مسابقة رماية تنظمها تركيا منذ 500 عام.. بدأها محمد الفاتح بعد إعجابه بمهارات جنوده قبيل فتح القسطنطينية

تم النشر: تم التحديث:
CAFTANS AND QUIVERS
olegmit via Getty Images

سار عدنان ميهل إلى الساحة وهو يرتدي ثوباً على الطراز العثماني وحذاءً طويل العنق تشبُّهاً بالملابس التي كان يرتديها السلطان العثماني في القرن السادس عشر الميلادي. وانصبَّ تركيزه على طلابه وهم يخطون صوب خط البداية ويرفعون أقواسهم للتصويب، وفق ما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

كان ميهل، الذي ساهم في إحياء تقليد الرماية منذ عقدٍ، يشرف على كأس الفتح السنوي الخامس، وهو مسابقة رماية للاحتفال بالذكرى السنوية لفتح القسطنطينية عام 1453.

وقد عُقدت الفعالية، التي يساهم ميهل في تنظيمها، على مدار 3 أيام في نهاية مايو/أيار الماضي بمؤسسة أوكولار، التي تعني بالتركية "مؤسسة الرماية". وكانت المؤسسة، التي تُعد حالياً واحدةً من أقدم النوادي الرياضية في البلاد، ساحة تدريبٍ للرماة في جيش السلطان محمد الفاتح قبيل فتح القسطنطينية قبل 564 عاماً.

caftans and quivers

وكان السلطان معجباً بمهارات رُماة جيشه لدرجةٍ دفعته إلى منحهم تلك الأرض، وبدأ هذا التقليد منذ ذلك الحين.

وفي المسابقة، تُنفخ الأبواق ويعدو جماعةٌ من الرماة وهم يرتدون الزيّ التقليدي إلى خط البداية. ويرتدي كل متسابق زياً متعلقاً بتاريخ بلده. ويشارك في مسابقة الفتح حوالي 427 متسابقاً من 37 دولة ويرتدي غالبية المتسابقين الأتراك أزياءً من العصر العثماني.

ويرتدي رافائيل توليغنوف، القادم من كازاخستان والبالغ من العمر 30 عاماً، ملابس صمَّمها بنفسه، مستوحاة من الإمبراطور جنكيز خان. فيما ارتدى المتسابقون القادمون من أيرلندا وبريطانيا ملابس شخصيات من قصة روبن هوود.

وتجري الفعالية في منتصف شهر رمضان، ما يعني أن المتسابقين الصائمين لا يستطيعون الأكل أو الشرب في هذا الجو الحار. وبخلاف العديد من الفعاليات الرياضية في تركيا، هناك توازن بين عدد المشاركين من الرجال والنساء في هذه المسابقة.

يذكر أن جامعة "آق دنيز" في ولاية أنطاليا، جنوبي تركيا، قد وقعت مؤخراً اتفاقية مع جمعية الرماة أدخلت بموجبها دروس رماية السهام التركية التقليدية إلى مناهجها التعليمية.

caftans and quivers

وتسعى الجامعة بهذه الخطوة إلى إحياء هذا التراث الذي اشتهر به التاريخ التركي على مر العصور بين طلابها، بحسب ما ذكرت صحيفة ديلي صباح التركية.

وقد تجدَّد اهتمام تركيا بالتاريخ العثماني، وهو ما انعكس على البرامج التلفزيونية، والموضة، والعمارة. وعملت مؤسسة أوكولار من أجل إحياء تقليد الرماية عبر منح الأطفال والبالغين دروساً. وقال ميهل عن هذا التقليد: "إنَّه آخذٌ في النمو. هذا أقدم موقع رماية في العالم. ومنذ 500 عام، كان الرماة يطلقون سهامهم هنا، وها نحن نفعل هذا أيضاً اليوم".

وتتزايد شهرة هذه الرياضة القديمة جزئياً بفضل شبكات التواصل الاجتماعي والأفلام التي تعرض قصصاً عن الرماة مثل "The Hunger Games" و"The Lord of the Rings".

وقال يفغينيا باخشيفانوفا، البالغ من العمر 29 عاماً والقادم من كازاخستان ويرتدي زياً مستوحى من المحاربين المنغوليين الأتراك: "لقد تربيتُ على أفلام الكاتب جون تولكين وقصة روبن هود، لذا أردتُ دوماً أن أطلق سهاماً بالقوس".

بينما ستُقسَّم جائزةٌ تبلغ قيمتها 71750 ليرة تركية (نحو 20500 دولار) بين الفائزين بالمسابقة، فقيمة الفعالية تتجاوز فكرة مجرد الفوز والخسارة.

وتظهر ملامح الحياة العصرية خلال المسابقة، لكنَّ السعي وراء تقليد الرماية هو عنصر الجذب الحقيقي للعديد من المتسابقين.

وكانت الأقواس تُصنع من موادٍ كالخشب، والأوتار، وقرون الحيوانات، بينما تستخدم الرماية الحديثة أقواساً مُركَّبة ومُصنَّعة من الألياف الزجاجية، والألومنيوم، وغيره من المواد غير العضوية التي تساعد الرامي. وقال سيبنوم ساليكا جاكير أوغلو: "تشعرك الرماية الحديثة وكأنَّك تُطلق السهام من آلةٍ. تستطيع أن تشعر بالفرق مع الأقواس التقليدية".

caftans and quivers

ووفقاً لحسن أوز، مدير الرياضة في مؤسسة أوكولار، باتت الرماية من أسرع الرياضات انتشاراً في تركيا؛ إذ يتضاعف عدد المشاركين فيها بنحو 3 مرات كل عام.

وليس واضحاً إذا كان هذا النمو سيستمر. إذ يعتمد هذا على مدى تفاني وحب المشاركين الشباب لهذه اللعبة مثل دينيز سيلاب (6 سنوات) أو أقل، والتي بدأت ممارسة الرماية بمجرد أن تمكَّنت من المشي.

وبينما يحزم الرماة جعبات سهامهم، ارتفع صوت الموسيقى العثمانية التقليدية عبر أجهزة نظام الصوت، معلنةً عن نهاية المسابقة. ورغم أنَّ مكبرات الصوت كانت جديدة، فإنَّ هذا كان مؤشراً آخر على عدم تغيُّر الكثير من الأمور في هذه الرياضة منذ فتح القسطنطينية قبل 500 عام.