"الإمارات حاربت السعودية 200 عام".. تسريبٌ للعتيبة يكشف تهجُّمه بألفاظٍ بذيئة على الرياض، فكيف أقنعَ أميركا بـ بن سلمان؟

تم النشر: تم التحديث:
YOUSEF AL OTAIBA
Bloomberg via Getty Images

كشف رسائل جديدة مسربة من البريد الإلكتروني بالسفير الإماراتي في الولايات المتحدة يوسف العتيبة، وصفه للقيادة السعودية بألفاظ نابية، تشير إلى تحوُّل سنواتٍ من الإحباط الإماراتي من النظام القديم في الرياض إلى استراتيجيةٍ لدعم صعود الشاب محمد بن سلمان، والذي أصبح ولياً للعهد بعد الإطاحة بمحمد بن نايف في يونيو/ حزيران الماضي.

وتظهر الرسائل التي حصل عليها موقع "ميدل إيست آي" البريطاني عبر مجموعة القرصنة التي تُطلِق على نفسها اسم "غلوبال ليكس"، العتيبة وهو يسخر من السعودية مع زوجته المصرية، عبير شكري، بسبب قرار هيئة الأمر بالمعروف في 2008 حظر الورود الحمراء في عيد الحب.

وفي رسالةٍ أخرى، كتب العتيبة أنَّ أبوظبي قد حاربت السعودية 200 سنة بسبب الوهابية، وأنَّ الإماراتيين لديهم "تاريخ سيئ" مع السعودية أكثر من أي جهةٍ أخرى.

وفي رسالة ثالثة، قال العتيبة "حان الوقت الآن لكي يحصل الإماراتيون على أفضل النتائج الممكنة من السعودية".

ويشير الموقع البريطاني إلى أن تصريحات العتيبة تُظهِر خطةً واضحة من جانب أبوظبي لإظهار السعودية كدولةٍ راكدة مُعتلَّة وظيفياً ومحافِظة دينياً أفضل أمل لديها للإصلاح هو محمد بن سلمان، ولي العهد المُعيَّن حديثاً.

وقال مصدرٌ لموقع "ميدل إيست آي" إنَّ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، يعتبر نفسه مرشد محمد بن سلمان، وعُرِف عن الرجلين عقدهما ثلاثة لقاءاتٍ شهرياً.


حان الوقت


وكان العتيبة واضحاً في رسائله بأنَّ وصول محمد بن سلمان صاحب الـ31 عاماً إلى منصب ولي العهد في وقتٍ سابق من هذا العام تُمثِّل فرصة العمر للإماراتيين كي يضعوا بصمتهم على جارتهم الأكبر. وقد أكَّد ذلك مصادر مُطَّلعة تحدَّثت إلى موقع "ميدل إيست آي" شريطة عدم الكشف عن هُويتها.

وتؤكِّد الصورة التي ترسمها رسائل البريد الإلكتروني المُسرَّبة للعتيبة ومصادر موقع "ميدل إيست آي" العديدة أنَّ السفير الإماراتي قد لعب الدور الرئيسي في عملية الترويج للأمير السعودي لدى جمهور واشنطن المُتشكِّك، في حين ظلَّت السفارة السعودية في العموم غير فعَّالة.

ففي 21 مايو/أيار، كتب العتيبة إلى توم فريدمان، الصحفي النافذ بصحيفة نيويورك تايمز: "حاربت أبوظبي السعودية 200 عام بسبب الوهابية. لدينا تاريخٌ سيئ مع السعودية أكثر من أي جهةٍ أخرى". وأضاف: "لكنَّنا نرى تغييراً حقيقياً مع محمد بن سلمان. وهذا هو سبب حماستنا. إنَّنا نرى أملاً هناك أخيراً، ونحتاجه أن ينجح".

وفي رسائل بريدٍ إلكتروني متبادلة مع بريان كاتوليس، الزميل البارز في مركز التقدُّم الأميركي، قال العتيبة: "يُذكِّرنا محمد بن سلمان بمحمد بن زايد أصغر، ونعم، أقل خبرة قليلاً".

وقبل شهر، كتب العتيبة إلى مارتن إنديك، السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل: "لا أعتقد أنَّنا سنرى قط قائداً أكثر براغماتية في ذلك البلد. وهذا هو السبب في كون التعامل معهم مهماً للغاية وسيفضي إلى أقصى النتائج التي يمكننا الحصول عليها من السعودية قط".

وفي رسائل بريدٍ إلكتروني أخرى، أيَّد العتيبة بن سلمان باعتباره مُصلِحاً "في مهمةٍ لجعل الحكومة السعودية أكثر كفاءة"، وكرجلٍ "يُفكِّر بعقلية رجل قطاعٍ خاص".

وكتب العتيبة إلى ستيفن كوك، الزميل البارز بمجلس العلاقات الخارجية: "أخيراً، هذه مجرد ملاحظتي المتواضعة. إنَّ محمد بن سلمان شخصٌ مُصلِح. ويؤمن كثيراً بما نؤمن به في الإمارات. أي تمكين الشباب وجعل الحكومة في موقع المسؤولية. إنَّه شخصٌ يهتم بتحقيق النتائج".

وأضاف: "وليس لديه وقت لانعدام الكفاءة. فما يُحرِّكه هو الرغبة في إنجاز وإصلاح الأمور. وليس انقلابات القصور أو ألعاب السلطة".


بَذر بذور الشك


ولم يكتفِ العتيبة بدعم بن سلمان في الخارج، ولعب السياسة داخل بيت آل سعود نفسه. فقد كان مُدركاً تماماً أنَّ الأمير الشاب يواجه مشكلة تجاوز ابن عمه الأكبر، محمد بن نايف الذي يحظى بسمعة كبيرة في أميركا خصوصاً لدوره في مكافحة الإرهاب.

وتكشف إحدى الرسائل المسربة ويعود تاريخها إلى 14 ديسمبر/كانون الأول 2015، أن ديفيد بتريوس المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وقائد قوات التحالف في العراق، سال العتيبة حول ما إذا كان محمد بن نايف لا يزال يمارس نفوذه.

ورد العتيبة: "بالتأكيد محمد بن سلمان أكثر نشاطاً في معظم المسائل اليومية. ويبدو محمد بن نايف خارج اللعبة بعض الشيء مؤخراً".

فيرد بتريوس: "نريده داخلها أيضاً. فوزارة الداخلية التي يترأسها بن نايف مهمة للمملكة. وهو بحاجةٍ إلى عقد تحالفٍ مع العضو الأصغر. سأشجِّع ذلك حينما أكون هناك".

فيرد العتيبة من جديد: "اتفق مع ذلك. إنَّها حالةٌ فريدة يعتمد فيها نجاح السعودية على نجاح عمل محمد بن سلمان ومحمد بن زايد معاً. أعتقد أنَّ العلاقة الثنائية بينهما أقوى مما يعتقد الناس هنا. لكنَّني أيضاً أعتقد أنَّ مستوى ثقة محمد بن سلمان بنفسه ليس كالمعتاد".


التعرف إلى ترامب


وقبل أن يتمكَّن بن سلمان من مواصلة ترقّيه في السلطة والاستيلاء على منصب عمه الأكبر، كان يجب أن يحظى أولاً بدعم ترامب.

في 13 مارس/آذار من العام الجاري، 2017، كان هناك عاصفةٌ ثلجية في واشنطن على غير العادة، ما منع وصول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي كان من المُقرَّر بدء زيارتها للولايات المتحدة في اليوم التالي.

وكان بن سلمان، ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير، والوفد السعودي موجودين في المدينة بالفعل وقد رتبوا موعداً لمقابلة ترامب، وصهره جاريد كوشنر، وكبير خبرائه الاستراتيجيين ستيف بانون.

انتهز العتيبة الفرصة واقترح أن يستغل البيت الأبيض الجلسة الافتتاحية لجدول الرئيس للتعرف على الأمير الشاب، بحسب "ميدل إيست".

وأشاد السعوديون بالاجتماع والغذاء باعتباره نجاحاً بالنسبة لهم، رغم أن ترامب أخبر موظفيه أنّه شعر "بالاشمئزاز" من جلوسه على المائدة مع السعوديين الذين "قطعوا رؤوس أشخاصٍ أكثر من تنظيم داعش".

رغم أنه كان عازفاً في البداية عن الأمر وكان لابد من الحديث معه لإقناعه بها. وكان الإماراتيون هم المُحرِّك الرئيسي لهذه الزيارة وهم أصحاب فكرة دعوة قادة جميع الدول العربية لحضور اللقاء، وفقاً لمصادر موقع ميدل إيست آي.

وبعدها بأشهر قليلة، أٌعلن عن الزيارة الأولى لترامب إلى الرياض.

وكشف ترامب في وقت سابق أنه أبلغ المسؤولين السعوديين بأنه لن يشارك في قمة الرياض، ما لم يدفعوا مئات المليارات من الدولارات في صفقات شراء الأسلحة الأميركية. وفي مقابلة مع شبكة "سي بي أن"، أوضح ترامب أنه وافق على المشاركة في قمة الرياض أيضاً مقابل وقف تمويل الإرهاب، وفقاً لما ذكره موقع "الجزيرة نت".

ولم يخفِ ترامب نشوته في الأموال التي حصَّلها من مشاركته بقمة الرياض، وكان قد ألقى كلمة أمام أنصاره في يونيو/حزيران الماضي وبدا مبتهجاً للغاية، عندما قال أنه "عاد محملاً بمليارات الدولارات من السعودية".

وفي تصريح سابق له، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون خلال قمة الرياض، إن القيمة الإجمالية للاتفاقات التي تم توقيعها بين الرياض وواشنطن تبلغ "أكثر من 380 مليار دولار".


انتقاد ترامب


وكشفت الرسائل المسربة من البريد الإلكترونية للعتيبة تناقضه في التصريحات والمواقف، فبينما كان يعزز نفوذه في واشنطن مع مسؤولين من الإدارة الأميركية، بيّنت إحدى الرسائل أنه انتقد مراراً دونالد ترامب في مراسلاته الإلكترونية خاصة خلال العام 2016، وفقاً لما ذكره موقع "هاف بوست" النسخة الأميركية.

انتقد يوسف العتيبة، السفير الإماراتي في الولايات المتحدة، والصديق المُقرَّب للمستشار البارز في البيت الأبيض جاريد كوشنر، مِراراً الرئيس دونالد ترامب في مراسلات بريد إلكتروني خاصة العام الماضي، 2016 -بما في ذلك مع مسؤولين موالين للرئيس السابق باراك أوباما- حصل عليها موقع هاف بوست، النسخة الأميركية في 5 يونيو/حزيران 2017.

وادَّعى المُسرِّب أو المُسرِّبون الذين تشاركوا الرسائل مع موقع "هاف بوست" آنذاك أنَّهم أرادوا كشف الطبيعية ذات الوجهين للسياسة الخارجية الإماراتية.

وتُبرِز الرسائل هشاشة العلاقات بين ترامب والعرب الحلفاء للولايات المتحدة، وهم الذين كانوا أكبر معجبيه في المجتمع الدولي.

ففي الساعة 9:12 مساءً ليلة الانتخابات الرئاسية الأميركية، ومع تزايد احتمالات فوز ترامب بصورةٍ كبيرة، كتب روب مالي، كبير مسؤولي الشرق الأوسط في إدارة أوباما، للعتيبة: "ألديك مكانٌ لي في أبوظبي؟"، مشيراً بذلك إلى العاصمة الإماراتية.

ورد العتيبة: "إنَّ هذا ليس مُسلِّياً. كيف/لماذا يحدث هذا؟ على أي كوكبٍ يمكن أن يكون ترامب رئيساً؟".