هل صارت أيامها معدودة؟.. هكذا تسعى السعودية إلى كبح جماح "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

تم النشر: تم التحديث:
MALL IN SAUDIA
Gilles BASSIGNAC via Getty Images

قال له صديق سعودي إنه قد لا يجدها عند وصوله إلى المملكة، ولكن مدير معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن الأميركية ناثان براون، لا يعتقد أن مصير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية قد يُحسم بهذه السرعة، وإن كان يشهد تطورات دراماتيكية لم تكن متوقعة قبل سنوات.

ففي مطلع يوليو/تموز الماضي، أجرى البرلمان السعودي مناقشةً دستورية حامية حول تطبيق الشريعة الإسلامية، واعتبر براون في مقالة بصحيفة واشنطن بوست أمس الأربعاء، 16 أغسطس/آب 2017، أنها ستكون لها تداعيات بعيدة المدى على كيفية حكم المملكة، كونها جزءاً من صراعٍ أكبر على كبح جماح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي يشار إليها غالباً باسم "الشرطة الدينية"، وتقوم بفرض القيم الأخلاقية والدينية في الأماكن العامة.

ويتابع: "في المملكة العربية السعودية الآن، تخضع مناقشات السياسة الخارجية للرقابة، وتتعرض الآراء المعارضة للإخماد، لكنَّ المناقشات الدينية أضحت أكثر انفتاحاً على نطاق واسع. هل أضحت الشرطة الدينية بلا أنياب أو حتى أُلغِيت؟ حدثت النقطة الأولى بالفعل؛ فلم يعد للهيئة صلاحيات الشرطة، أما النقطة الثانية فتبدو غير مرجحة، لأنَّها قد تكون غير ضرورية، ولكنَّها قيد المناقشة".


لم تعد شرطة


منذ العقود الأولى من عهد الدولة السعودية، فرضت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفسيرها للضوابط الإسلامية على السلوك العام. ويُعرف أفرادها أحياناً باسم "المطوعين". عملت الهيئة على منع ارتكاب الرذائل بحماس، مع التركيز بدرجاتٍ متفاوتة على مر السنين على منع التجمعات المختلطة بين الجنسين، وإغلاق أماكن العمل خلال أوقات الصلاة، ونشر المعاملات الصادقة في الأسواق العامة.

تشتهر الهيئة على الصعيد الدولي بفرض قوانين صارمة على ملابس النساء، وأحياناً بالقوة. واتخذت أيضاً الجزء الأول من مهمتها، تعزيز الفضيلة، بجدية، من خلال توزيع المواد الدينية. وفي الآونة الأخيرة، تصدرت الهيئة عناوين الصحف الدولية عن طريق تعقب امرأة ظهرت في شريط فيديو ترتدي تنورةً قصيرة في مكانٍ عام. ويبدو أنها سُلِّمت إلى الشرطة العادية والنيابة العامة، التي رفضت النظر في القضية.

لكن، على الرغم من تسميتها بالهيئة، وتسمية أفرادها بالمطوعين، فإنَّها تُعد هيئة إدارية مستقلة ذات سلطة بيروقراطية عالية ملحقة بمجلس الوزراء. وتعرض نفسها على أنَّها تنوب عن الحاكم في الاضطلاع بواجباته لإنفاذ الشريعة الإسلامية، وتستشهد أيضاً بسلسلةٍ من اللوائح الرسمية التي تحدد طبيعة سلطتها وهيكلها. لكن في الوقت الذي تشعر فيه الهيئة أنَّها تنوب عن الحاكم، يتصرف أعضاء الهيئة وفقاً لفهمهم للشريعة الإسلامية، بل إنَّهم أحياناً يتعرضون لانتقاداتٍ من المؤيدين المتدينين لتشددهم.

قبل عام، قلَّصت السلطات السعودية من سلطة الهيئة كثيراً؛ إذ أصبح يمكن للهيئة أن تدعو المواطنين للالتزام بالضوابط، لكنَّها لم تعد هيئة شرطية. ويقول السعوديون إنَّ ظهور المؤسسة أصبح أقل وضوحاً في الشارع. وحتى عندما تظهر، لم تعد ذات صلة بالحياة العامة التي نظمتها بدرجاتٍ متفاوتة على مدار عقود.


هل يكون هذا مصيرها؟


في الأشهر القليلة الماضية، انتشرت شائعاتٌ بأنَّ أيام الهيئة أضحت معدودة. وقبل الزيارة الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية، قال لي أحدهم مازحاً إنَّني قد لا أجدها وقت وصولي. لكنَّ هذه الخطوة لم تُتخذ بعد، وفي يوليو/تموز، ناقش مجلس الشورى السعودي -وهي هيئة لا تتمتع بسلطة تشريعية كاملة ولكنَّها تقوم باستعراض ومناقشة السياسات والإدارة العامة- توصيةً بضم الهيئة إلى وزارة الشؤون الإسلامية. كما ذكرت وزارة الداخلية أنَّها قد تضم الهيئة. وستكون مثل هذه الخطوات خفضاً بيروقراطياً خطيراً في سلطات الهيئة، التي كانت تتمتع بقدرٍ كبير من الحكم الذاتي كهيئةٍ مستقلة.

لم تحدد المناقشة البرلمانية مصير الهيئة تقريباً، لكنَّ الأمر أصبح علامةً على أنَّ هذه المناقشات أضحت علنيةً تماماً في المملكة العربية السعودية، المنقسمة بشكلٍ حاد حول الهيئة ودور الدين في المجتمع السعودي وفي الحياة العامة بشكل عام.

بالنسبة للبعض، تُعد الهيئة ضرورية للحفاظ على النظام والأخلاق العامة. أما بالنسبة للآخرين، فتُعد الهيئة كياناً رجعياً لديه تاريخ من إنفاذ القواعد بطريقةٍ عنيفة. وأولئك الذين يعيشون في المملكة العربية السعودية شاهدوا اختلافاتٍ كبيرة في دور الهيئة وحضورها، لكن نادراً ما كان وجودها محلاً للمناقشة.


القول ما قال "الملك"


يبدو أن الدولة السعودية تعزز نفسها، إذ يقوم حكام البلاد بإعادة ترتيب المؤسسات والكيانات لتلائم احتياجاتهم، وذلك لإخضاع البعض، ولهذا فإن إلغاء الهيئة أصبح محل نقاش بصورةٍ متزايدة. وستكون هذه الخطوة الجذرية خروجاً مدهشاً عن سياسات المملكة القديمة. فالهيئة لها جمهور مؤيد لعملها، وأفرادها جاؤوا من قطاعاتٍ متدينة من المجتمع السعودي، تضاءل نفوذها بسبب السياسة العامة، لكنَّ تهميشها بالكامل بإبعاد أفرادها وحرمانهم من وظائفهم ستكون له تكلفته.

لكن إذا أرادت الهيئة التشبث بالحياة، فإنَّ دور الشريعة في الدولة السعودية من المرجح أنَّ يخضع لتغييراتٍ كبيرة. وقد اقترح بعض العلماء السعوديين البارزين أنَّ الهيئة يجب أن تكون حريصةً على تنفيذ تفسيرات الشريعة الإسلامية المستقرة لدى العلماء وأيدها الحكام فقط.

وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، وذلك باقتراح مناقشاتٍ من شأنها أن تزيد القيود المفروضة على الهيئة من القضاء. وقال أحد أعضاء مجلس الشورى السعودي، إنَّه في أي مسألة لا يتفق عليها العلماء، يستطيع الحاكم فقط أن يقرر أي تفسيرٍ سيُطبَّق، ولا يعتقد هذا العضو كثيراً في فكرة الحاكم الذي يُفوِّض الآخرين (مثل الشرطة أو القضاة) لتقرير تفسير الشريعة الإسلامية الذي سيسود.

وبطبيعة الحال، فإنَّ نطاق القضايا التي يختلف عليها جميع العلماء محدودة. وبهذا الشكل، فإنَّ جميع القوانين المعمول بها تقريباً هي ما قرره الملك. وإذا سادت هذه الآراء على نطاقٍ أوسع، فإنَّ الشريعة لن تختفي عن الحياة العامة، لكنَّ النظام الذي يمنح القضاة السعوديين وغيرهم من المسؤولين فرصةً للتصرف وفقاً لعلمهم وتفسيراتهم الخاصة يتآكل بوضوح.