"عذراء إيطاليا" تعود إلى تونس.. قصة الاحتفال المسيحي الذي اندثر بسبب موسوليني

تم النشر: تم التحديث:
R
ر

بعد سنوات طويلة من الانقطاع، سمحت تونس، ذات الغالبية المسلمة، بتنظيم موكبٍ مسيحيٍّ قديمٍ يحتفي بتمثال إيطالي للسيدة العذراء، رغم أن الأقلية الكاثوليكية التي جاءت بهذا التقليد قد اندثرت بعد أن عادت لموطنها.

ففي منطقة تكاد الطائفية تكون عنواناً لها دوماً، تظل تونس -رغم كل حزازاتها الاجتماعية- منارة أمل للتسامح الديني، حسب وصف تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.


صقلية التونسية


في حي حلق الوادي بالعاصمة تونس، يتجمهر نحو 150 شخصاً داخل كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل الباقية من القرن الـ19.

ثمة المزيد منهم يتجمعون خارج الكنيسة في حر الصيف القائظ وراء قضبان السياج الحديدي الذي يحدّ الشوارع الضيقة في "صقلية الصغيرة"، هذا الحي الذي استقر فيه المهاجرون الإيطاليون في هذه المدينة الساحلية الشهيرة بصيد السمك.

توافد الحضور من أجل مشاهدة الموكب الأول الاحتفالي بِعيد انتقال العذراء، الذي ينظم لأول مرة في المدينة منذ أن اختفى هذا التقليد وبطل العمل به أوائل ستينيات القرن الماضي.

ففي تلك الأيام حينما كان التقليد مزدهراً، كان تمثال عذراء مدينة تراباني الإيطالية المزدان بالزهور يُحَملُ عبر شوارع حلق الوادي المكتظة إلى الميناء، حيث كان يقف الكهنة المسيحيون إلى جانب أهالي المنطقة من مسلمين ويهود؛ لكي يباركوا قوارب صيد السمك وطواقم صياديها.

تقول "الغارديان": "إن الموكب الجديد بات مختصراً؛ فالتمثال يُحمل إلى خارج الكنيسة ويسير إلى الساحة حيث يقام له جولة بها وسط مزيج من الترانيم والأهازيج المحلية التقليدية، لكن الجموع الغفيرة التي غُصّت بها الساحة والتي تكالبت على تصوير الحدث بكاميرات الهواتف أثبتت أن مراسم هذا الطقس الديني ما زالت حية تجتذب الاهتمام رغم انقضاء السنين".

يتحدث إلى صحيفة الغارديان الأب دجيرامبيت نرسيس، راعي وكاهن الأبرشية المنظِّمة للاحتفال والذي ترجع أصوله إلى تشاد، مؤكداً في حديثه رسالة الوحدة، قائلاً: "إن موكب انتقال العذراء هو رسالة وحدة حلق الوادي؛ إذ إن هذا الحي المكون من المسيحيين والمسلمين واليهود يتجمع فيه الكل معاً؛ احتفالاً بالـ15 من أغسطس/آب"، مضيفاً: "فنحن أسرة حي واحد، والناس قدِموا من كل مكان".

b


كيف بدأ؟


يشير تقرير "الغارديان" إلى أن قَسَمات التقاليد المسيحية بدأت تبرز في حلق الوادي وسط أهاليه من مسلمين ويهود نحو أواخر القرن الـ19.

فمع اشتداد التنافس الأوروبي آنذاك، ازدادت موجة الهجرة الإيطالية إلى تونس، وغدا حي حلق الوادي مركز تجمُّع لعشرات الآلاف من القادمين من جزيرتي صقلية وسردينيا ضمن هجرة دفعت قطاعات من سكان الجزيرتين لأماكن متناثرة على ساحل البلاد المطلة على المتوسط.

وهكذا، كانت هجرة صيادي السمك الإيطاليين هي ما جاء بالتقاليد المسيحية إلى تونس ذات الأغلبية المسلمة.

يقول البروفيسور الحبيب القزدغلي، المحاضر في التاريخ بجامعة منوبة في العاصمة تونس: "بدأت طقوس الموكب في القرن الـ19؛ حينما كان تمثال عذراء تراباني يُحمَل إلى الميناء لمباركة المراكب والقوارب، وقد صار له شعبية واسعة منذ عام 1915 وصاعداً، حيث كان المسلمون واليهود ينضمون لمشاهدة الموكب".


لماذا أوقفه موسوليني؟


ورغم أن أثره وبصمته المعمارية ظلتا قائمتين، فإأن الموكب خبا في التاريخ قبل الحرب العالمية الثانية مثلما هو الحال مع الأقلية الدينية التي جاءت بهذا التقليد.

إذ إن سكان تونس من الإيطاليين اختفوا تماماً بعدما اعتنقوا فلسفة بينيتو موسوليني (الفاشية)، وكذلك اختفى الأهالي اليهود من سكان الحي الذين ترجع أصولهم، حسب "الغارديان"، إلى ما قبل الفتح الإسلامي والعثماني.

فقد هاجر معظم هؤلاء إلى إسرائيل أو لاذوا بالأمن في أوروبا، وهكذا بعدما كانت أعدادهم تقدَّر بـ100 ألف بُعيد الحرب العالمية الثانية، صارت أعداد يهود تونس الذين يسكنونها اليوم تقدَّر بـ1700 فقط.


مهرجان يهودي أم عرض عسكري؟


وتشهد تونس سنوياً احتفالاً آخر يعبّر كذلك عن انفتاح هذا البلد؛ ففي كل عام وتحت رقابة وحراسة عدد غفير من جنود الجيش التونسي يكاد يُخيَّل للناظر أنهم عساكر هذا الجيش برمته، يقام المهرجان اليهودي "لاك بعومر" في جزيرة جربة، التي يتوافد عليها الحجاج اليهود من شتى بقاع العالم.

ويقول البروفيسور الحبيب القزدغلي: "لدينا 6 أقليات؛ الإباضيون (مذهب إسلامي له رأي مناهض لتوريث الحكم)، واليهود في تونس العاصمة وجربة، والمسيحيون بشتى مذاهبهم وطوائفهم".

لكنه يشير إلى أنه من الصعب الحصول على أرقام دقيقة لهذه الأقليات، فمثلاً عادة ما يُخفي الإباضيون مذهبهم؛ خشية إثارة النعرات لدى السنّة، كذلك ثمة حقيقة هي أن التوانسة عموماً لا يمكنهم تخيل أن التونسي قد يكون أي شيء آخر سوى أن يكون مسلماً".

لقد تغير سكان تونس كثيراً وبشكل درامي منذ تأسست كنيسة القديس أوغسطين والقديس فيديل، حتى إن التغييرات طالت جموع المصلين فيها والذين بات جزء منهم الآن الأفارقة الآتين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى إلى تونس بغية الدراسة أو العمل، كذلك جزء من المصلين هم من المهاجرين الأوروبيين الخبراء الذين يبقون هنا طيلة فترة عقود عملهم.


مهاجرة تحب المهاجرين


ومع اقتراب مغيب الشمس يوم احتفال عذراء تراباني، يقول الأب نرسيس إنهم سيطلبون الإذن العام المقبل؛ لكي يسيروا بالموكب حتى الساحل.

وتعلق "الغارديان" على المشهد قائلةً: "لعل الجمهور الأصلي المتفرج على موكب التمثال قد اختفى واندثر، ولعل الدولة المضيفة للتمثال تمر بتغيرات جذرية، ولكن يبقى هذا الموكب حاضراً لا يغيب، فلطالما كان الموكب في خدمة مهاجري تونس واحتفالاً بوجودهم".

بينما يختم الأب نرسيس كلامه قائلاً: "إن سيدة تراباني هي نفسها مهاجرة، فقد جاءت إلى هنا من إيطاليا. خلاصة الأمر هو كيف نتعايش معاً كعائلة واحدة، ونبارك بحرنا والناس".