"أم الغلام" و"سلطان العاشقين" وغيرهم.. أولياء "المحبة والوصل" في مقابر القاهرة.. كيف يراها المتصوفة؟

تم النشر: تم التحديث:
SUFI EGYPT
Amr Dalsh / Reuters

لـ"أولياء الله الصالحين" بيوت ممتدة في مصر، بعضها يعرفها الجميع، وبعضها الآخر لا يزال مجهولاً إلّا للقليلين الذين عرفوا طرق "الأولياء" فسلكوها حتى لو كانت طرقاً تؤدي بهم إلى الموت، فدونها كل الأشياء بالنسبة لهم.

بين مقابر الإمام الشافعي، وفي رحاب السيدة عائشة أحبّوا السكن، وعندهم أيضاً كان المرقد الأخير.

تحت سفح جبل المقطم، يرقد "سلطان العاشقين"، عمر بن الفارض، الذي أحيا موات النفوس بأشعاره، واحتضنه سفح المقطم في ضمته الأخيرة التي كتب قبلها:

إن الغرام هو الحياة فمُتْ به ... صبّاً فحقك أن تموت وتُعذرا

كثيرون لم يعرفوا ابن الفارض أو "سلطان العاشقين" كما يسميه مريدوه، مبدع القصائد الصوفية، الذي وُلد لأبٍ سوري، هاجر به إلى مصر، واستقر فيها، وتزوَّج لينجب فيها ابنه العمري، الذي سيصبح فيما بعد "نوراً لكل من يعرفه"، على حد تعبير أحبائه.


"سلطان العاشقين".. من سفح مكة إلى سفح المقطم


تربى الفتى فى حضرة المذهب الشافعي، ثم مال قلبه إلى المتصوفة، فعرف طريق الزهد، وكانت مكة هي قدره الموعود، فهناك سيجد فتح الله، كما وعده شيخه القديم. مسترشداً بالمشورة، استقر به المقام 15 عاماً في مكة، تحت سفح جبل، بواد غير ذي زرع، في خلوة حجازية، نظم فيها معظم أشعاره، متبتلاً في رحاب الله، محباً لا يغيّبه عن معشوقه والد ولا ولد.

ثم عاد ابن الفارض بعدها إلى مصر، ليكمل بقية حياته داخل أحد الأحياء المصرية، تحت سفح جبل المقطم.

قليلون هم من يعرفون الطريق إلى المسجد الذي يحتضن قبر ابن الفارض، سكان المقابر في منطقة الأباجية فقط هم الأدلة، الذين تسير أيامهم بجواره، يعرفون من يكون السيد على قلوب المحبين والمريدين، تأتيهم إشارات العاشقين فور اقترابهم من مقام السلطان، بأوراق الورد، وشموع الوصل.

إن مُـــتُّ وزارَ تُرْبَتي من أَهْوَى ... لبَّيْتُ منــاجِياً بغيـــرِ النَجْوَى
في السر أقول يا تُرى ما صَنَعَتْ ... ألحاظُكَ بي وليسَ هَذَا شَكْوى

يعرفون دعواتهم، ويحفظونها: أن يجمع السلطان قلوبهم المُحبة، ويربط بحبل الود ما يمكن أن تفرقه النوائب والمحن، بمنديل تملأه الدموع، ونقود يُتلى عليها الدعاء، ثم تقبّلها الشفاه قبل أن تستقر في حضرة المقام الأخضر، في انتظار استجابة الدعاء، ببركة السلطان المجهول، وأشعاره، أو هكذا يشعر مريدوه.



ibn alfarid

إذ يسير المريد في القاهرة مردِّداً قوله:

يا قلبُ أنتَ وعدتني في حُبّهمْ ... صَبراً فحاذر أن تَضِيقَ وتَضجرا
إن الغرام هو الحياة فمُت به ... صباً فحقّك أن تَموتَ وتُعذرا

هكذا فرض سلطان العاشقين محبته عليهم، وحين تخيَّر من بين ربوع مصر سفح المقطم، كان يعرف أن ذلك المكان سيكون قِبلة لا تفرّق بين الأغنياء والفقراء، وأنه سيكون ولي المحبين، وسفير المستضعفين، وقِبلة العاشقين.

في واحة الأباجية، لم يكن ابن الفارض وحيداً؛ بل استقر إلى جواره العديد من "أولياء الله" -كما يطلق عليهم مريدوهم-، الذين جمعهم الزهد أيضاً.. زهد الحياة وربما الموت كذلك، فعاشوا فقراء إلى الله، واستمرت مقاماتهم فقيرة أيضاً.


ابن عطاء.. كرامات سكندرية


ومما ينقل في هذا الصدد، أنه في الجوار القريب قد يسكن من أحبَّ الله كلامه، حيث بعث رسول الله برسالة إلى أحد أولياء الله الصالحين ابن عطاء السكندري في منامه، أن تكلّم فإن الله يحب كلامك. في مصر عاش ومات ابن عطاء السكندري.

وللرجل "كرامات" يتناقلها مريدوه القادمون إليه في آخر أيام ديسمبر/كانون الأول من كل عام، فهو صاحب المولد الميلادي، الذي لا يرتبط بالتقويم الهجري.

ومما يروى عن كراماته كما يعتقد فيها مريدوه، أن مسجد ابن عطاء قد بُنى في عهد شيخ الأزهر عبدالحليم محمود، في مقام الإمام الليثي أو الليث ابن سعد بعد منامات ثلاثة، أوصى فيها أحد المشايخ ببناء المسجد.

ويعتقدون أنه حتى في موته أجزل في العطاء للرجل المقصود، بعد أن وضع ميزانية خاصة لبناء المسجد تقدر بـ80 ألف جنيه مصري، صُرفت لآخرها على إتمام البناء. وفى نهاية العمل، فتح الرجل خزانته فوجد المال لم ينقص، فأمر شيخ الأزهر ببناء مئذنة للمقام.

ورغم ما يعتقدوه هؤلاء المريدون في ابن عطاء السكندري، وشهرته كأحد أقطاب الصوفية بمصر، إلا أنه يبقى مجهولاً لكثير من المصريين، فزوَّاره في الأغلب من الأجانب، وربما كانوا أكثر من حاضري مقامه من المصريين.

وقد لزم شيخه أبا العباس المرسي، حتى قال عنه: "والله لا يموت هذا الشاب، حتى يكون إلى الله داعياً، وإليه موصّلاً، وليكونن له شأن عظيم، وسيكونن له كذا وكذا".. ولم يمت ابن عطاء، حتى كان قطب العارفين، وترجمان الواصلين، ومرشد السالكين لأهل الصوفية.

رغم الحرارة المتقدة في نهار القاهرة، ورغم خطورة الموقع الذي يقع فيه مسجد القطب الصوفي، فإن الفتاة العشرينية التي قابلها مراسل موقع "هاف بوست عربي" في القاهرة لم تجد لراحتها سكناً إلا هناك، فربما لاقت فى الاقتراب ثمة سكينة، "فالوصل بالموصول صلة" كما يقول المتصوفة، والفوز بكل مشتهى لا يتحقق إلا عند تمام الزيارة، وإتمام الدعاء، وإخلاص الصلاة والفناء في المحبوب.

"هنا وجدت الله"، تقول الفتاة شيرين (24 عاماً)، خلال حديثها مع "هاف بوست عربي". وتكمل بقولها إنه، "بعد سنوات من زيارات الأولياء، التي داومت عليها مع والدي تعلمت الكثير.. وذلك حتى قبل أن أبدأ في جولاتي الفردية، ليستقر بي المقام لدى ابن عطاء السكندري، لم أشعر بالروحانيات في أي مكان بمصر أكثر من هذا المكان".

لا تخشى الفتاة الشابة من ظلمة المقابر، ولا ترهبها وحشتها، فالأنيس لا يفارقها طالما حطت برحالها لديه، تقف الفتاة لحظات صامتة، ثم تقول: "المنطقة رغم كل البلطجية فيها ورغم الظلام الدامس والصمت الرهيب الذي يبدأ بعد المغرب، فإن القلوب المحبّة للغمام لا يعتريها الوجل في حضرته".


"أم الغلام".. قصة فداء أسطوري


بعيداً عن الأباجية، تبقى السيدة "أم الغلام" حكاية أخرى من حكايات الأولياء المجهولين.

في الشارع الذي اقتبس اسمها بالقرب من مسجد الإمام الحسين، بمنطقة الجمالية، مسجد صغير، لا تتجاوز مساحته الأمتار العشرين، تفوح فيها روائح المسك والعود، ولا تنقطع الروائح عن المسجد الصغير، ولا عن الشارع الضيق الذي يقع فيه المقام الفاطمي.

وفي المسجد مقامان؛ أحدهما لفاطمة ابنة الحسن بن علي، وزوجة علي زين العابدين، وبجانبها ترقد السيدة فاطمة "أم الغلام" التي تعددت الروايات حولها؛ فمنها ما يقول إنها السيدة التي قطعت رأس ابنها فداء لرأس الحسين بعد أن خطفته من مسجد الصالح طلائع بالدرب الأحمر والذي قيل إنه بُني خصيصاً ليدفن به الرأس الشريف.

وعندما سمعت بقدوم أشخاص لخطف الرأس قامت بسرقته من المسجد وخبأته في منزلها، وحينما عُرِف مكانه قَطعت رأس ابنها وأعطته لهم بدلاً منه، ولذلك سميت "أم الغلام".

يحكي تلك القصة خادم المسجد، المشغول دائماً بخدمة مقامات النساء والتبرك بـ"أم الغلام وصاحبة الفداء الأعظم، والتي استبدلت رأس الحسين برأس ولدها وقدّمته لجنود يزيد بن معاوية، حتى يعودوا به إليه ويدفن الرأس الأصلية في المقام الحسيني حتى الآن" حسبما يعتقد.

الذي تابع قوله لـ"هاف بوست عربي: "الشيخ شافها بنفسه وشيخنا لا يكذب".

وبعد السنوات الطوال، غاب اسم الشيخ عن الذاكرة، لكن بقيت القصة محفورة في أذهان مريديه ومعها قصة "أم الغلام" صاحبة البركة على النساء في جلب الأحبّة ونيل الأمنيات والرزق بالبنين والبنات.