ما هدف السعودية من التقارب مع شيعة العراق؟ أميركا تترقب.. وهذا ما يأمله السنّة من الرياض

تم النشر: تم التحديث:
S
S

بعد سنوات من الجفاء، فاجأت السعودية بالانفتاح على الحكومة العراقية وقيادات شيعية كبرى بالبلاد؛ الأمر الذي أثار تساؤلات عن هدف الرياض من التقارب من حلفاء غريمتها إيران.

وصفت مجلة فورين بوليسي الأميركية هذا التحسن الأخير، والمتأخر للغاية، في العلاقات بين العراق والسعودية، بأنه واحد من أفضل الأخبار القادمة من الشرق الأوسط منذ وقتٍ طويل.

وبدأ هذا التحسن في فبراير/شباط 2017، عندما زار وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، بغداد -وهي أول زيارةٍ من نوعها منذ عام 1990- وأعقب هذا سلسلةٌ من اللقاءات، كان من بينها اجتماعٌ بين وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في 19 يوليو/تموز الماضي.

وكانت زيارة رجل الدين الشيعي المتَّقد حماسةً مقتدى الصدر إلى الرياض؛ لإجراء مباحثات رفيعة المستوى لتحسين العلاقات الثنائية مع السعوديين، في 31 يوليو/تموز الماضي- أكثر هذه الزيارات اللافتة للانتباه.

وكقيادي عراقي، تبنَّى الصدر عادة نبرةً قومية متشددة، وأحياناً توجهاً متعصباً للشيعة. ورغم أن علاقته بطهران معقدةٌ حالياً؛ بسبب نفوذه المستقل ولجوئه في بعض الأحيان إلى توظيف الحس الوطني العراقي في مواجهتها- كان الصدر حليفاً هاماً لإيران خلال معظم الفترة التي تلت عصر الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وتستمر الميليشيا التابعة له، (سرايا السلام)، في تلقي دعمٍ مكثف من الحرس الثوري الإيراني. ولكل الأسباب السابقة، كان لقاؤه بالسعودية، التي تعد العدو العربي السنّي التقليدي لإيران، مفاجأةً على أقل تقدير.


ما هي نوايا السعودية من هذا التقارب؟


ورغم أنها لا تزال في مرحلةٍ مبكرةٍ، تشير المباحثات إلى نوايا سعودية محتملة لدعم العراق المُدمَّر بفعل الحرب، وتخفيف القيود المفروضة على التجارة والتواصل بين البلدين، وإعادة فتح خطوط الغاز الطبيعي القادمة من العراق عبر السعودية إلى البحر الأحمر والتي بُنِيَت خلال الحرب العراقية-الإيرانية، لكنها أُغلقت بعد غزو صدام للكويت في عام 1990.

وعلاوة على ذلك، أثارت المباحثات احتمالية وجود دورٍ سُنّي سياسي هام بالمشهد العراقي في مرحلة ما بعد تنظيم داعش.


موقف الولايات المتحدة


ولا يمكن النظر إلى هذا التقارب سوى أنه يمثل أخباراً جيدة بالنسبة للولايات المتحدة والعراق؛ إذ تحاول واشنطن -بلا جدوى- منذ عام 2003، إقناع السعوديين والدول الخليجية الأخرى بأن هناك دوراً حيوياً ينبغي لهم لعبه لتحقيق استقرار العراق وإعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، وأن ازدراءهم العراقيين سيلقي، ببساطة، بشيعة البلاد بين أذرع الإيرانيين وبالسُنّة بين أذرع التنظيمات الإرهابية كـ"القاعدة" و"داعش".

وسيكون التحدي الصعب، بالنسبة للولايات المتحدة، هو مقاومة إغراء فرضية أن دوراً سعودياً أكبر في العراق سيؤدي إلى دورٍ أميركي أصغر. لكن مثلما يُمثل تحسُّن العلاقات مع السعودية أهميةً بالنسبة للعراق، ما زلت الرياض لا تستطيع استبدال دور واشنطن هناك.

وبالتأكيد، سيسهم الدعم السعودي في تمكين الولايات المتحدة من أداء المهام التي تستطيع القيام بها فقط: مثل مساعدة العراقيين في التوصل إلى تسويةٍ وطنية جديدة، وإبرام اتفاق تشارك السُلّطة بين السُنّة والشيعة، والمساعدة في التوصل إلى حلٍ دائم لوضع كردستان العراق، وإضعاف النفوذ الإيراني المفرط في دولةٍ عربيةٍ، هامة على المستوى الاستراتيجي.

ويمكن أن يستفيد العراق استفادةً كبيرةً من تحوُّل العلاقات بين البلدين، وقد يساعد هذا أيضاً الجهود الأميركية، على نحوٍ هائل، في إعادة استقرار البلاد بأعقاب هزيمة "داعش" الوشيكة.


السنّة


ويمكن أن يضطلع السعوديون بدورٍ هام في منع الدولة المجاورة لهم على الحدود الشمالية من الانزلاق في حربٍ أهلية للمرة الثالثة.

فقد يسهم تأثيرهم على القادة العراقيين السُنّة والقبائل في محافظة الأنبار، صعبة المراس، في التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ لتشكيل حكومةٍ ببغداد أكثر تمثيلاً لطوائف الشعب.

ويعد انفتاح السعوديين في تعاملهم مع العراقيين أمراً هاماً، ليس فقط لعودة العلاقات الثنائية بين الجانبين؛ بل أيضاً لإعادة دمج العراق في محيطه العربي الأوسع.

وفي أعقاب اللقاء المحوري بين الصدر وولي العهد السعودي، دُعِيَ رجل الدين الشيعي لزيارة الإمارات، حيث أعلن وزير الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، عن بدء عهدٍ جديد من العلاقات بين العراق ودول الخليج العربية.

وعقب ذلك، زار 4 وزراء خارجية عرب بغداد خلال الشهر الجاري، أغسطس/آب 2017.

ويمكن أن يمنح الموقف السعودي المنفتح العراقيين السُنّة الثقة لإبرام صفقاتٍ مع الشيعة في بغداد. فبعد معرفتهم بأنه بات لديهم دولة قوية مجاورة تدعمهم، قد يصبحون أكثر استعداداً لقبول تسويةٍ مع الشيعة.

ومن المفترض أن يزيد هذا أيضاً من ثقة السنّة بأن المتشددين من الشيعة لن يتمكنوا من تجاهل مطالبهم المشروعة في مجالاتٍ، مثل التمثيل السياسي والامتيازات الاقتصادية. وقد يساعدهم هذا أيضاً في تلبية احتياجات مجتمعهم بعد الدمار الذي تسبب فيه تنظيم داعش.


هكذا ينظر الشيعة للنفوذ الإيراني


وللبُعدين السياسي والنفسي لهذا التقارب أهميةٌ متكافئة لدى الطرفين، السنّي والشيعي.
فرغم أن بعض شيعة العراق لديهم قدرٌ من الثقة بأن طهران ستدعمهم في الوقت الذي لن يقف فيه أحدٌ آخر بجوارهم، لا يُعجب كثيرون منهم بتنامي النفوذ الإيراني المتغطرس بالعراق ويرغبون في تحجيمه.

وفي الماضي، كلما حاول أي قائدٍ شيعيٍ معتدلٍ السيرَ في طريقٍ مستقل عن إيران، يجد أنه من المستحيل استبدال سخاء وحماية طهران بأي شيء آخر. فلن تقدم الولايات المتحدة ولا الدول العربية السُنّية المٌتشكّكة فيهم أية مساعدةٍ؛ ما يُجبر القائد المعتدل على العودة مرةً أخرى للتعاون مع إيران.

وفي نهاية المطاف، لا يريد العراقيون أن يصبحوا معتمدين على السعودية أيضاً -فهم يشعرون بالرعب من فكرة أن تكون بلادهم ساحة المعركة الجديدة للحرب بالوكالة بين السعودية وإيران- لكن ترغب بغداد في الاعتماد على قوةٍ إقليمية أخرى لاستعادة توازن سياستها الخارجية.


الانتخابات


ويمكن أن يسهم تحسن العلاقات مع السعودية، قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018، في تسهيل الأمر أمام العراقيين لدعم المرشحين المعتدلين القادرين على التوفيق ما بين الانقسامات الطائفية، بدلاً من اختيار المرشحين المتطرفين الذين مزقوا البلاد.

وطوال الـ14 سنةً الماضية، حافظت المملكة السعودية على مسافةٍ في علاقتها مع العراق، معتقدةً أنها خسرتها بالفعل لصالح الإيرانيين. وحتى إن لم يكن الوضع كذلك، فإن المسؤولية من وجهة نظر الرياض تقع على عاتق الولايات المتحدة لحل المشكلات، التي خلقتها بغزوها للعراق.

وعندما بزغ نجم ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، فإنه أبدى استعداداً لإعادة تقييم السياسات القديمة والتنافس مع طهران في مناطق، كانت المملكة قد تخلت عن نفوذها بها سابقاً.

وأبدى البعض انتقاده لمنهج بن سلمان الجديد، باعتباره استعراضاً للقوة بين الحين والآخر، وخاصة في حالة تورط السعودية في حرب اليمن.

غير أن هذا الانفتاح في التعامل مع القادة الشيعة بالعراق، يشير إلى أن السعوديين قادرون أيضاً على ممارسة اللعبة السياسية بذكاءٍ وتجاوز الخلافات الطائفية عند الحاجة إلى ذلك.