لماذا لن تُقدم أبوظبي على تطبيق العلمانية التي نادى بها العتيبة؟ لهذه الأسباب تنفيذها يهدد بقاء الإمارات

تم النشر: تم التحديث:
YOUSEF AL OTAIBA
Bloomberg via Getty Images

نشر مركز Stratfor الأميركي، الجمعة 18 أغسطس/آب 2017، مقالاً للكاتب هلال خشان، وهو أستاذ العلوم السياسية، ورئيس قسم في الجامعة الأميركية ببيروت، تحدث فيه عن عدم قدرة الإمارات على إقامة العلمانية التي تحدث عنها سفيرها لدى الإمارات، يوسف العتيبة، مؤخراً، مشيراً إلى أن فكرته تحمل مخاطر جمة لأبوظبي.

وأشار خشان إلى أن تصريحات السفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، أثارت بعض الدهشة في أثناء حوار أُجري مؤخراً مع تشارلي روز. وقال فيه العتيبة آنذاك: "إذا طرحت سؤالاً على الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والأردن، ومصر، والبحرين، عن الشكل الذي يرغبون في أن يُصبح عليه الشرق الأوسط خلال 10 سنوات، لعارضوا الرؤية التي تتبناها دولة قطر".

وأضاف: "إن هذه الدول تسعى لإيجاد حكومات علمانية تتمتع بالقوة والاستقرار والرفاهية".


تصريحه أثار الغضب


ويشير الكاتب إلى أنه بالنسبة للغالبية العُظمى من الإماراتيين والسعوديين المُتشبعين بالتعاليم الإسلامية خلال سنوات التكوين الأولى، بدت كلمات العُتيبة عن الدولة العلمانية مخادعة؛ إن لم تكن كافرة.

وكانت كلمة العتيبة قد أثارت انتقادات حادة له من المملكة العربية السعودية؛ حتى من قِبل شخصيات ضمن الأسرة الحاكمة، كالأميرة فهدة بنت سعود بن عبد العزيز، ابنة العاهل السعودي السابق سعود بن العزيز.

وأشارت الأميرة فهدة، في عدة تغريداتٍ يوم الأحد 30 يوليو/تموز 2017، مخاطِبة سفير الإمارات لدى أميركا، إلى أن هناك مؤامرة ضد السعودية والدين الإسلامي وقد أصبحت واضحة في العالم، وأن من يقودها قد كشر عن أنيابه، إلا أن قادة المملكة وشعبها له بالمرصاد، على حد تعبيرها.

وقالت الأميرة السعودية في تغريدة أخرى، موجهةً حديثها إلى العتيبة: "إلا عقيدتنا يا العتيبة"، مشيرةً إلى أن كلمة الله ورسوله فوق كلمة العتيبة.

وفي الوقت نفسه، شنَّ الأمير عبد العزيز، نجل العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، هجوماً لاذعاً على العتيبة، على خلفية تصريحاته عن علمانية السعودية، وقال في واحدة من سلسلة تغريدات له يوم 30 يوليو/تموز الماضي: "أما هذا المسمى العتيبة الذي يرجم بالغيب، فهو أتفه من الرد عليه؛ لأن جزيرة العرب سنموت كلنا قبل أن يُبدل دين الله بها".


خطاب للمجتمع الغربي


وفيما أشار الكاتب خشان إلى حالة السخط السعودية من تصريحات العتيبة، إلا أنه اعتبر أن كلمات السفير الإماراتي ليست موجهة إلى الجمهور السعودي؛ بل صيغت بالأحرى للأميركيين، معتبراً أن العلاقات القوية مع واشنطن أصبحت محورية بالنسبة لأبوظبي؛ لمد نفوذها خارج مجلس التعاون الخليجي.

ويرى الكاتب أنه فيما حاول العُتيبة توطيد هذه العلاقات مناشداً الفكر الغربي؛ لإقناع المشاهدين الأميركيين بالشرعية السياسية لدولته، إلا أن الواقع يقول إن الإمارات لا يمكنها حتى مداهنة فكرة العلمانية دون المساس بشرعيتها في الوطن.


استقرار الإمارات


ويوضح ذلك بقوله، إن قانون الشريعة يشكل الأساس في المجتمع الإماراتي. وعلاوة على هذا، يعتبر الحفاظ عليه من الأمور الضرورية المُتطلَّبة لتأمين الاستقرار الاجتماعي والتلاحم.

وتعتمد الدولة التي يُناقض حجمها الجغرافي الصغير تنوعها القبلي، على الدين لتوحيد شعبها. ويوضح النشيد الوطني الإماراتي علاقة الشعب الوطيدة بالإسلام في البيت القائل: "عشت لشعب دينه الإسلام هديه القرآن".

ويلفت الكاتب إلى أنه يمكن لإدخال العناصر العلمانية إلى النظام السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة أن يمثل خطراً يتعلق بإخلال التوازن في المجتمع داخل الدولة. وفضلاً عن ذلك، فكما يقترح ردُّ الأميرة السعودية على حوار العُتيبة، أن مجرد الحديث عن العلمانية يمكن أن يتسبب في حالة من الغضب.

الخطر الآخر للعلمانية التي نادى بها العتيبة -من وجهة نظر خشان- أنه يمكن لفرضها أن ينثر بذور التنمية السياسية داخل الدولة، فالعلمانية والديمقراطية يسيران جنباً إلى جنب.

وأضاف: "يحظى تمكين الحكومات من خلال الموافقة الشعبية، بدوره، بطريقة يمكن من خلالها تحويل رعايا الدولة إلى مواطنين يعرفون واجباتهم ومسؤولياتهم وحقوقهم. وبالنسبة للنظام الإماراتي، يعتبر الوعي السياسي بمثابة اللعنة. ويُعلق القادة أهمية كُبرى على ولاء وطاعة الناس المُطلقة".

وتفرض الحكومة الإماراتية رقابة صارمة على مواطنيها، وتستخدم اليد الطولى عند التعامل مع أي تمرد أو انشقاق.

وفي عام 2017، اتهم التقرير العالمي لرصد حقوق الإنسان Human Rights Watch السلطات في الإمارات "بالاعتقالات التعسفية والتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين".

وفي مايو/أيار 2016، أعلنت مجموعة "سيتيزن لاب" (برنامج جامعة تورونتو يقوم ببحوث عن التكنولوجيا المتقدمة والأمن وحقوق الإنسان)، اكتشافها حملة من هجمات برامج التجسس من قِبل مشغّل متطور ضد صحفيين وناشطين ومنشقين إماراتيين. ورغم عدم معرفة المهاجم، توحي الأدلة الظرفية بوجود صلة مع حكومة الإمارات، وفقاً لما ذكرته "رايتس ووتش".

ويشير كاتب المقال إلى أنه من "المحتمل أن تشير العلمانية التي وصفها العُتيبة مؤخراً إلى نظام لا تستطيع فيه الأحزاب والقادة استخدام الدين كوسيلة لتحقيق الغايات السياسية، مثل الإطاحة بحكومة حالية".

وأضاف أن السفير الإماراتي يفهم بوضوح الفروق بين سياسات دولته الداخلية والخارجية، فهو لم يُصدر بيانه عن العلمانية في دولته؛ بل أصدره في دولة أجنبية، حيث يتوقع جمهوره المحلي خطاباً سياسياً مختلفاً عما اعتاده الجمهور الإماراتي.

ومن ناحية أخرى، ففي أبوظبي، لا يجرؤ القادة على الحديث عن العلمانية ولو بصورة عابرة. ولا تتطلع الإمارات العربية المتحدة إلى نظام علماني، كما أنها غير قادرة على بلوغ هذا النظام في ظل النموذج الحالي للحكم.

وختم كاتب المقالة كلامه بالقول: "ولولا السرعة التي نشرت بها (الجزيرة) تقريراً موجزاً، لربما مرّ بيان العُتيبة عن هذا الموضوع دون أن يُلاحظه أحد".