استسلام غير مشروط.. لهذه الأسباب يغضب الإيطاليون من عودة سفيرهم إلى القاهرة وتلك تبريرات حكومتهم

تم النشر: تم التحديث:
GIULIO REGENI
Anadolu Agency via Getty Images

تعتزم الحكومة الإيطالية تقديم بيان أمام مجلس النواب الإيطالي يوم 4 سبتمبر/أيلول المقبل، بشأن قرار إعادة سفيرها إلى القاهرة، لمواجهة ردود فعل غاضبة من الرأي العام، إزاء ما يُعد محاولة لتطبيع العلاقات مع مصر، رغم مزاعم بمسؤوليتها عن مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني في عام 2016.

ونقلت وكالة أنسا ANSA الإيطالية عن مسؤولين أن بيان الحكومة سيركز على العلاقات الثنائية والوضع في البحر المتوسط، والرد على طلب الإحاطة البرلمانية الذي قدمه النائب جوليو ماركون، زعيم كتلة حزب «يسار إيطالي ممكن».

وكان «ماركون» قد قال في رسالة لرئيسة المجلس لاورا بولدريني، إنه «وفقاً لأحدث ما كشفت عنه (نيويورك تايمز)، فإن الحكومة الإيطالية تلقت أخباراً أكيدة، لا عن تورط الاستخبارات المصرية بالقتل فقط، بل عن معرفة الجهات العليا للدولة بهوية المسؤول عن هذه الجريمة البشعة».

وبعد ظهر الخميس؛ طالبت لاورا بولدريني، رئيسة البرلمان الإيطالي، أعضاءَ مجلسِ النوابِ بفعل ما باستطاعتهم لكشف حقيقة ما حدث. "ليس فقط لعائلته، بل للبلد بأسره الحق في معرفة أن البحث عن حقيقة مقتل مواطن شاب إيطالي ستظل ضرورة أساسية لمؤسساتنا وأننا لن ننحني لأي سبب".

وبحسب ما أورد موقع Politico، في السابع عشر من أغسطس/آب 2017، أعلنت روما أنها بصدد إعادة سفيرها إلى مصر بعد 15 شهراً من استدعاء مبعوثها السابق احتجاجاً على وفاة الطالب.

كانت صحيفة نيويورك تايمز قد أوردت يوم الثلاثاء أن الولايات المُتحدة قد قدّمت أدلة قوية لأجهزة الأمن الإيطالية بشأن تورّط مصر في اغتيال ريجيني. وأنكرت الحكومة الإيطالية تسلّم تلك الأدلة، ولكن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان قال إن الحكومة ستُطلِع النواب على قرار إعادة السفير.


أسباب الغضب من عودة السفير


وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، وصف والدا الطالب بجامعة كامبريدج قرار تعيين سفير بمصر بأنه أمر شائن، واتهمت منظمة العفو الدولية إيطاليا بغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة المصرية.

وطالب زعماء المعارضة رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جينتيلوني، الذي كان يتقلّد منصب وزير الخارجية إبان فترة وفاة ريجيني، بالعودة من عطلته لشرح إجراءاته في البرلمان حيال المسألة.

وقالت عائلة ريجيني في بيان أطلقته يوم الإثنين 14 أغسطس/آب 2017 "عندما نعرف بشأن الذي قتل جوليو، ولماذا، وعندما يتم تسليم مُعذبيه وجميع شركائهم إلينا أحياء، حينها فقط يمكن للسفير العودة للقاهرة دون إيذاء كرامتنا".

ويشار إلى أنه قد تم العثور على جثمان ريجيني في خندق على الطريق السريع الذي يربط العاصمة المصرية بمدينة الإسكندرية، في فبراير/شباط 2016، بعد 9 أيام من اختفائه. وكانت جثّته مُشوّهة بعلامات التعذيب الواضحة. وكان طالب الدراسات العليا، الذي يتحدّث اللغة العربية بطلاقة، في مصر يُجري بحوثاً بشأن النقابات المهنية.

واتّهم أليساندرو دي باتيستا، النائب بالبرلمان من حركة خمس نجوم، الحكومة بالتستّر على القتل، وقال إنه يتعيّن المضي سريعاً في إطلاعهم على الأمر.

وقال في حديثه لراديو راديكالي الإيطالي، الخميس 17 أغسطس/آب 2017 "أريد من الحكومة إطلاعنا على الأمر غداً وليس في 4 سبتمبر/أيلول".


وأسباب الحكومة "للتصالح" مع القاهرة


وأشارت الصحافة الإيطالية إلى أن أجهزة الأمن المصرية مسؤولة عن اختطافه وقتله، ورفضت الحكومة الإيطالية من جانبها نظريات عديدة طَرَحَها المحققون المصريون، من بينها وفاته جراء حادث طريق. ولم يُتهَم أحد بالقتل حتى الآن.

ودافع وزير الخارجية الإيطالي أنجلينو ألفانو عن قرار إعادة السفير إلى القاهرة، إذ قال في بيان أدلى به يوم الإثنين إن التزام الحكومة "يظل قائماً لتوضيح الاختفاء المأساوي لجوليو" وإن هذه الخطوة "ستساعد من خلال الاتصال بالسلطات المصرية على تعزيز التعاون القضائي ومن ثم البحث عن الحقيقة"- حسب وصفه.

كما دعم كبير المدعين العامين فى روما، جوسيبي بينياتوني، تحرك الحكومة. وقال إن "أنشطة التحقيق والتعاون ستستمر حتى تنكشف الحقيقة حول كل الظروف التي أدت إلى اختطاف وموت جوليو ريجيني".

وتعتبر مصر شريكا اقتصادياً رئيسياً لإيطاليا، لا سيّما بعد اكتشاف شركة "إني" للطاقة، والمملوكة جزئياً للحكومة الإيطالية، حقلَ غاز ضخم قبالة السواحل المصرية.


طريق إيطاليا إلى ليبيا عبر بوابة القاهرة


ويتوجه السفير الإيطالي إلى القاهرة متسلحاً بضرورة اعتماد "السياسة الواقعية"، التي تقضي بأنه ينبغي على إيطاليا إصلاح العلاقات مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إذا كانت تريد حلاً مع الجنرال حفتر فيما يتعلق بقضية المهاجرين. مرة أخرى، تتغلب السياسة الواقعية على حيثيات الشؤون السياسية الأخرى، كما ورد في تقرير لموقع Huffington Post Italia في نسخته الإيطالية .

واعتبر التقرير أن كل ما يثير اهتمام السلطات الإيطالية في الوقت الراهن، هو الأزمة الليبية لا غير. وبالإشارة إلى هذه الأزمة، من الضروري العودة على أسباب هذه الخطوة من قبل روما ودوافعها.

ونقل موقع "هاف بوست" عن مصادر دبلوماسية أنه "بغية التوصل إلى اتفاق مع الجنرال حفتر، ينبغي على إيطاليا التماس المساعدة من حليفه المصري، الرئيس عبد الفتاح السيسي".

كان حفتر في حوار مع صحيفة "كوريري ديلا سيرا" الإيطالية قد انتقد إيطاليا، لكنه تحدث عن إمكانية إنشاء تعاون بشأن الهجرة غير الشرعية على غرار النموذج التركي. والإشارة هنا إلى ما وصفه بالاستثمار في الموارد الاقتصادية والحصول على الدعم السياسي على حد السواء، لأجل وضع حد للمهاجرين عن طريق البحر الأبيض المتوسط. في المقابل، لا يعمل الجنرال حفتر بمفرده. فقد تمكن من استعادة السيطرة على بنغازي وطرابلس، بفضل الدعم العسكري الذي منحته إياه مصر.

ومن هذا المنطلق، وفي حال أرادت إيطاليا التفاوض مع حفتر، فيتعين عليها انتظار الحصول على الموافقة من قبل مصر، وبالتالي، ينبغي عليها الاعتماد على السفير الإيطالي في مصر لتيسير هذه المهمة.

ونقل التقرير عن دبلوماسي إيطالي سابق أن عودة العلاقات مع السيسي هي إحدى ثمار السياسة الواقعية التي تنتهجها إيطاليا، "إذا عزفنا عن إقامة علاقات سياسية واقتصادية وتجارية مع جل الدول باستثناء تلك التي تتبع نظم ديمقراطية، فسنضطر إلى إغلاق سفاراتنا ووقف التعامل مع حوالي نصف دول العالم". وأضاف المصدر ذاته قائلاً: "لقد سئمنا مما يسمى بالربيع العربي. حقيقة، نحن نتأسف على مبارك والقذافي".


السيسي "أهون الشرين" بالنسبة للاتحاد الأوروبي


وأضاف التقرير أن الصمت الذي تلا هذا التصريح على التفاؤل. في الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير سنة 2015 ومايو/أيار سنة 2017، تجاوزت قيمة المساعدات المالية للاتحاد الأوروبي ودولها الأعضاء لفائدة مصر 11 مليار يورو.

خلال هذه الفترة، أصبح السيسي، بالنسبة لأوروبا "أهون الشرين"، بعد أردوغان. وفي الأثناء، قررت أوروبا الدخول في اتفاقيات وتوظيف المليارات من الدولارات لأجل الأعمال التجارية، فضلاً عن التعاون لأجل تحقيق الاستقرار في ليبيا. بالنسبة لأوروبا، حقيقة مقتل ريجيني وتحقيق العدالة يمكن أن ينتظر، إلى ما لا نهاية. في المقابل، ترى عائلة الشاب أنه "لا يمكن أن نتقاعس ونستسلم، لأننا قررنا الخوض في هذه الحرب منذ البداية. نحن نعلم جيداً الحقيقة وسنعمل على كشفها".


صرخة مواطنَين من أوروبا يمزقهما الألم


من جانبه، أفاد والد الضحية أنه "لا ينبغي أن نعيد السفير إلى مصر، وهذه خطوة يتوجب على بقية الدول الأوروبية اتباعها. أورد رئيس الوزراء الإيطالي بعض التصريحات المطمئنة، وستبقى لدينا ثقة في مؤسساتنا". من جهتها، أفادت باولا ريجيني أنه "من حقنا معرفة الحقيقة من أجل كرامتنا، ولكن أيضاً من أجل أولئك الشباب الذين يتابعون القضية عن كثب".

في الواقع، لا تعتبر هذه العبارات مجرد كلمات والدين مزقهما الألم والحزن على فراق ابنهما، ولكنها صرخة مواطنين أوروبيين يطالبان دولتهما والاتحاد الأوروبي بالتحلي بالشجاعة والكرامة لأجل الحفاظ على شموخهما. بعد مرور أربعة أشهر على ذلك الاجتماع مع الصحافة، لم يحدث شيء بالفعل من شأنه أن يبرر تطبيع إيطاليا العلاقات مع مصر. وفي الأثناء، اعتبرت عائلة ريجيني أن القرار الذي اتخذته الحكومة الإيطالية بشأن اللجوء إلى مصر بغية إيجاد حل للأزمة الليبية، بمثابة استسلام غير مشروط.