"مكَّة الروسيَّة".. لماذا أطلقَ بوتين هذا الاسمَ على إحدى مدن شبهِ جزيرة القرم؟

تم النشر: تم التحديث:
KHERSONIS
sociaal

اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته شبه جزيرة القرم تسمية محمية "خيرسونيس" بـ"مكة الروسية"

وبحسب وكالة "سبوتنيك" الروسية تعد محمية "خيرسونيس" متحفاً للتاريخ والجغرافيا.

وأشار بوتين الذي التقى بمجموعة من علماء وفنانين وغيرهم من ممثلي المجتمع المدني إلى أن مدينة "خيرسونيس" تنطوي على أهمية تاريخية، واقترح تحويلها إلى ما أسماه بـ"مكة الروسية"، موضحاً أن هذا المكان يعد نقطة انطلاق مسيرة توطيد الدولة الروسية الموحدة، وإعلان اعتناق روسيا الدين المسيحي.


قصة المدينة العريقة


وخيرسونيس مُستَعمَرةٌ يونانيةٌ قديمة أُنشَئت منذ نحو 2500 عام في الجزء الجنوبي الغربي من شبه جزيرة القرم. وقامت المُستَعمَرة في القرن السادس قبل الميلاد على يد مستوطنين من مدينة هيراكليا بونتيكا اليونانية القديمة.

تقع خيرسونيس على شاطئ البحر الأسود في ضواحي مدينة سيفاستيبول الأوكرانية في شبه جزيرة القرم، حيث يُشار إليها باسم خيروسون. وقد أُطلِقَ على هذه المستعمرة اسم "بومبي أوكرانيا".

وتتبع موقع المستعمرة الآن محمية توريك خيرسونيس الوطنية. ويعني اسم "خيرسونيس" باليونانية "شبه الجزيرة"، وهو يصف بدقة الموقع الذي أُنشِئت فيه المستعمرة. وينبغي عدم الخلط بين هذا الاسم وتوريك خيرسونيس، وهو الاسم الذي عادةً ما يُطلَق على جنوب القرم بأكمله.

وبحسب أسطورةٍ وحقائق تاريخية، فإنَّ تعميد "فلاديمير العظيم" قد حدث عام 988 في خيرسونيس (أو كما كان يُطلَق عليها الروس القدماء، كورسون)، والآن أصبحت خيرسونيس توريكا محميةً طبيعية بالقرب من سيفاستوبول.

وقد ذُكِرَت الكنيسة الكونسيليارية للمدينة في كتاب "قصة الأعوام الماضية" الذي كتبه الراهب نسطور، إذ قال: "في وسط المدينة، حيث يجتمع السكان للتجارة" وهو، كما يُفترض، قد يكون المكان المُحتَمَل للحدث المحوري لكل روسيا.

وقد كان أدميرال أسطول البحر الأسود، فلاديمير إليكسي غريغ، أول من عرض فكرة تخليد مكان تعميد الأمير المُقدَّس فلاديمير كنظيرٍ للرُسُل، عام 1825. وبدأت أعمال الحفر بعد مبادرته تحت إدارة ضابط البحرية ك. كروز، في خيرسونيس توريكا عام 1827.

ونتيجة لذلك، وُجِدَت بقايا الكنائس المسيحية القديمة، بما في ذلك بازيليكا صليبية الشكل وُجِدَت في مركز ميدان السوق. وخمَّنَ المؤرخان فريدريك دوبوا دو مونتبيرو ومورزاكفيتش، عام 1830، أنَّ فلاديمير العظيم قد عُمِّدَ في هذه البازيليكا.

وبعد ذلك زالت كل الشكوك حول مكان كنيسة المستقبل. وأنشئ دير القديس فلاديمير عام 1850، بناءً على طلبٍ من أساقفة كنيسة إينوسنت، وأبرشية خيرسونيس وتوريك. ووُضِعَ حجر أساس الكنيسة تكريماً للقديس فلاديمير في 23 أغسطس/آب عام 1850.

وكان مؤلف مشروع كاتدرائية القديس فلاديمير في خيرسونيس هو الأكاديمي ديفيد جريم. وطبقاً لخطته، فقد كان ينبغي بناء الكاتدرائية على الطراز البيزنطي. استغرق البناء 15 عاماً وانتهى بين عامي 1874 و1876، بمساعدة المهندس م. أرنولد. وكانت واحدة من أكبر كاتدرائيات روسيا (إذ يبلغ طولها 36 متراً، ومساحتها الكلية 1726 متراً مكعباً، ونصف قطر القبة 10.5 متر)، ويمكنها استقبال ما يصل إلى 1000 زائر للكنيسة.

وبدأ تزيين الكنيسة في ليلة العيد الـ900 لتعميد روسيا. لكن لم تُدهَن الكنيسة في هذا التاريخ المهم، وهذا هو السبب الذي كُرِّسَ من أجله الجزء السفلي فقط من الكنيسة في 13يونيو/حزيران 1888، إلى يوم الأمير العظيم القديس فلاديمير على شرف ميلاد السيدة مريم.

وفي هذا العام وضعت الإيقونستاسياس (عارضة الأيقونات) التي نُحِتَت من الخشب، في الكنيسة، وبدأ العمل في الجزء العلوي الداخلي من الكنيسة تحت إدارة المعماري نيقولاي تشاغين. وقد صنع الأكاديمي أليكسي كورزوخين الرسومات والأيقونات للإيقونستاسياس المركزية لكاتدرائية القديس فلاديمير.

وعلاوة على ذلك، استخدم في الجزء الداخلي من الكاتدرائية أعمالاً من خمسينيات القرن التاسع عشر صنعها الأكاديمي تي نيف، والرسام إف ريس، وأيقونات صنعها إي ميكوف وإي سوروكين. ونَفَّذَ الأساتذة الإيطاليون، جي سيبي والأخوان باسكاريني أعمالاً من الرخام، مثل إيقوناستاسيس الجزء العلوي من الكنيسة، والفسيفساء الأرضية للكاتدرائية، والدرابزين الرخامي في سولي. وبدأ تشييد الكاتدرائية في 17 أكتوبر/تشرين الأول عام 1891، وانتهت آخر التصميمات التزيينية عام 1894.

ومنذ عام 1859 بدأ الرخام المُشكَّل على صورة الإنجيل مع آثار الأمير العظيم القديس فلاديمير، في التنقُّل من الكنيسة الصغيرة إلى قصر الشتاء في سان بطرسبورغ إلى خيرسونيس.

وبعد بناء كاتدرائية القديس فلاديمير، وُضِعَت رفاته في الجزء السفلي من الكنيسة بالقرب من أنقاض البازيليكا القديمة. ونجد في مذبح الجزء العلوي من الكنيسة قائمةً بمعجزات أيقونة كورسون لأم الإله التي، بحسب الأسطورة، جلبها فلاديمير العظيم من خيرسونيس. وقد نقلت رفات 115 قديساً إلى الكاتدرائية.