هل كان عبد المجيد تبون ضحية لوبيات المال في الجزائر؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

عيّن الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، الثلاثاء 15 أغسطس/آب 2017، مدير ديوانه، أحمد أويحيى، رئيساً للوزراء، خلفاً لعبد المجيد تبون، الذي مكث بمنصبه 79 يوماً فقط، في مشهد بدا كما لو أنه انقلاب، بعد أن شنت عليه صحف تابعة لرجال أعمال حملة عنيفة.

في أواخر شهر يونيو/حزيران، أعلن رئيس الوزراء عبد المجيد تبون، في بيانه الوزاري، أنه "من الضروري فصل المال عن السياسة"، ملمحاً بذلك، وبشكل واضح، إلى القوى الاقتصادية التي ازداد نفوذها بشكل غير قانوني تقريباً من خلال الدعم الذي تقدمه لعشيرة بوتفليقة، الذي ساعدها بدوره في الحصول على جميع المشاريع العمومية على مدى الـ15 سنة الماضية.

وفق صحيفة lepoint الفرنسية، يترأس هذه الأقلية المتزايدة من لوبيات المال رئيس مجموعة حداد، علي حداد، الذي يشغل منصب رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، الذي يُعد أكبر تجمع اقتصادي لرجال الأعمال الجزائريين.

وتضيف الصحيفة أنه بعد أسابيع قليلة من البيان الذي أصدره عبد المجيد تبون في البرلمان الجزائري، أكدّ تبون، خلال افتتاح مدرسة للضمان الاجتماعي، أن لوبيات المال أصبحت كياناً معادياً للحكومة الجزائرية؛ وقد تمثَّل موقف رئيس الوزراء في رفضه الوجود جنباً إلى جنب مع علي حداد خلال تلك التظاهرة.

على خلفية تلك الحادثة، اجتمع عدد من أصحاب المؤسسات ورؤساء الاتحاد العام للعمال الجزائريين، حيث قاموا بتوجيه تهديدات لرئيس الوزراء عبد المجيد تبون. في أثناء ذلك الاجتماع، صرح علي حداد بأن عبد المجيد تبون لا يعرف مع من يتعامل، فضلاً عن أنه ليس الشخص الذي يجب أن يملي عليهم ما يجب أن يفعلوه.

وعلى ذمة تقرير الصحيفة الفرنسية، فإن حدة هذا التوتر ازدادت بعد إشعارات التنفيذ التي تلقتها شركات البناء التابعة لمجموعة حداد. في هذا السياق، أوضح مصدر حكومي أن فريق حكومة تبون منع تحويل سلفة تصل قيمتها إلى 900 مليون يورو إلى المجموعة؛ نظراً إلى أن معظم مواقع البناء لم تتقدم فيها الأشغال. وأشار المصدر نفسه إلى أنه "كان يُسمح لعلي حداد باستدعاء وزراء حكومة عبد المالك السلال السابقة والتصرف كممثل رسمي للسفراء في الجزائر".


صراع الحكومة والمجموعة التجارية


يوم 25 يوليو/تموز، وصلت وتيرة التوتر بين علي حداد وحكومة عبد المجيد تبون إلى ذروتها، بعد أن نشرت مجموعة حداد ردّاً على الإجراءات التي اتخذتها في حقها الحكومة. ومن خلال هذا البيان، استنكرت المجموعة جميع إشعارات التنفيذ التي وصلتها والحملة العنيفة الموجهة ضدها.

بعد بضعة أيام، ظهر علي حداد مبتسماً في إحدى الصور التي التقطتها وسائل الإعلام، خلال جنازة رئيس الوزراء السابق رضا مالك، رفقة الشقيق الأصغر للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، سعيد بوتفليقة، والذي يعتبر مقرباً جداً من عالَم رجال الأعمال.


حرب العشائر


تضيف الصحيفة أن العشيرة الرئاسية استنكرت الهجوم الذي شنه تبون على مجموعة علي حداد. فخلال رحلة عبد المجيد تبون الأخيرة إلى فرنسا لقضاء عطلة، التقى نظيره إدوارد فيليب، في "اجتماع غير رسمي"، يوم 7 أغسطس/آب. وعلى أثر ذلك، عمدت وسائل الإعلام الموالية لحداد والمقربة من شقيق الرئيس إلى تسليط الضوء على الجانب غير الرسمي لاجتماع باريس، حتى إنها لمّحت إلى أن هذا الاجتماع لم يكن بموافقة رئيس الدولة الجزائرية.

في اليوم التالي، تداولت وسائل الإعلام الجزائرية "توجيهات" الرئيس بوتفليقة، الذي طلب من رئيس وزرائه "تهدئة الوضع"، واعتبر أن مبادراته تمثِّل "تحرشاً حقيقياً بالمتعاملين الاقتصاديين الوطنيين". في الحقيقة، كانت هذه الرسالة موقَّعة من مدير ديوان رئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، بعد أن طلب الرئيس شفوياً منه كتابة رسالة إلى تبون تفيد بأنه يجب عليه تخفيف قسوته على رجال الأعمال في الجزائر.

بعد 3 أشهر فقط من اعتلاء هرم السلطة التنفيذية، وفق الصحيفة، حلّ أحمد أويحيى محل عبد المجيد تبون. وتجدر الإشارة إلى أن خلَف عبد المجيد تبون هو نفسه ذلك الشخص (أحمد أويحيي)، الذي لطالما كان يحلم بأن يُصبح خلفاً للرئيس بوتفليقة، على الرغم من أنه كان وفياً ومرافقاً له طيلة فترة مرضه.

في المقابل، يعتبر أويحيى من الأشخاص الذين كانوا قادرين على تنفيذ جميع المهام الموكلة إليهم بحذافيرها والمقربين من الدولة العميقة. فضلاً عن ذلك، يملك أويحيى مكراً كافياً ليساعد بوتفليقة في تحديد مصيره الوطني.

في خاطرة له، كتب عبد المجيد تبون اقتباساً للرئيس الفرنسي السابق، فاليري جيسكار ديستان، مفاده أن "الرئاسة هي لقاء بين الرجل ومصيره". وفي هذا الصدد، ذكر مصدر مقرب من الرئاسة الجزائرية أن "أويحيى كان يفضل أن يبقى بوتفليقة دائماً تحت أنظاره بدلاً من أن يكون بعيداً عنه".


رؤية رئيس الوزراء لم تكن متوافقة مع رؤية الرئيس


وقال مصدر حكومي -طلب عدم كشف هويته- وفق موقع "فرانس 24"، إن "رؤية رئيس الوزراء لم تكن متوافقة مع رؤية الرئيس"، مشيراً أيضاً إلى مشاكل في "التواصل" بين الرجلين.

وتحدثت وسائل الإعلام الخاصة الجزائرية، في الأيام الأخيرة، عن رسالة "شديدة" اللهجة وجهها بوتفليقة لرئيس وزرائه، منتقداً فيها خصوصاً الإجراءات الأخيرة للحد من استيراد العديد من المنتجات.
ووفقاً لأستاذ العلوم السياسية رشيد تلمساني، فإن تبون "حاول المساس بمصالح" بعض المنتمين إلى "الطبقة الأوليغارشية" المحيطة بالرئيس.


مسلسل مفتوح حول خلافة بوتفليقة


يضع تقرير lepoint الفرنسية تفسيراً بوجود العديد من الأسباب التي توضح حلقات هذا المسلسل الصيفي الصاخب الذي تعيش الجزائر على إيقاعه. أولاً، صحيح أنه داخل النظام كان كل من عشيرة بوتفليقة وقادة الأجهزة الأمنية يريدان تحييد قوة لوبيات المال، الذين أصبحوا يتمتعون بنفوذ قوي في الجزائر وتمكنوا من فرض سلطتهم على حكومة السلال السابقة، فضلاً عن أنهم كانوا يرغبون حتى في أن يلقوا بظلالهم على خيارات خلافة بوتفليقة.

في المقابل، سرعان ما انتهت حياة حرب رئيس الوزراء ضد الفساد ورجال المال الذين أقحموا أنفسهم في السياسة (وهي الحملة التي اكتسبت شعبية كبيرة وأثّرت سلباً على عشيرة بوتفليقة). وقد خنقت العديد من القرارات والضغوط المسلطة من قِبل حداد، فضلاً عن طموحات عشيرة بوتفليقة، مهد عملية الأيدي النظيفة التي أطلقها عبد المجيد تبون.

في هذا السياق، أكد أحد الإطارات بالدولة الجزائرية، أن "لوبيات المال قد فازوا، ولكن المعركة حول الريع والخلافة ما زالت مستمرة". وأضاف أن "هناك العديد من الأطراف الفاعلة في الجزائر التي تدعم حملة مكافحة الأموال القذرة على غرار الجيش، والذين ما زالوا لم يقولوا كلمتهم في هذه المسألة. لكن، تجدر الإشارة إلى أن جميع القرارات الأخيرة تعود بالأساس إلى بوتفليقة!".

في خضم الأزمة السياسية الصيفية، لم يتردد رئيس حزب "جيل جديد"، المعارض سفيان الجيلالي، في التشكيك بقدرة رئيس الدولة على إدارة شؤون الحكم في الجزائر، متهماً المقربين منه باتخاذ القرارات عوضاً عنه، علماً بأن "عبد العزيز بوتفليقة لم يُصدر أي بيان علني لشعبه منذ سنة 2012".

في وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلن الجيلالي أن "حكومة عبد المجيد تبون رفضت أي قرار بالاستقالة لا ينبثق عن بيان علني صادر عن الرئيس رسمياً. ومن ثم، يجوز له أن ينقض أي محاولة من هذا القبيل بذريعة شغور منصب الرئاسة. وإذا كان يريد أن يكون أكثر جدية، فيمكنه أن يستنكر الاستخدام غير المشروع لأطراف ثالثة للصلاحيات الدستورية".

ومنذ إعلان إقالة عبد المجيد تبون من منصبه، هنّأ علي حداد رئيس الوزراء الجديد أحمد أويحيى، قائلاً له إنه "مستعد للعمل معه وجميع مؤسسات الجمهورية، في كنف الحوار والتعاون، من أجل بناء اقتصاد قوي قادر على المنافسة".