معركة التماثيل الكونفدرالية.. أهي شرارة لحرب أهلية أميركية جديدة؟

تم النشر: تم التحديث:
VIRGINIA
Marcus Constantino / Reuters

بعد أن ظن الكثيرون أن صفحات التاريخ طوت الجدل الذي ظل يجتاح المجتمع الأميركي في أثناء "حقبة الرقيق"، عندما كان القانون الأميركي يعطي امتيازات وحقوقاً للأميركيين البيض دون ذوي الأصول الإفريقية، عادت الصدامات العنيفة التي شهدتها مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأميركية لتسبر أغوار الماضي العميق ويطفو ذلك الجدل على السطح مجدداً.

فعاد الحديث عن جماعات عنيفة مسلحة ذات ماضٍ لطخته الدماء والعنف كما هو حال حركة "كوكلوكس كلان" و"النازيون الجدد" و"ذوو الرؤوس الحليقة" وغيرهم.

مرة أخرى تعود تلك الأحداث لتنكأ جراح الحرب الأهلية والانقسام الذي تولد عنها حتى وصل الأمر إلى التماثيل والنصب التي مجدت قادتها، في ظل تراشق الاتهامات حول من هو "خائن" ومن هو "وطني"!

قد يعتقد البعض أن هذه المسألة سهلة، ويمكن حلها بسهولة كبيرة، لكن الأمر لا يبدو كذلك.

ففي ظهيرة يوم مشمس 12 أغسطس/آب الماضي، اندفع الأميركي الأبيض المتطرف جيمس أليكس فيلدز، السبت الماضي، بسيارته "الدودج تشالنجر"، فضية اللون، باتجاه متظاهرين ضد العنصرية، متسبباً في مقتل هيذر هاير (32 عاماً)، وجرح 19 آخرين.

الحادث نفسه، جاء على خلفية احتشاد أعداد كبيرة من المؤيدين للجماعات العنصرية البيضاء واليمينية المتطرفة، بينها "كوكلكس كلان" و"النازيون الجدد"، في شارلوتسفيل، قابلها خروج مظاهرة لأعداد أخرى من مناهضي العنصرية في المدينة، قبل تعرض الأخيرة للهجوم.

وجاء احتشاد مؤيدي الجماعات العنصرية البيضاء؛ احتجاجاً على قرار المدينة إزالة تمثال الجنرال "روبرت لي"، أحد رموز الحرب الأهلية الأميركية، والمتهم بالعنصرية وتأييد العبودية.

من هو الجنرال "روبرت إي لي" الذي يختلف الأميركيون حوله بعد قرن ونصف من وفاته؟

وُلد الجنرال "روبرت إي لي" في 19 يناير/كانون الثاني 1807 في مقاطعة ويستمورلاند بولاية فرجينيا، وهو واحد من 9 أبناء للحاكم التاسع لولاية فرجينيا الضابط بسلاح الفرسان "هنري لي الثالث"، وأحد الموفدين الأوائل لتمثيل المقاطعة، التي أصبحت لاحقاً ولاية فرجينيا، في الكونغرس التأسيسي للبلاد، وكان أيضاً أحد المقاتلين البارزين في فرقة الخيّالة المشاركة في الثورة الأميركية (1775-1783) ضد التاج البريطاني، والذي نتج عنه لاحقاً تأسيس الولايات المتحدة الأميركية.

سمعة والد الجنرال وبسالته في معركة تحرير البلاد، هما ما أكسباه لاحقاً لقب "لايت هورس هاري"؛ لجرأته وحنكته وشجاعته في التصدي للجيش البريطاني.

انضم "روبرت إي لي" إلى أكاديمية "ويست بوينت" العسكرية عام 1829 وتخرج فيها كثاني أفضل المتفوقين على دفعته دون وجود شائبة واحدة في سجله، خلال السنوات الأربع التي قضاها هناك، بحسب قناة "هستوري" التأريخية الأميركية، ليتعين في فيلق المهندسين.

وبحسب القناة التأريخية نفسها، فقد برز نجم "لي" في الحرب الأميركية-المكسيكية (1846-1848) التي نشبت بين الجارين عقب ضم الولايات المتحدة تكساس إليها عام 1845 بعد انفصالها عن المكسيك والذي جاء ثمرة ما يعرف بثورة تكساس عام 1836.

أصيب "لي"، الذي كان برتبة نقيب خلال هذه الحرب، بجروح بسيطة، نال على أثرها ترقية تشريفيةً إلى رتبة عقيد (دون الامتيازات المرافقة للرتبة أو زيادة في الراتب)، ووصفه القائد العسكري لهذه الحرب وأحد أهم الجنرالات العسكريين في التاريخ الأميركي وأطولهم خدمة في هذه الرتبة (52 عاماً)، الجنرال وينفيلد سكوت، بأنه "أفضل جندي وقعت عليه عيناي في الميدان".

في عام 1852، تم تعيين الجنرال "لي" رئيساً لأكاديمية ويست بوينت العسكرية التي تخرج فيها قبل 23 عاماً من ذلك التاريخ، إلا أنه وبعد 3 سنوات فقط، استطاع الحصول على موافقة وزير الحرب الأميركي وقتها، جيفرسون ديفيس، ليعود إلى الجيش برتبة مقدم في فرقة الخيالة الثانية بغرب تكساس.


الحرب الأهلية


وفي عام 1861، اندلعت الحرب الأهلية بين حلف الشمال الذي ضم عضو الحزب الجمهوري وقتها والرئيس الجديد للبلاد أبراهام لينكولن تدعمه في ذلك 23 ولاية، ويقود جيشه الجنرال "يوليسيس إس غرانت" الذي أصبح لاحقاً الرئيس الـ18 للولايات المتحدة، في مقابل 7 ولايات جنوبية معززة بانضمام 4 أخرى مشكِّلة الاتحاد الكونفدرالي الأميركي برئاسة وزير الحرب الأسبق جيفرسون ديفيس، ويقود جيشها الجنرال ديفيد إيمانويل تويغز، والذي كان عمل الجنرال روبرت إي لي تحت قيادته كقائد جيش شمال فرجينيا.

كانت خطة الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس الأميركي السادس عشر، أبراهام لينكولن، هي محاولة فرض قوانين إلغاء العبودية على جميع الولايات الأميركية، حال فوز مرشحهم الرئاسي عام 1861، إلا أن 7 ولايات أميركية كانت تنوي إعلان انفصالها عن الاتحاد الأميركي في حال فوز المرشح الجمهوري؛ بسبب هذه الخطة.

كانت الولايات الجنوبية تعتقد أن محاولة الرئيس فرض منع العبودية عليها، إنما هو تدخل من الحكومة الفيدرالية في صلاحيات الولاية، والتي من ضمن صلاحية حاكمها السماح بممارسة تجارة العبيد.

الولايات الجنوبية لم تكن تريد هذا فحسب؛ بل أرادت أن تدّعي أحقيتها في توسيع هذه الممارسة إلى ولايات أخرى.

في شتاء عام 1865، قام رئيس الاتحاد الكونفدرالي، جيفرسون ديفيس، بتعيين الجنرال "ي" قائداً عاماً لجيوش الكونفدراليين الجنوبيين، إلا أن الوقت كان متأخراً وسرعان ما أعلن "لي" استسلامه أمام تقدُّم قوات الشمال في 9 أبريل/نيسان 1865، منهياً بذلك الحرب الأهلية ومفسحاً الطريق للرئيس لينكولن لفرض قانون إلغاء العبودية.

أصبح "لي" فيما بعد رئيساً لكلية واشنطن في مدينة ليكسنغتون بولاية فرجينيا وحتى مماته بالسكتة القلبية عام 1870، والتي أصبحت بعد ذلك جامعة "لي" وواشنطن.


خائن أم وطني؟


ورغم أن اليمين، بشكل عام، ينظر إلى الجنرال "لي" على أنه البطل الذي دافع عن الجنوب حتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان الاستسلام في ربيع عام 1865- فإن العديد من المؤرخين يرونه اليوم "خائناً" للعهد الذي قطعه على نفسه يوم أصبح عسكرياً؛ بالحفاظ على تلاحم "الاتحاد" بين الولايات الأميركية في الشمال والجنوب.

ويرفض أستاذا القانون ستيفن لوبيه وألفريد بروفي، في مقال بصحيفة "شيكاغو تريبيون" تحت عنوان "لماذا ترامب على خطأ بالمساواة بين جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) وروبرت إي لي؟"، حيث رفضا تلك المساواة بين روبرت لي وجورج واشنطن على اعتبار أن الأول "خائن" والثاني "قائد وطني".

ويقول الأستاذان، في مقالهما المشترك المنشور الأحد الماضي: "أولاً وقبل كل شيء، جورج واشنطن كان وطنياً بينما روبرت لي كان خائناً، ثم إن واشنطن قاد رجال بلاده في معركة لإحراز استقلال الولايات المتحدة، بينما بذل (لي) أقصى جهده من أجل تدمير اتحادنا الأكثر كمالاً، من أجل العبودية".

ويحذر الأستاذان الجامعيان بالقول: "وإياك والخطأ، فإن الغرض الرئيس من الكونفدرالية (في الجنوب) كان لإدامة الرق وتوسيعه؛ بل إن الدستور الكونفدرالي الذي أقسم (لي) على الدفاع عنه وحمايته يحظر أي قوانين تمنع معاملة العبيد السود على أنهم ليسوا ممتلكات".


موقف ترامب


وعقب عجز الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن إدانة الجماعات العنصرية البيضاء في شارلوتسفيل عقب الحادث الذي أودى بحياة امرأة في العقد الثالث من عمرها في اليوم نفسه، بحجة عدم اكتمال المعلومات لديه عن الحادث وقتها- عاد ترامب يوم الثلاثاء 15 أغسطس/آب الماضي، ليقول بعد إدانته هذه الجماعات: "العديد من هؤلاء الناس (المحتجين على إزالة تمثال الجنرال روبرت لي) كانوا هنالك للاعتراض على إزالة النصب".

وتابع متسائلاً: "إذا أزلنا هذا الأسبوع روبرت إي لي، لاحظت كذلك إزالة تمثال ستونوول جاكسون (أحد الضباط الذين كانوا تحت إمرة لي)، أتساءل: هل سيكون جورج واشنطن الأسبوع القادم؟! وهل سيكون توماس جيفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة) الأسبوع الذي بعده؟! ولكن سيكون عليك بحق أن تسأل نفسك، عند أي حد سنتوقف".

وأعرب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن استيائه للحملة التي تشنها بعض الولايات لإزالة "النُصب الكونفدرالية" من ساحاتها العامة والأبنية الحكومية.

وقال ترامب، في 3 تغريدات متتابعة على صفحته الشخصية بموقع "تويتر": "من المحزن أن نرى تاريخ وثقافة بلدنا العظيم يتم تمزيقهما بإزالة تماثيلنا ونصبنا الجميلة".

وتابع في تغريدة ثانية: "لا يمكنك تغيير التاريخ، لكن يمكنك أن تتعلم منه، روبرت إي لي، وستونوول جاكسون، أيهما سيكون التالي: (جورج) واشنطن أم (توماس) جيفرسون؟ يا لها من حماقة!".

واستطرد في تغريدة ثالثة: "كذلك، سلبت كل هذه الجماليات من مدننا وبلداتنا ومتنزهاتنا، سيتم افتقادها بشكل كبير، ولا يمكن استبدالها بأي شيء مماثل".

التطورات الأخيرة تلك، أعادت إلى الأذهان مجدداً تاريخ الحرب الأهلية الأميركية.


إلى أين؟


ويرى مراقبون أن ذكريات ذلك الماضي تنامت بشكل متفاوت منذ ترشح الجمهوري دونالد ترامب لانتخابات الرئاسة الأخيرة، التي أجريت في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وكذلك تنامي الصراع السياسي بين الديمقراطيين والجمهوريين، الذي أفرز بدوره خلافات على صعيد السياسات الداخلية، أهمها تصاعد الاتهامات بضلوع ترامب وأعضاء حملته الانتخابية في تدخل روسيا لصالحه في انتخابات عام 2016، على حساب منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون.

كما أن تفادي ترامب إدانة جماعات العنصريين البيض صراحة، وعدم تسميته اعتداءات شارلوتسفيل "الإرهاب المحلي"، من بين أسباب تفاقم أزمة الاستقطاب في الولايات المتحدة، ودعم الممارسات العنصرية المتطرفة، وفق محللين.

واتضحت الأزمة في استقالة أعضاء لجنة "الفنون والإنسانيات" بالبيت الأبيض (17 مستشاراً) من مناصبهم؛ احتجاجاً على موقف ترامب من أحداث شارلوتسفيل، ومساواته بين المتطرفين اليمينيين ومناهضي العنصرية، فضلاً عن توجيه اتهامات لترامب بأنه "وراء تنامي جرأة الجماعات المتطرفة".

لكن التطورات التي ستجود بها الساحة خلال الأيام المقبلة ستحدد أي طريق ستسلكه الولايات المتحدة.. هل ستعيد ذكريات الماضي أم ستنجح في تخطيه؛ ومن ثم تخطي أزمتها الحالية؟