مدينة سويدية يتحد فيها اللاجئون مع الموسيقيين على عشق شئ قادم من سوريا.. هل تعرف ما هو؟

تم النشر: تم التحديث:
SSS
Agencia Mexico

في زاوية غير متوقعة من السويد تنمو وتترعرع ثقافة مزدهرة من الطعام والمطبخ السوري بفضل اللاجئين الذين يعيشون جنباً إلى جنب مع أهالي مدينة "مالمو" من عشاق الموسيقى الشبابية.

تضج الساحة الرئيسية في حي Möllevången ذي الثقافة البديلة غير النمطية ولا التقليدية في مدينة مالمو السويدية بالألوان الزاهية أيام السبت، فسوق الهواء الطلق فيها عامر يعج بالخضراوات من بنفسجي باذنجانها المكتنز المكدس بعناية وفخر بجانب باقات الكزبرة الخضراء اليانعة، فيما الباعة يثرثرون مع أصدقائهم بكافة اللغات واللهجات متذمرين من أعاجيب الطقس.

إيميل جاب مراسلة الأسفار والرحلات في صحيفة الإندبندنت البريطانية تقول عن هذا المشهد "لقد تحولت هذه الزاوية العالمية الكوزموبوليتانية في مالمو عبر السنوات الأخيرة من منطقة للطبقة العاملة وكادحيها إلى حيّ متعدد الجذور والثقافات والألوان.

تجد فيه أضداداً كاللاجئين وعشاق الموسيقى الشبابية وتقليعاتها متعشقة جنباً إلى جنب. كذلك تعد هذه المنطقة مركزاً وقِبلة لذواقة المطبخ السوري الأصيل في المهجر خارج الوطن.

كيف بدأت التجربة من الدم؟

في عام 2015 وفي عز الأزمة السورية، رحبت السويد بعدد من اللاجئين السوريين فاق أي بلد أوروبي آخر في نسبته وتناسبه مع عدد سكان البلاد. من أصل 163 ألف لاجئ وفد إلى السويد عام 2015 مُنح 32 ألفاً حق اللجوء، فجاء أغلب هؤلاء إلى مالمو المعروفة أصلاً بتنامي الجالية العربية شرق الأوسطية فيها.

وكان "الشاميات" أول مطعم سوري يفتتح في مالمو في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2013. زرت فرعه الكائن في منطقة Bergsgatan الذي لا يبعد سوى 5 دقائق عن ساحة سوق السبت، فوجدت بالداخل صاحب المطعم موريس سلّوم يلعب بشاربه المفتول فيما يتأمل نُدُله الذين يفرشون على الطاولات مآدب من المقبلات التي تسمى "المازة" لأن الآكل يمزمز في تذوقها واستطعامها.

كان سلوم قد وصل إلى مالمو عام 2012 أوائل أزمة الحرب في بلاده، حيث استغرقته رحلة السفر من بيته في دمشق إلى السويد 18 يوماً، أما العام الماضي 2016 فقد فاز مطعمه "الشاميات" بلقب "أفضل مطعم شرق أوسطي" في مالمو وهو اللقب الذي تمنحه صحيفة Sydsvenskan المحلية، ليكون اللقب بذلك ترسيخاً لموقع سلوم في هذه المدينة الجديدة.

يقول سلوم "كنت أشعر بالروعة. كنت سعيداً وفخوراً جداً لأن الشعب السويدي تقبل وجودي هنا في هذه البلاد." لكنه ما زال يبدي قلقاً من أنه ليس كل السويديين يتقبلون الجالية المهاجرة إليهم.

ddd

ففي الشهر الماضي يوليو/ تموز 2017 حدث في ستوكهولم اعتداء إرهابي ارتكبه طالب لجوء أوزبكي متعاطف مع "داعش" لأن السلطات رفضت طلبه اللجوء في البلاد.
يعلق سلوم قائلاً "لقد أحزنني ذلك كثيراً، فخبزت خبزاً ذلك اليوم وخرجت إلى الشارع أوزعه مجاناً."

وقد جاء قرار سلوم بافتتاح مطعمه هذا لأنه رأى فجوة في السوق، وأسمى مطعمه "الشاميات" تيمناً باسم مدينته دمشق وكذلك على اسم طبق طعام لا يوجد إلا في دمشق.

يضيف سلوم "قبل قدومنا لم يكن في مالمو طعام شامي (دمشقي)، لذا عملنا بجد لكي نقدم لزبائننا شيئاً مميزاً وفريداً."

تقول إيميلي "طلبت صحناً من الفتوش، الذي هو سلطة من الأوراق الخضراء خشنة التقطيع مع عيدان الفليفلة الخضراء والحمراء الملونة والزيتون وقطع الخبز العربي الأملس المحمصة والمقرمشة، كل هذا في صلصة لذيذة من دبس الرمان.
يتحدث سلوم عن هذه السلطة قائلا"إنه طبق تقليدي لذيذ كالتبولة" لكن طعمه اللاذع في حمضه وحلاوته في آن معاً مع لمسته القروية الخشنة يجعلان منه عالماً مختلفاً تماماً عن التبولة.

وكانت جذور المطبخ شرق الأوسطي في البلاد قد أسسها المهاجرون الأتراك واللبنانيون الذين مهدوا الطريق أمام المطاعم السورية لتزدهر بدورها.
وبعد استقبالها الحافل للاجئين السوريين عام 2015 ، ودعت"السويد سخاءها التقليدي لتشدد قوانين اللجوء"، وبدأت تظهر مشكلات في الاندماج وسوّق العمل وتسكين اللاجئين.

رجال الشرطة

في شارع Baltzarsgatan مطعم Laziza اللبناني المعاصر الذي تجتذب موائد البوفيه العامرة فيه حوالي 300 زبون في اليوم. يقول صاحبه سعدو إسكندراني أن جده كان أول من افتتح محل فلافل في مالمو.

وعن جده يقول "كان هو قدوتي، فقد كان بارعاً في الخبز والفلافل. لقد بدأ في التسعينيات ببيع الفلافل على عربة بـ Helsingborg فأحب الناس المذاق، وصار المدرّسون ورجال الشرطة يأتونه ليأكلوا من عنده، وكذلك يأتيه 20 راكباً للدراجة يقفون كلهم في طابور للحصول على الفلافل."

ويتابع "أرى أن في مالمو أجمل مزيج للثقافات التي تعيش هنا وأن الطعام يبني جسوراً بين الثقافات."

أما أحدث مطعم انضم إلى مشهد المطبخ السوري في مالمو فهو مطعم "أيام دمشق" الذي يقع شمال منطقة Möllevången عند المنطقة الفاصلة بين حي Varnhem و حي Carolikvarteren في شارع اسمه Östra Förstadsgatan.

www

يقول هاني عواد الشيف وصاحب المطعم في آن واحد أنه افتتح المطعم منذ 9 أشهر فقط، وأنه كان قد وفد على السويد قبل 4 سنوات عندما كان عمره 39 عاماً، وعلى عكس الشبان الذين يأتون من سوريا إلى السويد فقد كان هاني في بلده صاحب مطعم كبير ناجح في دمشق اسمه "طائر السلام".

تصاميم ديكورات مطعم "أيام دمشق" جميلة، شعار المطعم معاصر ذو زخارف هندسية، كما تزين الحيطان بسطٌ جدارية عليها لوحات يمثل كلٌ منها معلماً من معالم دمشق وشوارعها، تتخللها خيوط ذهبية ترسم معالم بعض تفاصيل الرسم.

يقول هاني "تسير الأمور هنا بسرعة، أما في بلدي فكل شيء يسير بشكل أبطأ قليلاً، فقد أتيت إلى هنا وفتحت مطعماً وتزوجت وأنجبت ولداً والثاني على الطريق، وكل هذا في غضون 4 سنوات!"

كان وصوله إلى السويد بالقارب، وقد استغرقه الأمر 5 محاولات.

يقول معلقاً "لست أدري لماذا غامرت مرة خامسة، لكنني قلت لنفسي أني لا يمكنني التراجع هذه المرة. قد أموت فيها ولكن لن أتراجع. ولحسن الحظ هأنذا هنا، وهذا جيد."

قلبي هناك

يقدم هاني عواد طبق الفتة في مطعمه "أيام دمشق"، والذي هو مزيج دافئ من "المسبحة" (أي الحمص المطحون البيوريه الثخين) مع اللبن وطحينة السمسم وقطع طرية من الخبز الأملس "المفتوت" (أي المقطع) تذوب أسفل كل هذا المزيج.
يزين وجه الطبق الكاجو المحمص وبذور الرمان وقطع الخبز المقرمش والصنوبر المحمص ورشة من السماق. إنها سمفونية متناغمة من المذاق الرائع.

ويبدو أن حياة عواد تسير بشكل جيد هنا، لكن قرار انتقاله من سوريا لم يكن خياراً، بل ضرورة ملحة. هو يعمل طيلة النهار رغم أن الشهر كان شهر رمضان في عز الصيف الطويل، ولهذا سيظل مطعمه مشرعاً أبوابه أمام زبائنه المسلمين حتى الـ4 فجراً لكي يفطروا ويتسحروا في مطعمه.

يقول هاني عواد "صعبٌ جداً أن تغير كل حياتك، لكن الحياة هنا جيدة، بل جيدة جداً، والناس لطفاء وأرى أن حياتي هنا تشبه حياتي في دمشق، لكنها ليست حياتي، لأن قلبي ما زال في دمشق."

ثم يشيح ببصره إلى لوحة معلقة على الحائط تصور طريقاً حجرياً متعرجاً تحده من الجانبين الأبنية العتيقة، فيختم قائلاً "آمل ذات يوم أن أسير في تلك الطرقات ثانية وأن أتذوق طعام الديار."