هل هناك عالم موازي غير مرئي؟ وما هي المادة المظلمة؟ الإجابة في معرفة نظريات نشأة الكون

تم النشر: تم التحديث:
151055204
BSIP via Getty Images

فسرت النظريات اليونانية القديمة الكونَ تفسيراً بسيطاً للغاية، وكان من ضمن هذه التفسيرات أن الكون يتكون من 4 عناصر أساسية، التراب والهواء والماء والنار.

وتنص النظريات التي وضعها أرسطو وإمبيدوكليس، على أنه بخلط العناصر الأساسية بنسب مختلفة فإنه يمكن إنتاج جميع الأشياء في الكون، بما تحمله من تنوعات بديعة، التربة والنار مثلاً ينتجان الأشياء الجافة، بينما الهواء والماء ينتجان الأشياء الرطبة.

وفي القرن الخامس قبل الميلاد أسَّس الفلاسفة نظريةً جديدة؛ وهي أنَّ الكون يتألف من كتل بناء صغيرة جداً وغير قابلة للتجزئة، أو التدمير تعرف بالذرَّات، وأن جميع ما في الكون يتكون من ترتيبات مختلفة من هذه الذرات وفراغ لا حصر له، والتي تشكل تركيبات وأشكالاً مختلفة.

أمّا في القرن الثالث قبل الميلاد فقد اعتقد الفلاسفة بـ"نموذج للكون" يتكون من جزيرة منعزلة محاطة بفراغ لا نهاية له، وفي النهاية توصلوا إلى النظام الشمسي، الذي تكون فيه الشمس هي مركز الكواكب وليست الأرض، وظلَّ الصراع بين مركزية الأرض ومركزية الشمس حتى القرن السابع عشر بعد الميلاد.

بالمضي قُدماً في رحلة الاكتشافات العلمية، أثبت العلم خلل هذه النظريات، إما بسبب عدم وجود ما يمكن قياسه في نظرية التراب والهواء والماء والنار، وبالتالي لا يمكن إثباته بالتجربة، وإما بسبب هدم النظرية باكتشاف جديد وهو أن الذرات يمكن تجزئتها إلى وحدات أصغر، وليست -كما ادّعى القدماء- غير قابلة للتجزئة.

وحقيقة أن نظرية الذرات تفسر فقط جزءاً صغيراً من تكوين الكون، وأن المواد التي تشكل الكون نادرة للغاية، وتمثل 5% -النسبة الافتراضية- فقط من تكوينه، أما الباقي وهو 95% فيعرفه الفيزيائيون باسم "الكون المظلم"، والذي يتكون من المادة المظلمة والطاقة المظلمة.


كيف نعرف ذلك؟




615293978

في ثلاثينات القرن الماضي، لاحظ علماء الفلك بالقياس والتجربة وحساب وزن المواد المكونة لها، أن آثار الجاذبية بين النجوم والمجرات لا تتطابق مع كمية المادة المُلاحظة، وأنه ببساطة لا توجد مواد مرئية كافية تحافظ على التماسك الملحوظ بينها، واعتماداً على النتائج المرئية فقط فإنه من المفترض أن تبتعد المجرات والنجوم عن بعضها وليس العكس، ولذلك لا بد من وجود شيء لا نستطيع رؤيته، يقدم هذا التماسك، وهو ما يُسمَّى بـ"المادة المظلمة".

لا تتفاعل المادة المظلمة مع الموجات الكهرومغناطيسية الموجودة في الكون، ما يعني أنها لا تمتص أو تعكس أو تبعث الضوء، ولذلك فهي غير مرئية، ونعرفها فقط من خلال آثار الجاذبية الموجودة بين المواد، وتشكل 27% فقط من الكون بينما تشكل المواد التي نعرفها 5% فقط من الكون، وكل الأدلة التي يملكها العلماء الآن تدل على وجودها.

وفي "مصادم هادرون الكبير"، الذي صمم خصيصاً لإجراء التجارب الفيزيائية على المواد في مختبر سيرن (المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية)، حاول بعض العلماء من خلال بعض التجارب إثبات الوجود الفيزيائي للمادة المظلمة، ولكن المشكلة أنه بعد إنتاجها فإنها تهرب من أجهزة الكشف، ولا يمكن ملاحظتها، ولكن يمكن تأكيد وجودها بسبب النقص في الطاقة والكم الملاحظ بعد تصادم المواد.

واقترح بعض العلماء أيضاً وجود وادٍ مخفي أو عالم موازٍ غير مرئي، يتكون من المادة المظلمة، وأن المادة المظلمة لا تخضع للقوانين الفيزيائية العادية التي نعرفها ونستطيع الملاحظة من خلالها، وأن هذا العالم الموازي لا تشترك المواد المكونة له مع عالمنا الذي نعرفه في الكثير من الخصائص.

ولكن حتى الآن لا أحد يعرف على وجه اليقين شكل المادة المظلمة، أو مكوناتها، وإذا تم إثبات أي من هذه النظريات، فإنها ستساعد على تقديم فَهْم أفضل لتكوين الكون، وكيف يتماسك معاً.


الطاقة المظلمة




646438226

اعتقد العلماء للعديد من السنوات أن الكون يتباطأ في التوسع، وذلك بسبب نقص الطاقة، ولم يتمكن العلماء من تكوين رؤية صحيحة لهذا التباطؤ، حتى عام 1998 بعد دراسة ما رصده تلسكوب "هابل" في الفضاء، بعد إطلاقه بـ8 سنوات، والذي مكَّن العلماء من رؤية أفضل كثيراً من التلسكوبات الأرضية التي تقف في طريقها الكثير من العوائق.

اكتشف العلماء المفاجأة! وهي أن الكون لا يتباطأ، بل يتسارع، ويأخذ في الاتساع بسرعة أكبر مما كان عليه في الماضي، ولا تتأثر هذه السرعة مع زيادة التوسع، وهذا يعني وجود طاقة مظلمة تساعد على التغلب على الجاذبية، وتؤثر على الكون كله، وتشكل هذه الطاقة 68% من الكون، ونعرف ذلك بسبب ملاحظة تأثيرها.


تفسيرات مختلفة


كان أينشتاين العالم الفيزيائي الشهير من أول من افترض أن الفضاء الخارجي ليس فارغاً، وأنه يمتلك خصائص مذهلة، وأنه مع خاصية التوسع يمكن أن يخرج المزيد من الكون للوجود ممتلكاً طاقته الخاصة، ومع زيادة الطاقة فإن الكون سيستمر في التوسع بطريقة أسرع.

ويقدم بعض العلماء تفسيراً آخر لاكتساب الكون للطاقة، بما يعرف بنظرية الكم للمادة والتي تقترح أن الفضاء يمتلئ بالجسيمات المؤقتة والوهمية التي تتكون وتختفي باستمرار، ولكن حين حاولوا حساب مقدار الطاقة التي تُنشئ هذا الفراغ خرجت النتيجة خاطئة بنسبة كبيرة.

وهناك تفسير آخر يقترح إضافة ما يسمى بالجوهر كعنصر خامس للنظرية اليونانية القديمة التي تنص على تكون الكون من الماء والهواء والتراب والنار، وأن هذا الجوهر يملأ الفراغ ويتكون من عكس المادة والطاقة العاديين.

ولكن ما زلنا لا نعرف ما هو هذا الجوهر، ويقترح البعض أن نظرية أينشتاين قد تكون غير صحيحة، وأن زيادة الطاقة والتوسع من المفترض أن يؤثرا على طريقة تصرف المواد الطبيعية في الكون، ولكن ليس هناك تفسير واضح، لذلك يستمر الغموض.

بينما تقدم نظرية الأوتار فكرة لطيفة أخرى، وهي أن الكون يجب أن يكون بسيطاً، وأن كل تنوعات الكون المختلفة تخرج من عنصر واحد، وأن كل الذرات التي نعرفها اليوم هي نتيجة للاهتزازات المختلفة لهذا العنصر الواحد تشبه اهتزازات النغمات على وتر، ولكن نظرية الأوتار غير قابلة للاختبار حتى الآن، وحتى اكتشاف بيانات جديدة، ورصد المزيد من الكون سيستمر الغموض.

وقد يقدم تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي، المتوقع إطلاقه في تشرين الأول/أكتوبر 2018، خلفاً لتلسكوب "هابل" بياناتٍ جديدة تدعم إحدى النظريات، أو يساعد على اكتشاف شيء جديد، وحتى ذلك لا ينبغي أن تشعر بصغر حجم الإنسان مقارنة بالكون فقط، ولكن ينبغي الاستمتاع بالاكتشافات الجديدة واستغلال الوجود في هذا الوقت من الزمن لمشاهدة التوسع الهائل في العلوم والمعرفة.

كما تقدم مبادرة TED-ED فيديو تعليمياً عن المادة المظلمة والطاقة المظلمة بشكل مبسط، مع عرض لبعض النظريات القديمة والحديثة وبعض التفسيرات.





أيضاً، يقدم البروفيسور ستيفن هوكينغ أحد أبرز علماء الفيزياء في هذا الوثائقي تفسيراً لنشأة الكون ونظرية الانفجار العظيم، مع عرض لبعض الاكتشافات والاثباتات التي قادت لوضع نظرية الانفجار العظيم.





ويعرض البروفيسور هوكينغ في نهاية الفيلم حقيقة لطيفة، وهي أن الطريقة التي صُمِّم بها الكون قادتنا إلى التساؤل بعد 14 مليار سنة مِن نشأته -كمخلوقات ذكية- لماذا أصبح الكون على ما هو عليه الآن؟

حتى لو اختلفت آراؤنا حول نشأة الكون، أو الطريقة التي صُمِّم بها اختلافاً طفيفاً، فربما لن يكون هناك أحد موجوداً ليطرح هذا التساؤل.