القصة الحقيقية للجنرال الأميركي الذي أشاد به ترامب في وأد الإرهاب.. ماذا فعل بدم الخنزير مع المسلمين؟

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
U.S. President Donald Trump answers questions about his response to the events in Charlottesville as he talks to the media in the lobby of Trump Tower in Manhattan, New York, U.S., August 15, 2017. REUTERS/Kevin Lamarque | Kevin Lamarque / Reuters

عقب حادث برشلونة الإرهابي، غرد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر قائلاً: "ادرسوا ما فعله الجنرال الأميركي بيرشينغ بالإرهابيين بعد القبض عليهم، اختفى بعدها الإرهاب الإسلامي المتطرف لمدة 35 عاماً".

وكان ترامب قد نشر في البداية رسالة تأييد ودعم للضحايا، ندّد فيها بالهجمات، ثم أشار إلى ضرورة التعلم من التاريخ حيث انتصر الجنرال جون بيرشينغ في أوائل القرن العشرين على المتشددين الإسلاميين في الفلبين بقتلهم برصاص مغمور في دماء الخنازير.

وقد رفض المؤرخون، الذين درسوا أنشطة الجنرال بيرشينغ في إقليم مورو بين عامي 1909 و1913، هذه الرواية باعتبارها زائفة، إذ لم يشر لها في مذكراته كما لا يتسق هذا التصرف مع سلوكياته.


من هو الجنرال بيرشينغ؟


تولى الجنرال الأميركي جون جي. بيرشينغ (1860-1948) قيادة قوات المشاة الأميركية في أوروبا خلال الحرب العالمية الأولى. وكان الرئيس والقبطان الأول لخريجي أكاديمية ويست بوينت العسكرية لعام 1886، وقد أدى خدمته العسكرية في الحروب الأميركية الإسبانية والأميركية الفلبينية، وأوكلت إليه مهمة شن غارة تأديبية على الثائر المكسيكي بانشو فييا.

وفي عام 1917 وقع عليه اختيار الرئيس الأميركي وودرو ويلسون لقيادة الجيش الأميركي المرسل إلى أوروبا، ومع أنه كان ينشد المحافظة على استقلال قوات جنود المشاة إلا أن استعداده للانخراط والاندماج في عمليات قوات الحلفاء ساعد كثيراً في التوصّل إلى الهدنة مع ألمانيا. وبعد الحرب خدم بيرشينغ في منصب رئيس أركان الجيش بين عامي 1921 و1924.

ويصعب شرح تاريخ الإدارة الأميركية للفلبين بين فترتي التنازل الإسباني عن جزرها مع نهاية الحرب الأميركية-الإسبانية عام 1898 وبين الحصول على الاستقلال السياسي الكامل عام 1946.

كان الجنرال جون جي. بيرشينغ الملقب بـ"Black Jack" كان جزءاً من العملية لأنه كان حاكم إقليم مورو المتوتر والمثير للمتاعب بين عامي 1909 و1913. ولا توجد مراجع أو إشارات في سير حياة بيرشينغ إلى تلك الحادثة المزعومة، كما أن سيناريو القصة لا يتفق مع أسلوب بيرشينغ المسجل في التعامل مع أهالي مورو عام 1911. فعندما رفضوا الانصياع لأوامره التي تحظر السلاح، وأعرضوا عن تسليم أسلحتهم، كان رده هو كتابة رسالة، أعاد موقع Snopes المتخصص في التحقق من الأخبار نشرها، إلى أهالي مورو يعبر فيها عن حزنه لأن جنوده مضطرون لقتلهم تطبيقاً للأوامر:

"أكتب إليكم هذه الرسالة لأني أسفت لما علمت أنكم وشعبكم ترفضون النزول عند أوامر الحكومة، فأنتم لا تتخلون عن سلاحكم، وقد أرسلت جنوداً حتى تأتوا إلى المخيم وتسلموا أسلحتكم، فلما وصل الجنود إلى مخيم التغلبي ما كان من مقاتلي المورو إلا أن اقتحموا المخيم بفتح النار وحاولوا قتل الجنود، بعدها اضطر الجنود إلى قتل كل مقاتلي جبهة مورو الذي ابتدروهم بإطلاق النار. ثم لما سار الجنود عبر المنطقة أطلق عليهم مقاتلو جبهة مورو النار تارة ثانية، فاضطر الجنود لقتل المزيد. آسف لأن الجنود اضطروا لقتل مقاتلي مورو، فكلهم سواسية بالنسبة لي كأطفالي، ولا أب يريد قتل أطفاله".

ثم لما وصلت المفاوضات طريقاً مسدوداً، ظل بيرشينغ كارهاً لتحمل أي مسؤولية عن مقتل المزيد أكثر من اللازم.

ذهب بيرشينغ إلى مكتبه في الـ14 من ديسمبر/كانون الأول 1911 فقط ليسمع رسالة من حاكم منطقة سولو جاء فيها: "لقد تجمع مئات المناوئين على جبل "بود داجو" في جزيرة جولو!"، كانت رسالة ذات محتوى ينذر بالشر، فجبل داجو المرتفع الذي تعلوه فوهة بركان خامد له رمزية وقدسية بالنسبة لشعب المورو، فهو الملاذ من القدر والقلعة الحصينة الأخيرة لكل من فقد الأمل، وهو المكان الذي جابه فيه أجدادهم أمواجاً عاتية من الأعداء، فبتمركزهم هناك على الجبل بين سفوحه إشارة إلى أنه مرحباً بالموت، حسبما علم ليونارد وود بكل أسف ووجوم. إن لجوءهم إلى داجو هو بمثابة إعلان واضح للحرب.

لدى سماعه الأخبار، حزن بلاك جاك وارتسمت على وجهه ملامح الاكتئاب والجدية، فكتب معبراً عن قلق يأخذ منه كل مأخذ قائلاً: "آسف لأن هؤلاء المورو حمقى بهذا الشكل.. لن أخسر إلا أقل عدد من الجنود، كما لن أقتل إلا أقل عدد ممكن من المورو".

وأثارت ذكريات مذبحة وود التي راح ضحيتها الرجال والعائلات على جبل داجو غضباً في الجيش الأميركي وأزعجت رئيس الأركان، وطبعاً فإن مذبحة أخرى من هذا النوع شتاء 1911 قد تؤثر بشكل بالغ في انتخابات 1912 الرئاسية الأميركية.

وكما كتب ويليام لامبرز فإن بيرشينغ لم يعدم أي مسلم، بل إن الروايات المنقولة عزت نجاح بيرشينغ إلى مجرد توجيهه تهديداً بعمل التالي:

ورد في صحيفة Chicago Daily Tribune مقال عام 1927 قصة كان بيرشينغ فيها يحتفظ بسجناء من جبهة ثورة مورو بالفلبين، وكان المورو مسلمين يقاومون الأميركان وكل قوة محتلة أخرى.

وكان لدى مقاتلي مورو سيّافون يسمونهم "جورامينتادوز" يقتلون المسيحيين وسط هذه الثورة، فكان لابد من وقف ذلك، وقد أوكلت هذه المهمة الصعبة إلى الجنرال بيرشينغ.

يقول مقال جريدة Chicago Daily Tribune إن الجنرال بيرشينغ رش بعض السجناء بدم الخنزير الذي يعتقد سيّافو الجورامينتادوز بأنه سيلعنهم إلى الأبد، لكن بيرشينغ بعد ذلك أخلى سبيل السجناء وأصدر تحذيراً إلى الآخرين من رشهم بدم الخنزير، وقالت صحيفة Chicago Daily Tribune في مقالها إن "تلك القطرات من دم الخنزير أثبتت أنها أقوى من طلقات الرصاص".

والواقع أن بيرشينغ كان ميالاً أكثر إلى محادثات السلام مع مقاتلي مورو أكثر من العنف.


رواية جديدة


لكن رواية أخرى من كتاب اسمه Jungle Patrol عام 1938 عزت تلك الفعلة إلى شخص آخر ليس بيرشينغ نفسه:

لقد كان ذاك الكولونينل ألكساندر روجرز من فرقة الفرسان الـ6، فهو الذي استغل التحامل الديني لتحقيق ما لم تستطع البنادق والأسلحة تحقيقه. لقد دشن روجرز نظاماً لدفن كل موتى سيافي الجورامينتادوز في قبر واحد مع جثث الخنازير المذبوحة، فالدين الإسلامي يأمر باجتناب الخنزير، وهذا الأسلوب البسيط نسبياً أدى إلى انسحاب سيافي الجورامينتادوز إلى مناطق ليس لروجرز سيطرة عليها، فبدأ موظفون آخرون بتطبيق المبدأ ذاته، بل وأضفوا عليه بعض التحسينات لكي يثيروا تقزز مقاتلي المورو أكثر، ففي بعض المناطق كانت رؤوس سيافي الجورامينتادوز تقطع بعد الموت ثم يخاط الرأس مع جثة خنزير.

إن فكرة استخدام دم الخنزير سلاحاً ضد المسلمين ليست جديدة، بل موجودة في الثقافة الشعبية منذ عقود من الزمن.

ولعل أفضل دليل على استخدام الجنود الأميركان للخنازير تكتيكاً ضد المسلمين جاء في مذكرات بيرشينغ نفسه بعنوان "حياتي قبل الحرب العالمية 1860-1917" التي نشرتها دار يونيفرستي بريس بولاية كنتاكي عام 2013. في مذكراته يكتب بيرشينغ أن قائداً آمراً آخر في الفلبين هو الكولونيل فرانك ويست قد أوصى مرة واحدة على الأقل بـ"دفن جثامين المقاتلين المسلمين علناً في قبر به خنزير ميت. ولم يكن اتخاذ إجراء كهذا محبباً، لكن احتمال ذهابهم إلى نار جهنم بدلاً من الجنة أفلح أحياناً في ردع القتلة".

وفي حاشية أسفل صفحة من نسخة 2013 أشار المحرر جون تي. غرينوود إلى رسالة عن تلك الحادثة من الميجور جنرال جي. فرانكلين بيل قائد فرقة الفلبين وجهها إلى بيرشينغ وقال فيها: "بالطبع لا شيء يمكن عمله، لكنني أفهم أن العُرف جرى على دفن الثوار المقاتلين مع الخنازير عندما يقدمون على قتل الأميركيين. أجدها خطة جيدة، لأن ما من شيء يثبط الثوار المقاتلين سوى احتمال الذهاب إلى جهنم بدلاً من الجنة، لكم أن تعتمدوا علي في دعمي لكم بالحفاظ على هذا العرف المتبع، فهو الشيء الوحيد الممكن عمله لتثبيط المتطرفين المجانين".

إن هذه الكتابات المدونة تدل بشكل دامغ على استخدام قوات الولايات المتحدة للخنازير تكتيكاً ضد الثوار المقاتلين المسلمين، ولكن ما من دليل على أن بيرشينغ نفسه ارتكب تلك الأفعال.

وقد شكك الخبراء، حسب ما نقل موقع Politifact المتخصص أيضاً في التحقق من التصريحات والتعليقات، في شيوع تطبيق هذه الممارسات كما كان محل شكهم أيضاً إن كان بيرشينغ قد أمر بارتكابها أو فوضها.

يقول برايان مكاليستر لين المؤرخ بجامعة A&M بتكساس ومؤلف كتاب Guardians of Empire: The U.S. Army and the Pacific, 1902-1940 (حراس الإمبراطورية: الجيش الأميركي والمحيط الهادئ بين عامي 1912-1940) "إن هذه القصة مفبركة ولطالما رُفِض الاعتداد بها، وأنا مستغرب من أنها مازالت متداولة".

أما كريستوفر آينولف البروفيسور في جامعة DePaul ومؤلف كتاب America in the Philippines, 1899-1902: The First Torture Scandal (أميركا في الفلبين 1899-1902 فضيحة التعذيب الأولى) فأضاف أنه واثق بالاستنتاج الذي كان توصل إليه المؤرخ العسكري المتوفى حديثاً فرانك إي.فاندايفر الذي قال لموقع About.com عام 2003: "لم أجد قط إشارة على صحتها في الدراسات المفصلة لتجاربه مع جبهة مورو؛ وإن هذا النوع من الأمور ليتعارض كلياً مع شخصيته".

وبالفعل لاحظ مؤرخون آخرون أن بيرشينغ اتبع أسلوباً أقل عنفاً في "تهدئة" الثوار جنوب الفلبين مقارنة بليونارد وود الذي كان أحد سابقيه.

وقال لانس جاندا المؤرخ العسكري في جامعة Cameron "لقد حقق [بيرشينغ] الكثير مما نسميه "الفوز بالقلوب والعقول"، كما تبنى إصلاحات ساعدت على إنهاء مقاومتهم. لقد حارب كذلك، لكن فقط عندما اضطر إلى ذلك، ولم يكن يحارب سوى القبائل أو العصابات التي ترفض التفاوض معه. لم يكن شخصاً يكرس نفسه للقتال وحسب مثلما يزعم ترامب وغيره ممن يروون قصة دم الخنزير".

هناك إشكالية أخرى، فقد قال المؤرخون إن القول بخوف الثوار من الخنازير ليس أكيداً مثلما يوحي ترامب، فمن غير الواضح مدى التمسك الديني لهؤلاء المقاتلين الثوار، وليس واضحاً كيف لسياسة كهذه أن تحدث فرقاً لديهم يجعلهم يعدلون عن أفعالهم.

وختم جاندا قائلاً: "لقد كانت جبهة مورو تقاتل لعدة أسباب وليس فقط لأنهم مسلمون، وهذه حقيقة أخرى تضيع وسط صخب الجدل المعاصر حول الإرهاب".