أعدم النميري زوجها وقادت أول تظاهرة ضد الاستعمار البريطاني.. رحيل "أم الشعب السوداني" فاطمة إبراهيم

تم النشر: تم التحديث:
FATIMA
social

ربما لم تحظَ شخصية سودانية في العصر الحديث بإجماع كالذي حظيت به فاطمة إبراهيم (85 عاماً)، القيادية في الحزب الشيوعي السوداني، وأول برلمانية في تاريخ السودان.

هذه المكانة عبرت عنها شعارت رفعها مشيعو جثمان فاطمة، في الخرطوم أمس الأربعاء 16 أغسطس/آب 2017، ومنها: "فاطمة أم الشعب"، و"فاطمة أم القيم".

بعيداً عن وطنها، توفيت فاطمة، السبت الماضي، في العاصمة البريطانية لندن، التي قصدتها قبل 27 عاماً عقب انقلاب عام 1989، الذي جاء بالرئيس عمر البشير إلى السلطة.

السودانيون يحفظون لفاطمة، المولودة في الخرطوم عام 1932، تاريخاً نضالياً طويلاً، حيث قادت، وهي لا تزال طالبة، أول تظاهرة نسائية، عام 1949، ضد الاستعمار البريطاني (1899-1956).

وبعد استقلال السودان بعامين، ناهضت فاطمة، التي انضمت إلى الحزب الشيوعي عام 1952، ضد أول انقلاب عسكري في تاريخ السودان، الذي استولى على السلطة، عام 1958، برئاسة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964).

نضال آخر اشتغلت به فاطمة، وهو حصول المرأة السودانية على حقوقها السياسية، ما أوصلها، عام 1965، إلى البرلمان، لتصبح أول نائبة في تاريخ السودان.

ووفق السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، محمد مختار الخطيب، في كلمة مسجلة، فإن "فاطمة هي أول برلمانية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وقد ناضلت من أجل الحرية والسلام والعدالة".

المنعطف الأكبر في حياة فاطمة كان إعدام نظام الرئيس جعفر النميري (1969-1985) لزوجها القيادي الشيوعي، رئيس اتحاد عمال السودان، الشفيع أحمد الشيخ، والسكرتير العام للحزب، عبد الخالق محجوب، وآخرين، يوم 26 يوليو/ تموز 1971، بتهمة دعم محاولة انقلاب فاشلة نفذتها، في 19 يوليو/تموز من ذلك العام، مجموعة تطلق على نفسها "الضباط الأحرار".

المحاكمات طالت فاطمة أيضاً، لكنها خرجت منها أكثر صلابة، وواصلت مناهضتها لنظام النميري، حتى أطيح به في انتفاضة شعبية عام 1985.

مع هذه الأحداث، صارت فاطمة رمزاً للشيوعيين ولغيرهم يتغنّون بها وبابنها الوحيد أحمد، وبزوجها المقتول على المشنقة.

ومحتفياً بها، قال زعيم حزب الأمة السوداني المعارض، الصادق المهدي، في بيانٍ، إن "الأستاذة فاطمة من رائدات الدعوة إلى حقوق المرأة، ومن الناشطات في الدعوة إلى الديمقراطية، إبان نظم التسلط الاستبدادي في البلاد".

وكان لنشأة فاطمة في أسرة متعلمة ومتدينة تأثير كبير في تكوين شخصيتها، فجدها كان أول ناظر لمدرسة للبنين في السودان وإماماً لمسجد، ووالدها تخرج في الجامعة معلماً، ووالدتها من أوليات السودانيات اللواتي حظين بتعليم مدرسي في السودان.

وعي فاطمة السياسي بدأ في التبلور مبكراً، نتيجة تعرُّض والدها لمضايقات من قبل إدارة التعليم البريطانية، حتى اضطر لترك المدراس الحكومية، بسبب دعوته المتكررة إلى تدريس اللغة العربية.

وبحسب الأمين العام للحركة الشعبية/ قطاع الشمال المتمردة، ياسر عرمان، في بيان، فإن "فاطمة عنوان من العناوين المهمة في كتاب نضال المرأة السودانية الحديث، وأطول النخلات النسائية في تاريخنا الوطني بعد رحيل الاستعمار".

ولم تغب فاطمة عن مجال الصحافة، حيث أصدرت، عام 1955، مجلة "صوت المرأة"، مع عدد من أعضاء الاتحاد النسائي، وتولت رئاسة تحريرها، كأول رئيسة تحرير سودانية.

وهي من مؤسِّسات الاتحاد النسائي السوداني، وترأست مكتبه التنفيذي، عام 1956، ثم تفرغت للعمل النسوي.

وفي عام 1991، تم اختيارها رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، كأول امرأة عربية وإفريقية مسلمة ومن العالم الثالث تترأس هذه المؤسسة النسوية العالمية.

بعدها بعامين، حصلت فاطمة على جائزة منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 1993، تقديراً لدورها في الدفاع عن الحريات والديمقراطية وقضايا المرأة.

فيما منحتها جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية دكتوراه فخرية، في 1996، لجهودها في الدفاع عن القضايا النسوية ومناهضة استغلال الأطفال.

كما منحها صندوق "ابن رشد"، التابع لمؤسسة "فريدريش آيبرت" الألمانية، عام 2006، جائزة حرية التفكير، لشجاعتها في قضايا حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.

ولفاطمة إبراهيم مؤلفات عديدة، منها: "حصادنا خلال 20 عاماً"، "آن آوان التغيير ولكن"، "المرأة العربية والتغيير الاجتماعي"، "حول قضايا الأحوال الشخصية"، "قضايا المرأة العاملة السودانية"، و"أطفالنا والرعاية والصحية".

بعد كل هذا النضال كان الإجماع على فاطمة إبراهيم جلياً في مشهد المشيعين لجثمانها، حيث تَدَافع قادة الأحزاب السياسية لتقديم واجب العزاء والمشاركة في التشييع.

كما قدَّم نائب الرئيس السوداني، رئيس الوزراء بكري حسن صالح، رفقة عددٍ من المسؤولين واجبَ العزاء.

لكن اعتراضات مشيعين عجَّلت برحيل الوفد الحكومي، وسط هتافات تطالب بإسقاط نظام البشير، الذي يرفض الحزب الشيوعي التحاور معه، ورفض عرضه بتحمل نفقات نقل جثمان فاطمة من لندن، وتشييعها بشكل رسمي، تقديراً لمكانتها لدى السودانيين.