"بيكاسو الصغير".. طفل أفغاني يبهر مواطني دولة أوروبية ورئيسها يقدم له عرضاً مذهلاً

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

تحول "بيكاسو" الأفغاني أو "بيكاسو الصغير" لشخصية شهيرة في صربيا، حتى أن رئيس البلاد قد استقبل هذا الصبي اللاجئ الموهوب الذي لم يتعدَّ العاشرة من عمره، وقدم له عرضاً مُغرياً، بعد أن أصبح شخصية محبوبة في البلاد.

في مركزٍ متواضع للاجئين بضواحي العاصمة الصربية بلغراد، يقضي صبي أفغانيٌ، يدعى فرهاد نوري ويُلَقَب بـ"بيكاسو الصغير"، أيامه في الرسم والحلم.

الرسام الصغير، يعيش مع والديه وأخوين أصغر سنّاً في حجرةٍ صغيرة بثكنة عسكرية يوغوسلافية سابقة تؤوي أكثر من 600 مهاجر ولاجئ، وأصبح مشهوراً في صربيا وخارجها، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

y

ويتحدَّث المُعجَبون عن قدرته الفنية الاستثنائية. وافتَتَح معرضه الأول خلال الشهر الجاري أغسطس/آب 2017، ونظَّمته مؤسسة اللاجئين، وهي مجموعة مقرها بلغراد.

وتُسلط قصة فرهاد، الضوءَ على جوانب منسية لطالبي اللجوء، وتُشير إلى إمكاناتٍ لا توصف فُقِدَت بين المهاجرين الذين تقطَّعت بهم السبلُ على طول طريق البلقان إلى أوروبا الغربية.

وقالت إلينور رايكس، المديرة الإقليمية الأوروبية للجنة الإغاثة الدولية: "فرهاد مثالٌ صارخ على كل المواهب والإمكانات البشرية التي تُهدَر وتُجمَّد بين آلاف الأشخاص العالقين".

وتُعد عائلة النوري من بين 4700 من طالبي اللجوء، الذين يُقدِّر مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابع للأمم المتحدة، أنهم يعيشون بصربيا. وفي حين أن أوروبا لا تُوفِّر سبلاً واضحة لطالبي اللجوء لإيجاد مستقبل في الغرب، لا تزال حكومات البلقان تعاملهم إلى حدٍّ كبيرٍ كمقيمين مؤقتين.


شهرة غريبة


وبينما ينتظر فرهاد وعائلته تدبير مستقبلهم في دولةٍ أخرى -ربما ألمانيا أو سويسرا أو السويد كما يقول والده- فقد أصبحوا مشهورين في صربيا.

وأصبح نوري مشهوراً في بلغراد بسبب رسوماته الشهيرة، بما في ذلك رسم للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

وأقام أول معرض له مؤخراً لجمع الأموال لصبي صربي، يبلغ من العمر 6 سنوات، يتعافى من السرطان.

وزارت مغنية البوب الصربية سفيتلانا رازناتوفيتش، المُلقَّبة في الوسط الفني باسم كيكا، فرهاد في مركز طلب اللجوء لشراء لوحاته. وفي الربيع، أصبح صديقاً للممثل الأميركي ماندي باتينكين.

y


لقاء مذهل مع الرئيس الصربي


ويوم الأربعاء 16 أغسطس/آب 2017، دُعِيَ هو وأسرته لزيارة الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش، وقَدَّمَ فرهاد لفوسيتش لوحةً شخصيةً مُنمَّقة ومُحاطةً بإطارٍ رسمها له.

وفي المقابل، عَرَضَ فوسيتش على عائلة فرهاد منح الجنسية الصربية في حال اختاروا البقاء في البلاد. وقال فوسيتش للصبي فيما كان يتابعهم نحو 12 صحفياً: "إذا كنت ترى المستقبل هنا في صربيا، فاعتبر نفسك مُرحَّباً بك في بلدنا".

وأضاف: "أنا أعلم كم من الوقت قضيت في السفر، وأنك تريد أن تذهب إلى سويسرا، ولكن إذا قررت البقاء، فسنقدم لكم الجنسية الآن".

وشَكَرَ فرهاد، متحدثاً بصربيةٍ بطيئةٍ وحَذِرة، صربيا على مساعدة عائلته، وقال: "أريد العيش في صربيا، نشعر بأننا على ما يرام بصربيا".

وقال نوري إنه لا يزال يريد الذهاب إلى دراسة الفن في سويسرا، ورغم ذلك فقد تعهد فوسيتش بأنه سيكافح من أجل إقناعه بالبقاء في صربيا، حسب موقع "دويتش فيليه".

وخلال اللقاء ذاته، عرض الرئيس الصربي على نوري منحة دراسية ووظيفة لوالده فرهاد إذا قرر أن يصبح مواطناً صربيّاً.


هل يبقى في صربيا؟


وُلِدَ فرهاد في مدينة أصفهان الإيرانية، وكان والده مراهقاً عندما فرَّ من مدينة هراة الأفغانية بعد سيطرة حركة طالبان. وتركت عائلته إيران منذ عامين؛ بسبب الضغط المتزايد على الأفغان من قِبَلِ الحكومة الإيرانية.

وسافرت الأسرة إلى اليونان عبر تركيا، حيث أخذ فرهاد دروساً في الرسم بمركزٍ للاجئين. وقالت عائلة نوري إن سيدةً سويسرية باليونان تأثَّرَت بفنه لدرجةٍ دفعتها للمساعدة في دعم الصبي وأسرته مالياً.

ووصلت عائلة نوري إلى صربيا في ديسمبر/كانون الأول 2017، وبدأ فرهاد ارتياد المدرسة. وقال إن لديه أصدقاء صرب، وإنه لم يُعامَل بسوءٍ هناك مُطلَقاً؛ لكونه أفغانياً. وقال إن الوضع كان أسوأ بكثير بالنسبة للأفغان في إيران.

ويقول والد فرهاد نوري إن الأسرة كانت تشعر بالراحة في صربيا، وسعيدة بالتعليم والخدمات التي يتلقاها الأطفال. لكن مستقبل الأسرة كان في مكان آخر: أوروبا الغربية.

واعترض فرهاد على ذلك، قائلاً: "هذا خطأ، نريد البقاء في صربيا".

وأردف بابتسامةٍ، ضامّاً يديه الاثنتين بعضهما إلى بعض كما لو أن الأمر قُضي، مُوضِّحاً السبب الذي يراه لعدم الرحيل: "لأن رئيس صربيا دعاني للبقاء وأنا لا أريد أن أقول له: لا".

لكن، ليس هناك العديد من الخيارات الجيدة على المدى الطويل حتى بالنسبة لأولئك الذين يختارون الحياة في صربيا. ومن بين طلبات اللجوء البالغ عددها ألفاً و857 طلباً، المقدمة منذ عام 2013، مُنِحَ 83 فقط اللجوء أو شكلاً آخر من أشكال الحماية، حسب "نيويورك تايمز".

ووفقاً لسياستها المناصرة للاجئين، فقد زادت الحكومة الصربية، بشكل كبير، من قدرتها على منح الاحتياجات الأساسية للمهاجرين.

ففي عام 2015، كان لدى البلد 5 مراكز لجوء بسعة تكفي لاستقبال 800 شخص. وصربيا حالياً لديها 18 مركزاً تتسع لإيواء 6 آلاف شخص. لكن التحول في النظام المؤسسي صوب معاملة المهاجرين باعتبارهم أكثر من مجرد مقيمين مؤقتين- لم يبدأ إلا للتو.

y

وقالت رايكس، من لجنة الإغاثة الدولية: "بينما تمتد الأزمة وتصير مزمنةً، حان الوقت للالتفات إلى الاحتياجات الثانوية، مثل إتاحة المدارس لمزيدٍ من الأطفال، ودعم البالغين بتوفير تدريبات لتحسين المهارات وأنشطة التعليم غير الرسمية والتأهيل لسوق العمل".

وخلقت حالة عدم اليقين التي يواجهها اللاجئون ضغطاً هائلاً عليهم، بمن فيهم والدة فرهاد، جميلة نوري، البالغة من العمر 27 عاماً، والتي بابتسامة خافتة قالت: "الأمر مُرهِق ومُحبِط، ما زلنا نشعر بأننا مسافرون وعُرضةٌ للخطر. نشعر بالتوتر والتعب من هذه الحياة".

لكن فرهاد لا يُظهر سوى علاماتٍ محدودة على المحنة التي مرت بها أسرته. ويقول إنه يُريد أن يتعلَّم الرسوم المتحركة. وقال: "لا أشعر بأنني أنتظر، أُفكِّر فقط في مستقبل عائلتي".