير أكثر من 30% من مجموع إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية عام 2016، حيث كانت أكبر قاعدة لزبائنها في الشرق الأوسط هي دول الإمارات ومصر والأردن؛ لكن خلافها الآن مع الإمارات ومصر يرسم علامات استفهام على مقدرتها على الحفاظ على تلك العلاقة التجارية.

إن تحكم مصر بقناة السويس يضعها في موقع قوة لتتحكم بتدفق الغاز الطبيعي القطري المسال إلى أوروبا، لكنه في الوقت نفسه يغامر بسمعتها وصيتها إن هي حاولت عرقلة سير التجارة عبر هذا الممر المائي الدولي.

في الوقت الراهن وجدت مصر لنفسها حلاً وسطاً ألا وهو منع السفن القطرية من التوقف في موانئ مصر ومناطقها الاقتصادية، لكن مع السماح لها في الوقت نفسه بالعبور من القناة، بحسب ما أعلن في وقت سابق الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس ورئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس المصرية، لكن إن تأججت أزمة مجلس التعاون الخليجي أكثر وزادت معها العقوبات التجارية على قطر وشركائها التجاريين، فإن العواقب والتبعات الاقتصادية لذلك ستكون عالمية المدى.

كذلك تعد مصر مضمارَ تجارب لكيفية سير تدابير التقشف التي على دول الخليج فرضها وتطبيقها محلياً في بلدانها، مع ملاحظة فرقٍ هو أن دول الخليج عموماً أفضل حالاً وموقعاً من مصر لكي تختار لنفسها ما تشاء من بين الإصلاحات البنيوية، ذلك أن مصر تمر بمرحلة تغييرات واسعة وترزح كذلك تحت عجز مالي تنفّر الاستثمار الأجنبي والسياحة اللذين هما المصدر الأساسي لمدخول العملة الأجنبية.

من جهة أخرى يرى بعض الخبراء أن التكلفة البديلة للإنفاق الحكومي على استهلاك الطاقة –في صيغة دعم أسعار حكومي- تدعم صناعات غير ذات كفاءة على حساب حقائب حكومية أخرى؛ فزيادة الإنفاق على الطاقة معناه تضاؤل أموال الميزانية الحكومية المخصصة لقطاعات الصحة والتعليم التي تعد استثمارات أفضل على المدى الطويل.

ويواجه المصريون شبح البطالة المرتفعة وعوائق أمام إشراك كافة شرائح المجتمع –خصوصاً النساء- في سوق العمل والاقتصاد، ولهذا تظل فرص الوظائف والعمل في دول الخليج العربي الملاذ الضروري للكثير من العائلات المصرية، إلا أن مستقبل مَنْ يعمل في قطر من هذه العائلات يظل مبهماً.

حالياً يظل الاستثمار في استقرار مصر السياسي ونموها الاقتصادي أولوية في السياسة الخارجية لكل من الإمارات والسعودية، ولعل الحكومات وصُناع السياسة سيستغلون الفرصة لتعلم دروس من تجارب أجندة الإصلاح الاقتصادي الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

الخلاف القائم بين قطر من جهة والحلف الرباعي المكون من مصر ودول الخليج هو بشكل أو بآخر خلافٌ على ممارسة فن الحكم والإدارة الاقتصادية؛ فقطر تستخدم مواردها الاقتصادية لتدعم الحركات السياسية الإقليمية من الأسفل، فيما دول الطرف الآخر من الخلاف تدعم ما تسميه الحوكمة العلمانية في ظل سيطرة الدولة القوية المحكمة. ولهذين المنظورين المتنافسين لأساليب الإدارة والحكم جيوب عميقة مدعومة بحقائب المساعدات والاستثمارات التي بوسعها إعادة تشكيل وتشويش الاقتصاد السياسي للمنطقة بأسرها.