ما لا تعلمه عن التقارب التركي الإيراني الأخير.. هذه أهدافه التي ستؤثر على المنطقة العربية

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

غموض لافت يشوب التقارب الإيراني - التركي الأخير الذي تضمن توقيع اتفاق عسكري لم يفصح عن فحواه، كما أنه يبدو أنه لا يقتصر على تحقيق مصالحهما المشتركة في سوريا والعراق؛ بل أوسع من ذلك كثيراً.

هذا التقارب لفت اهتمام الدوائر المعنية في الولايات المتحدة وروسيا، فأصدر مركز ستراتفور الأميركي تقريراً رصد احتمالات فشل أو نجاح محاولات أنقرة وطهران التنسيق ‏المشترك أو ‏تجربة التحالف ‏مؤقتاً ‏بينهما؛ لمعالجة خلافاتهما وتحقيق مصالحهما، وخاصة في ظل اعتزام أكراد العراق إجراء استفتاء على الانفصال.

وقال التقرير: "تخلق السياسة والحرب شراكات غريبة، وهو ما تثبته إيران وتركيا الآن؛ إذ تعمل الدولتان المتنافستان تاريخياً على تنحية بعض خلافاتهما جانباً؛ للتركيز على الأولويات المشتركة، كوضع حل للحرب الأهلية السورية المشتعلة، وعرقلة التقدم الذي يحرزه الأكراد في سبيل الحصول على مزيد من الحكم الذاتي".

فقد توجه وفد عسكري إيراني، وعدد من مسؤولي الخارجية، من ضمنهم قائد الحرس الثوري الإيراني، الجنرال محمد حسين باقري، لزيارة تركيا هذا الأسبوع؛ لمناقشة هذه القضايا.

ويسلط هذا اللقاء -الأول من نوعه بين الطرفين الإيراني والتركي منذ عام 1979- الضوء على فرص التعاون المشترك بين هاتين القوتين الإقليميتين.

ووقَّع رئيسا هيئة الأركان العامة التركية والايرانية؛ خلوصي أكار ومحمد حسين باقري، يوم 17 من أغسطس/آب الجاري، اتفاقاً لتوسيع التعاون العسكري.

وبينما لم يتم الإعلان عن مضمون الاتفاق، فإنه بدا أنه حظي باهتمام روسي أيضاً؛ إذ علَّق الكاتب أيضين ميهدييف، في موقع "برافدا.رو" الروسي، قائلاً إن "المسؤولين في أنقرة يرون أن إيران يمكن أن تساعد تركيا لكي تصبح حلقة وصل مركزية للغاز المتدفق من بلدان آسيا الوسطى إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك بهدف الظهور أمام الأوروبيين بأن تركيا هي الضامن الرئيس لأمن الطاقة في القارة العجوز، ودفعهم إلى استئناف المفاوضات حول انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي.

ولكن، مهما بدت الآفاق وردية للنفوذ التركي المتنامي، فإنه من غير المرجَّح أن توافق موسكو على خطط أردوغان لإزاحة شركة "غازبروم" الروسية تدريجياً من السوق الأوروبية، حسبما نقل موقع "روسيا اليوم" عن الكاتب.

the mahalla strike


التحالف سيفشل لهذه الأسباب


ويرى مركز ستراتفور الأميركي في تقريره، أن تلك المصالح المشتركة لن تُمثل فارقاً كبيراً؛ إذ إن الاختلاف بوجهات النظر في التعامل مع عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط، من شأنه أن يخلق مزيداً من النزاع على حساب الاتفاق المنتظر بين إيران وتركيا على المدى الطويل، حسب تقرير مركز ستراتفور.

ويأتي الصراع السوري على قمة أولويات كل من إيران وتركيا على حد سواء. وقد تكون الظروف الحالية مواتية لكلا الطرفين للتوصل لتفاهم مشترك حول ما يجري في الشمال السوري، وإيجاد تطمينات للمخاوف الرئيسة لكل منهما في بلد مزقته الحرب.

تهتم أنقرة في المقام الأول بتقليص الوجود الكردي على طول الخط المتاخم لحدودها مع سوريا، بينما تركز طهران والقوى الموالية لها على القضاء على المتمردين في محافظة إدلب.

ومن خلال التعاون المشترك، قد تتمكن كل من إيران وتركيا من تحقيق أهدافهما، إلا أن تعاونهما معاً قد يزيد من تدهور علاقتهما المتضررة بالفعل مع الولايات المتحدة على المدى الطويل.

ولا يجب إغفال أن روسيا -المنافس الأول للولايات المتحدة على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وما حولها- ليست بعيدةً عن المفاوضات الإيرانية-التركية حول سوريا. فمن المرتقب أن يزور وزير الخارجية الروسي تركيا قريباً؛ للوقوف على آخر تطورات سير العمليات في إدلب.

بغض النظر عن رؤية الولايات المتحدة لهذه الترتيبات، فلن يستمر ذلك التحالف المرتقب بين تركيا وإيران في سوريا طويلاً، حسب التقرير.

فقد اتخذت أنقرة وطهران جانبين متعارضين في أتون الحرب الأهلية السورية؛ إذ يتمسك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمعارضته لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد، بينما لا تزال طهران تدعمه بقوة.

علاوة على ذلك، لن تتغاضى أنقرة عن نفوذ طهران الذي قد يتنامى داخل حدودها خلال السنوات المقبلة، بغض النظر عن الاتفاقيات المؤقتة التي تعقدها مع غريمتها القديمة، والتي تراها مناسبة على المدى القصير.


العراق


وفي الوقت نفسه، يزداد الوضع خطورةً في العراق؛ فمن شأن الهجوم الوشيك على تلعفر أن يزيد التوترات التي قد تتطور إلى صدام مباشر بين القوات المدعومة من تركيا، والقوات المدعومة من إيران.

أما فيما يتعلق بمسألة الحكم الذاتي الكردي، فإن المصالح المتشابكة لتركيا وإيران وضعتهما في خندق واحد، وهو موقف نادر الحدوث.

إذ تسعى كل من أنقرة وطهران إلى منع إجراء الاستفتاء المرتقب على استقلال إقليم كردستان العراق، رغم استفادة كلا الطرفين من علاقتهما بالفصائل الموجودة في حكومة إقليم كردستان العراق.

فبالنسبة لإيران وتركيا على حد سواء، يهدد ذلك الاستفتاء بزعزعة استقرار المنطقة -المُزعزعة الاستقرار أصلاً- وإثارة الاضطرابات بين الأكراد في البلدين.

وتشعر طهران، علاوة على ذلك، بقلق كبير إزاء تأثير استقلال إقليم كردستان العراق على المستقبل السياسي والاقتصادي لبغداد.

وبأخذ جميع هذه الأمور في الحسبان، قد تحاول كل من تركيا وإيران وقف إجراء هذا الاستفتاء. في الوقت نفسه، يتعاون البلدان معاً لبناء جدار عازل على طول الحدود المشتركة بينهما؛ لمنع تسلل العناصر الكردية المسلحة.

على الرغم من ذلك، لن يكون أي من الطرفين مستعداً للتضحية بمصالحه في كردستان العراق، في مواجهة الطموح السياسي للإقليم.

إذ تولي إيران لعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي السابق جلال طالباني أهمية كبرى، تماماً كما تولي تركيا لروابطها مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه رئيس إقليم كردستان، أهمية كبرى. فإذا اتفقت كل من أنقرة وطهران على التعاون لمواجهة ذلك الاستفتاء، فسيحرص كل منهما على رسم خط تعاونهما بدقة، دون الإخلال بعلاقاتهما بحليفيهما الكرديين.

ويقول التقرير إنه على الرغم من استحالة نشوء صداقة سريعة بين تركيا وإيران، فإنهما أظهرا استعداداً براغماتياً للتعاون معاً في القضايا المتعلقة بمصالحهما المشتركة على مر السنين.

فقد سلط لقاؤهما التاريخي هذا الأسبوع، الضوء على مناطق يمكن التعاون فيها بين أنقرة وطهران لتحقيق مصالحهما المشتركة.

ففي ظل زيادة تدخلات المملكة العربية السعودية الإقليمية لتقويض مصالحهما، قد تضيف كل من تركيا وإيران حذرهما الشديد من السعودية إلى قائمة الأمور المشتركة بينهما.

ولكن التقرير يخلص إلى أنه على المدى الطويل، سوف يكتشف الغريمان أن الاختلاف في أولوياتهما لا يزال يفوق الأمور المشتركة بكثير.