مداهمة الفضاء الإلكتروني... تعرَّف على أسلحة الحكومة المصرية لمطاردة معارضيها على الإنترنت

تم النشر: تم التحديث:
INTERNET EGYPT
Suhaib Salem / Reuters

يتخذ أصحاب القرار في القاهرة من الصين وكوريا الشمالية نموذجاً لتبرير موقفهم المتشدد تجاه الفضاء الإلكتروني، والسعي للسيطرة عليه، فمن الضروري "السيطرة على كل ما يُنشر من أجل حماية الأمن القومي". وعلى وجه التقريب، يعتبرون ما يُبث على الإنترنت من أخبار وتقارير وحتى آراء شخصية، تهديداً أمنياً كبيراً يجب التعامل معه بجدية.

هكذا يلفت التقرير الربع سنوى لمؤسسة "حرية الفكر والتعبير" المستقلة المصرية إلى ما وصلت إليه حالة حرية التعبير في الربع الثاني من عام 2017، عن شهري أبريل/نيسان ويونيو/حزيران. التقرير يوثق في شهرين فقط 321 انتهاكاً لحرية الصحافة والإعلام والتعبير الرقمي والإبداع، من بينها 108 انتهاكات لحرية الصحافة والإعلام، و169 انتهاكاً لحرية التعبير الرقمي، و44 انتهاكاً لحرية الإبداع.


هكذا ترتفع وتيرة القمع في الفضاء الإلكتروني


يرصد التقرير تزايد الانتهاكات بالملفات الثلاثة في الربع الثاني على الربع الأول، وقال محمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية بالمؤسسة ومحرر التقرير، لـ"هاف بوست عربي"، إن هذه الزيادة ناتجة عن سياسة جديدة اتبعتها الحكومة المصرية بحجب المواقع على الإنترنت، سواء المواقع الصحفية، أو مواقع منظمات المجتمع المدني، مثلما حدث مؤخراً بحجب موقع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

وأضاف عبد السلام أن تفعيل الكيانات الإعلامية التي تأسست مؤخراً، كنقابة الإعلاميين والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ساعد أيضاً على زيادة عدد الانتهاكات، بعدما بدأت تلك الكيانات العمل كرقيب على المادة التي تنشر أو تذاع.

التقرير الذي جاء في 38 صفحة، يشير إلى 3 طرق تستخدمها الحكومة المصرية للسيطرة على الفضاء الإلكتروني (مواقع إعلامية وتواصل اجتماعي)، وهي التشريعات التي يعمل عليها مجلس النواب حالياً، وكذلك تشديد الرقابة، والطريقة الثالثة والأخيرة المحاكمات والتنكيل الإداري.


التشريعات تقيد الحرية


يلعب مجلس النواب دوراً كبيراً في معركة السيطرة على الإنترنت، ويركز على قانون حرية تداول المعلومات، الذي نص عليه دستور 2014، كأحد القوانين المكملة للدستور، لكنه لم يصدر حتى الآن.

على نحو متعمَّد، تم تجاهل إصدار القانون منذ بداية عمل البرلمان، لافتاً إلى حديث بعض المقربين من النظام عن ضرورة إصدار القانون بشكل سريع، ونقل التقرير ما قاله رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد، عن أهمية إصدار قانون حرية تداول المعلومات؛ حتى يستفيد منه الصحفيون والإعلاميون وكذلك الشعب، أمام لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، في 8 مايو/أيار الماضي.

شهد مجلس النواب عدداً من مشروعات القوانين التي تتعلق بالفضاء الإلكتروني، وطالب النواب بقانون للجريمة الإلكترونية، وتحدثوا عن تنسيق بين لجان الاتصالات والشؤون الدستورية والتشريعية ولجنة الدفاع والأمن القومي؛ لمناقشة 4 مشروعات قوانين مقدمة من النواب والحكومة واختيار أفضل نصوصها.

رغم ذلك، لفت التقرير إلى "تعتيم على مشروعات القوانين التي تناقشها اللجنة المشتركة".


المواقع الإلكترونية برخصة حكومية


شهر أبريل/نيسان الماضي شهد تقديم أحد النواب مشروع قانون من 6 مواد يُلزم الحكومة بإنشاء موقع إلكتروني يحتوي على نموذج لتسجيل بيانات الراغبين في الحصول على ترخيص لإنشاء مواقع التواصل الاجتماعي، ويحتوي النموذج على الاسم رباعياً والرقم القومي والبريد الإلكتروني، ويعاقب مشروع القانون المخالفين بالحبس 6 أشهر والغرامة التي لا تجاوز 5 آلاف جنيه.

في أبريل/نيسان كذلك، كما يشير التقرير، دعا نواب لسنّ قانون يلزم مستخدمي الشبكات الاجتماعية بدفع مبلغ مالي شهرياً نظير استخدامهم فيسبوك.

ويرى اللواء يحيى كدواني، وكيل لجنة الدفاع بمجلس النواب، في حديث مع "هاف بوست عربي"، أن وضع مواقع التواصل الاجتماعي حالياً "لا يرضي أحداً"، لافتاً إلى ضرورة تقنين وضعها، خاصة لدورها الكبير في نشر الأفكار الإرهابية والمتطرفة.

وقال إن "الجماعات الإرهابية تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منبراً لها، تدعو من خلاله إلى التطرف وكذلك تجنّد عناصر جدداً تستخدمهم في الداخل".


3 "أقفال" للرقابة على المواقع الاجتماعية


كيف يفكر النظام السياسي في السيطرة على ما ينشر بمواقع التواصل الاجتماعي؟

يجيب اللواء كدواني لـ"هاف بوست عربي" بأن هناك 3 خطوات يجب أن تتخذها الدولة للتوصل إلى آلية:

أولاً: يتم فتح حساب على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال برنامج خاص تضعه الدولة.

ثانياً: يكون باشتراك رمزي ويُمنع على المواطن فتح أكثر من حساب.

ثالثاً: آلية لرقابة الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حتى لا تُستغل في الإضرار بالأمن القومي.

وأكد اللواء كدواني أن هذه الإجراءات لا تمس حرية الرأي والتعبير، وهناك دول عدة حول العالم تقوم بذلك؛ حمايةً لأمنها القومي، مشيراً إلى أن الدول الأوروبية التي تتغنى بحرية الرأي والتعبير أيقنت مؤخراً خطورة مواقع التواصل الاجتماعي، وتقوم بمراقبتها، لكن بطريقة غير قانونية وغير معلنة.


مطاردة العاملين بالدولة على صفحات فيسبوك


اعتمدت الحكومة تشديد الرقابة على ما يكتبه الموظفون في الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتحقيق الإداري معهم، وضرب مثالاً على ذلك بما تعرضت له الدكتورة منى البرنس، عضو هيئة التدريس بجامعة السويس، من هجوم بعدما نشرت مقطع فيديو لها على حسابها الشخصي وهي ترقص.

وعليه، قررت الجامعة إحالتها إلى التحقيق الإداري ووقفها عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، واتهمتها إدارة الجامعة بـ"نشر مقاطع وصور على الحساب الخاص بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم الالتزام بتدريس المنهج العلمي لكلية التربية، والظهور في عدة برامج تلفزيونية دون إذن الجامعة، والإدلاء بتصريحات مخالفة للتقاليد والقيم الجامعية والنظام العام والآداب والأخلاق، مما يتنافى مع دور الأستاذ الجامعي".

وأصدرت وزارة التعليم العالي بياناً أكدت فيه أنها تتابع قضية الدكتورة منى البرنس، وجاء فيه أن "الحرية الشخصية لأعضاء هيئة التدريس مصونة بحكم الدستور والقانون، إلا أنها ليست على حساب الأعراف والقيم الجامعية".

تكرر ذلك مع المخرج في التلفزيون المصري علي أبو هميلة. ورصد التقرير إحالته إلى النيابة الإدارية بتهمة أنه سلك مسلكاً لا يتفق مع الاحترام الواجب للوظيفة وخالف القواعد والتعليمات وأحكام القانون وخرج عن مقتضى الواجب بأنه قام بنشر وكتابة عبارات غير لائقة في حق رئيس الجمهورية على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك.

وتضامن عدد من منظمات المجتمع المدني مع أبو هميلة وأكدوا أن التحقيق معه انتهاك لحرية الرأي والتعبير.

ولفت التقرير إلى وجود تقصير قانوني في مجال حماية الخصوصية رغم النص الدستوري على ذلك، وأشار إلى أنه لا يوجد تعريف للحق في الخصوصية وتحديد نطاق حمايته، وعدم وجود قانون لحماية البيانات الشخصية.

وأشار التقرير إلى ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، في تقرير لها، عن سعي أجهزة سيادية مصرية للحصول على بيانات مستخدمي أوبر وكريم (وهما شركتان تعملان في مجال نقل الركاب).


الملاحقة الأمنية لناشطي شبكات التواصل الاجتماعي


رصد تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 56 حالة انتهاك لضحايا على خلفية استخدامهم الشبكات الاجتماعية والإنترنت، وجاء بالتقرير أن هناك 55 حالة تعرض فيها مستخدمون لملاحقات أمنية وقضائية على خلفية نشاطهم الرقمي، بالإضافة إلى حالة تحقيق إداري واحد.

ويرى محمد عبد السلام، مدير الوحدة البحثية بمؤسسة حرية الرأي والتعبير، أن الملاحقة الأمنية لما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي باتت واضحة جداً في الفترة الأخيرة، لافتاً إلى أن هذه الملاحقات تستخدمها الدولة للسيطرة على ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتاً إلى أن هناك قضايا تتداول في المحاكم حالياً، تكون المنشورات على فيسبوك أو تويتر هي الدليل الأول في القضية.


إغلاق الصفحات الشخصية المعارضة بالتنسيق مع فيسبوك؟


وأشار عبد السلام إلى أن التقرير لم يتطرق إلى مسألة إغلاق صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وقال "لا نستطيع معرفة الآلية التقنية التي يتم بها ذلك؛ هل يتم عن طريق القبض على أدمن هذه الصفحات والحصول منه على الرقم السري للحساب؛ ومن ثم إغلاقه؟ أم يتم ذلك بالتنسيق مع إدارة فيسبوك؟ أم يتم عن طريق اختراق الحساب؟"، مضيفاً: "لذلك، نستطيع أن نرصد بدقة، ما يحدث في هذا الملف".

وأعلنت وزارة الداخلية الأربعاء 17 أغسطس/آب الجاري، أنها "أغلقت 7 صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها تحرض على العنف".


… والمستقبل غامض


لا يمكن التنبؤ بما سيحدث فيما تبقى من العام، كما يضيف محمد عبد السلام، "للأسف نحن نعيش في واقع سياسي متغير باستمرار، ولا أجندة سياسية واضحة، والثابت الوحيد أن هناك عداء كبيراً لحرية الرأي والتعبير، سواء كانت في صحف مطبوعة أو مواقع إلكترونية أو فضائيات، وحتى على مواقع التواصل الاجتماعي".

يضيف عبد السلام أن من حق أي نائب بمجلس النواب أو بالمجلس القومي لحقوق الإنسان الرجوع إلى المؤسسة ومناقشتها في الحالات التي رصدتها في التقرير، "إذا أرادوا التحرك والتدخل لوقف تلك الانتهاكات"، مؤكداً أنهم لا يرسلون التقرير إلى أي جهة حكومية وأنهم يعتمدون على منصاتهم الإعلامية والتغطيات الصحفية لنشر التقرير.